عندما انتقل سيرجيو لاناتا -عالِم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو (UCSF)- إلى مدينة سان فرانسيسكو عام 2013، ذُهل لرؤية الانتشار العشوائي لخيمات المُشَرَّدين في المدينة. ويصف ذلك بقوله: "وجدت التشرد حولي في كل مكان". كما أدهشه كذلك التشابهات بين سلوك بعض المُشَرَّدين الأكبر سنًّا وسلوك مرضى الخرف الذين يعالجهم في العيادة. والآن، بعد مرور عدة سنوات، فإن لاناتا بصدد بدء دراسة سوف تتضمن فحصًا طبيًّا للمُشَرَّدين البالغين، بحثًا عن علامات مبكرة لمرض ألزهايمر وغيره من أمراض الدماغ التنكسية، من أجل التوصل إلى فهم أفضل للتأثير المتبادل بين هذه الحالات المرضية وحياة التشرد في الشارع.

هذه الدراسة، التي من المقرر أن تبدأ الشهر القادم، جزءٌ من جهود متواصلة يبذلها الباحثون في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو من أجل فهم التأثيرات الحيوية للتشرد لدى كبار السن. فمنذ عام 2013، تتبَّع فريق من الباحثين تقوده مارجو كوشيل -مدير مركز الفئات السكانية المعرضة للخطر التابع للجامعة- مجموعةً يقارب عددها 350 من المُشَرَّدين البالغين المتقدمين في العمر في أوكلاند، كاليفورنيا، ساعين إلى معرفة لِمَ يشيخ أفراد هذه المجموعة بسرعة فائقة. فعلى الرغم من أن متوسط أعمار أفراد هذه المجموعة يبلغ 57 عامًا، فإنهم يعانون من السكتات الدماغية، وحوادث السقوط، والإعاقات البصرية، وسلس البول، بمعدلات ترتبط عادةً بكبار السن من الأمريكيين في أواخر العقد السابع والعقد الثامن من العمر.

استرعى هذا البحث انتباه السياسيين وعلماء الاقتصاد ومقدمي الخدمات الصحية من شتى أنحاء البلاد ممن يسعون جاهدين لمساعدة المُشَرَّدين وتقليل أعدادهم. وعلى الرغم من أن التشرد مشكلة عالمية، فإنها قد بلغت حدًّا شديد الخطورة في كاليفورنيا. إذ إن 70% من الـ130 ألف شخص الذين لا يملكون مسكنًا في الولاية يُمكن اعتبارهم يعيشون "في العراء"، أي في الشوارع أو في مواقع غير صالحة للسكن الآدمي، مقارنة بنسبة 5% فحسب في مدينة نيويورك. وفي منطقة خليج سان فرانسيسكو -منبع التكنولوجيا والثراء في كاليفورنيا، الذي يضم منطقة وادي السيليكون- يوجد حوالي28,200 مُشَرَّد.

علاوةً على ذلك، فإن فئة المشردين في الولايات المتحدة تتقدم في العمر؛ إذ أدى ارتفاع أسعار المنازل في الكثير من المناطق إلى زيادة معدل التشرد بين جيل "طفرة المواليد" ممن وُلدوا بين عامي 1954 و1964. لكن العديد من المستشفيات ومراكز الشرطة وملاجئ المشردين غير مستعدة للتعامل مع الاحتياجات الخاصة للمشردين كبار السن. تقول كوشيل: "يردد مسؤولو الملاجئ على مسامعي أنهم مُجهزون لاستقبال متعاطي المخدرات، لكن ليس لديهم أدنى فكرة كيف يتعاملون مع حالات الخرف". ومن خلال فهم دور التشرد في تسريع معدل التقدم في العمر، يأمل فريقها التوصل إلى سبل للحد من معاناة الأفراد وتوفير أموال الحكومات.

وفي هذا الصدد يعلق دينيس كولهين، أخصائي العلوم الاجتماعية في جامعة بنسلفانيا بولاية فيلادلفيا، بقوله: "إنها أزمة تدق على أبوابنا. سوف تُنفَق أموالٌ طائلة على هذه الفئة السكانية. علينا الاستعانة بالبيانات التي توصلت إليها مارجو، وتحديد طرق ذكية وفعّالة لإنفاق تلك الأموال، وإلا فسوف ننفقها عشوائيًّا وسنظل نواجه المزيد من البؤس البشري".

يقدر كولهين وزملاؤه أن مدينة لوس أنجيليس في ولاية كاليفورنيا سوف تُنفق -في الفترة بين عامي 2019 و2030- 612 مليون دولار سنويًّا على الرعاية الطبية الطارئة، وأَسِرة دور المسنين، والملاجئ للمشردين ممن تجاوزوا 55 عامًا. وتشير التحليلات التي أجروها إلى أن المدينة قد تقلل من تلك النفقات بما يعادل 33 مليون دولار سنويًّا إذا وفرت منازل لكبار السن الذين لا يملكون مسكنًا.

نظرة عن كَثَب

لطالما كان الباحثون طوال عقود على دراية بانتشار الاضطرابات الصحية الجسدية والعقلية بين المشردين (انظر: "تدهور الحالة الصحية"). لكن لم يوجد سوى عدد ضئيل من الأبحاث المنهجية التي تناولت أسباب ما يعانونه من علل نفسية وجسدية ومدى تفاقُمها عندما أطلقت كوشيل، عام 2013، دراستها حول مسارات الحياة للمشردين البالغين الأكبر سنًّا في منطقة الخليج. ومنذ ذلك الحين، توفي 42 من إجمالي 350 مشردًا بدأت بهم الدراسة، وتركزت أسباب الوفاة في أمراض السرطان والسكر والنوبات القلبية. (في وقت سابق من هذا العام، سجلت الدراسة 100 مشرد إضافي للتعويض عن المشاركين الأصليين الذين فقدتهم).

وقد تلقت كوشيل وزملاؤها دعمًا ماليًّا في الأول من شهر مايو، إذ أعلن المُحسن مارك بينيوف وزوجته لين تبرعهما بثلاثين مليون دولار من أجل تأسيس مبادرة بحثية حول التشرد في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو. وقد صرح مارك بينيوف -مؤسس شركة سيلزفورس الحاسوبية القائمة بسان فرانسيسكو- أن الأموال سوف تدعم الأبحاث الهادفة إلى استكشاف أسباب التشرد وتحديد سبل درئه.

أما دراسة لاناتا، المُقرر أن تبدأ الشهر القادم، فسوف تدرس العلامات الدالة على أمراض دماغية مُوهِنة -على غرار الخرف الجبهي الصدغي، الذي قد يتسبب في تغيرات سلوكية- لدى 20 مشردًا بالغًا على الأقل. سوف يُجري لاناتا وزملاؤه فحوصات عصبية -ربما تتضمن مسحًا دماغيًّا- على المشاركين، من أجل معرفة كيف يؤثر التشرد على تلك الاضطرابات الدماغية. يوضح لاناتا أن الأفراد الذين يعيشون في الشوارع قد يواجهون العديد من العوامل التي من الممكن أن تُسهم في الإصابة بمرض عصبي، مثل نقص النوم، والتعرض للهواء الملوث بالقرب من الطرق السريعة، وداء السكري الذي لم يتم ضبطه بشكل فعال، وارتفاع ضغط الدم، والإسراف في تعاطي الكحوليات.

يأمل لاناتا تحديد ما إذا كانت الأمراض العصبية أحد أسباب تعرُّض المشاركين في الدراسة للتشرد، وذلك عبر طرح أسئلة عليهم تتناول تاريخهم الشخصي؛ فربما أدت تلك الأمراض إلى إضعاف قدرتهم على العمل أو السعي للحصول على مساعدة حكومية. ويؤمن لاناتا بمنطقية هذا الافتراض، نظرًا لخبرته في علاج الحالات المصابة ببعض أنواع الخرف. فيشير: "إذا لم يحظ أولئك المرضى بدعم أسري قوي، فسوف يصبحون مشردين نتيجةً لغياب الأفراد القادرين على رعايتهم أو المتقبلين لحالتهم؛ فالتعامل مع هؤلاء المرضى قد يكون مهمة شاقة".

بدأت كوشيل كذلك مرحلةً جديدةً في دراستها المستمرة، سوف تركز فيها على استكشاف كيف يؤدي الضغط العصبي المفاجئ الناتج عن التشرد إلى إثارة حالات مرضية قائمة أو جعلها تتفاقم. فكثير من الأفراد في دراستها تعرضوا للتشرد بعدما تخطوا الخمسين عامًا.

نصف المشاركين تقريبًا تظهر عليهم أمارات وحدة مفرطة، وهي حالة ترتبط بتضاؤل احتمالات التحسُّن لدى المصابين بالسرطان وغيره من الأمراض. ورُبع المشاركين في الدراسة تنطبق عليهم معايير الإصابة بضعف الإدراك، مقارنةً بنسبة إصابة تقل عن 10% لدى الأفراد ممن تزيد أعمارهم على 70 عامًا في الولايات المتحدة بوجه عام. وفي ورقة بحثية لم تُنشر بعد، اكتشفت كوشيل وزملاؤها أن 10% من المشاركين ذكروا أنهم تعرضوا لاعتداء جسدي أو جنسي كل ستة أشهر على الأقل.

خسائر متزايدة

على الرغم من أن كولهين وغيره من علماء الاقتصاد المختصين بالصحة قد بدأوا بالفعل في استخدام النتائج التي توصلت إليها كوشيل من أجل وضع تصور لتكاليف رعاية المعوزين، لا توجد بعدُ مؤشرات واضحة على قبول السياسيين أو العامة لمقترحاتهم.

فقد خصص جافين نيوسوم، حاكم ولاية كاليفورنيا، 500 مليون دولار لبند الملاجئ ومؤسسات الدعم الأخرى في ميزانية الولاية المقترحة لعام 2019-2020، والتي تبلغ 209 مليارات دولار. لكن في أواخر شهر مارس، سرعان ما تمكّن سكان سان فرانسيسكو من تحقيق هدفهم بجمع ما يزيد على 100 ألف دولار من أجل منع بناء ملجأ للمشردين في حي ثري يتمتع بواجهة مائية. وعلى الرغم من موافقة الناخبين في المدينة على خطة تقتضي تمويل خدمات تُقدم للمشردين عبر فرض ضرائب على الشركات الأضخم في سان فرانسيسكو عام 2018، فإن مجموعات الأعمال التجارية رفعت دعوى قضائية لمنع تطبيق هذه السياسة.

وتأمل كوكو أورزوالد -الباحثة في مجال الصحة العامة بجامعة كاليفورنيا، بيركلي- أن تؤدي أبحاث كوشيل والدراسات الأخرى حول التشرد إلى صحوة أخلاقية، وهو ما تعبر عنه بقولها: "إن طريقة تعامل المجتمعات مع الفئات الأضعف فيها هي أحد معايير الحكم عليها. وأخشى أن نقبل هذه الظاهرة وضعًا عامًّا في بلادنا".