يرتكز الوجود الإنساني على التنوع الواسع للنباتات والحيوانات التي تعيش على كوكب الأرض، غير أن هذا التنوع يتعرض لتهديد كبير بسبب التدهور البيئي الناجم عن الأنشطة البشرية بدءًا من التعدين وحتى الزراعة. ذكر تقرير مدعوم من الأمم المتحدة صدر في وقت سابق من شهر مايو أن مليون نوع من الكائنات يواجه خطر الانقراض، والكثير من تلك الأنواع معرض لذلك خلال العقود المقبلة، ورغم هذا لم تحدث أي تغييرات جوهرية في طريقة تفاعلنا مع الطبيعة.

ولكن ثمة نقطة مضيئة؛ فهذا التراجع يحدث بمعدل أبطأ في أراضي السكان الأصليين، وذلك وفقًا للتقرير الذي أعدته لجنة تُدعَى المنبر الحكومي الدولي للسياسة العلمية عن التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية IPBES. يقول مؤلفو التقرير وغيرهم من خبراء صون الطبيعة إن العالم ينبغي ألا يقف فقط عند استخلاص العبر من إدارة هذه المجتمعات المحلية وغيرها للبيئة، بل يتعين كذلك على العلماء وصنَّاع السياسات دعم هذه المجتمعات والتشارك معها من أجل إيقاف موجة خسارة التنوع الحيوي.

تقول باميلا ماك إلوي، واحدة من المؤلفين الرئيسيين للتقرير والأستاذ المساعد في علم البيئة البشرية بجامعة روتجرز: "في العادة، هم يديرون الموارد والمخاطر البيئية -مثل تراجُع أعداد بعض الأنواع والتلوث- على نحو أفضل. هذه لحظة فارقة في الاعتراف بأن مجتمعات السكان الأصليين والمجتمعات المحلية تؤدي أدوارًا مهمةً بالفعل في الحفاظ على التنوع الحيوي والمساحات الخضراء وإدارتهما على نحو يمكن لبقيتنا التعلُّم منه".

المشرفون على التنوع الحيوي

يقول التقرير إن ربع الأراضي على كوكبنا على الأقل يمتلكها ويستخدمها ويعيش عليها ويديرها سكان أصليون، ويشمل ذلك 35% من الأراضي البرية التي أحدث بها البشر تأثيرًا طفيفًا جدًّا، و35% تقريبًا من الأراضي الموضوعة تحت حماية رسمية. قد ترتفع هذه الأرقام إلى أكثر من ذلك إذا أُدرِجَت المجموعات التي يسميها التقرير "مجتمعات محلية" التي لا تُعتَبَر من الشعوب الأصلية، ولكن تربطها صلات قوية بالأرض من خلال سبل العيش وعوامل أخرى. تقول جوجي كارينو، التي تنتمي إلى "إيبالوي إيجوروت" أحد الشعوب الأصلية التي تعيش في مرتفعات كورداليرا في الفلبين، وتشغل منصب مستشار خبير للسياسات المتعلقة ببرنامج شعوب الغابات: "كنا نقول دائمًا إنك إذا تأملت الأمر جيدًا، ستجد أن السكان الأصليين يديرون مساحات كبيرة جدًّا من التنوع البيولوجي. ولكن أن تجعل الحكومات تتقبل ذلك وأن تجعله إحدى النتائج المهمة التي توصل إليها التقرير، فإن ذلك يُعَد أمرًا بارزًا للغاية". تعمل هذه المنظمة غير الربحية المعنية بحقوق الإنسان مع السكان الأصليين، خاصةً الذين يعيشون في بلدان الغابات الاستوائية.

وجد التقرير أن مجتمعات السكان الأصليين والمجتمعات المحلية تسهم بطرق كثيرة بارزة في الحفاظ على التنوع الحيوي. فمن خلال دمج الأنواع البرية والمستأنسة في الحدائق، على سبيل المثال، خلقوا موائل أكثر تنوعًا وأكثر ثراءً بأنواع الكائنات من المساحات الزراعية التقليدية، التي غالبًا ما تكون عبارة عن حقول واسعة تتألف من فدادين من محصول واحد. يقول زسلوت مولنار، وهو مؤلف رئيسي منسق لتقييمIPBES   العالمي وعالِم الأحياء العرقية في مركز إم تي إيه (MTA) للأبحاث البيئية في المجر: "في بعض الحالات، قد تحتوي حديقة على 300 نوع أو 500". تدير الكثير من مجتمعات السكان الأصليين والمجتمعات المحلية أراضيها إدارةً فعالة عن طريق جملة أمور، منها ممارسات الحرق التقليدية، التي تحسِّن التنوع الحيوي في مناطق منها أستراليا. كما يقومون بالإصلاح البيئي للأراضي المتآكلة مثلما حدث في إقليم شمال غرب المحيط الهادي بالولايات المتحدة، حيث شاركت مجتمعات السكان الأصليين في استعادة أعداد أسماك المحار وأنواع من النباتات المحلية.

أيضًا تؤدي مجتمعات الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية دورًا مهمًّا في الرصد طويل الأمد للنظم البيئية. هذا الأمر ضروري، لا سيما لأن بعض هذه المجموعات تعيش في مناطق نائية يصعب الوصول إليها، مثل المنطقة القطبية الشمالية أو غابات الأمازون. تقول ماك إلوي: "إنها [هذه المجتمعات] بالفعل هي مَن يجمع البيانات، غالبًا عبر تجارب الحياة اليومية، لذا يستطيعون تقديم معلومات حول اتجاهات الأنواع وأعدادها على مر الزمن، والتفاعلات بين الأنواع، والانخفاضات الملحوظة في أعدادها. يمكن لعمليات الرصد هذه أن تؤدي دورًا مهمًّا بالفعل، خاصةً عندما لا يكون لدينا حضور علمي طويل الأمد". فعلى سبيل المثال، تعاونت مجتمعات السكان الأصليين في المناطق شبه القطبية في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا مع هاتين الدولتين في شبكة الرصد البيئي المحلي، التي تجمع الملحوظات حول كل شيء من درجات الحرارة إلى مشاهدات الأحياء البرية.

ومع ذلك، في أغلب الأحيان لم يعترف العلماء ولا الحكومات بإسهامات المجتمعات الأصلية والمحلية في الحفاظ على التنوع الحيوي وصحة النظام البيئي، بل إنهم حقَّروا منها. ففي المجر، على سبيل المثال، لطالما أُتيحَ لرعاة الماشية التقليديين رعي الماشية في الأراضي العشبية، ما ساعد على تحسين التنوع الحيوي بالحفاظ على توازن أنواع النباتات. إلا أنه عندما أنشأت الدولة حدائق وطنية منذ عدة عقود، كثيرًا ما كانت السلطات الحكومية تعوق الرعي التقليدي في الأراضي العشبية أو تقيِّده أو حتى تحظره. ويقول مولنار: "تمثلت المشكلة في أن العلم لم يكن لديه فهم للرعي التقليدي وآثاره". لم تدرك السلطات الحكومية والعلماء الدور الحيوي للرعاة في إدارة الأراضي العشبية إلا في العقدين الماضيين، وبدأت في إعادة إدخال الرعي التقليدي في المنتزهات ودعمه.

رؤية مختلفة للطبيعة

يقول خبراء مثل إدواردو برونديزيو، الرئيس المشارك لتقييم IPBES العالمي والمتخصص في علم الأنثروبولوجيا في جامعة إنديانا في بلومينجتون: إن مجتمعات السكان الأصليين والمجتمعات المحلية تنجح على الأرجح في صون الطبيعة لعدد من الأسباب. فهذه المجتمعات تحظى بتاريخ طويل مع أراضيها، التي وفرت لها سبل العيش بطريقة مباشرة ونشأت بينهما علاقة وثيقة. ويقول برونديزيو: "عندما تفهم الاستخدامات المحتملة لمئات الأنواع وقيمتها، ترى الغابة بطريقة مختلفة عما إذا لم تكن تدرك ذلك الأمر". يمكن كذلك للأعراف والقواعد الاجتماعية أن تساعد المجتمعات على تنظيم مواردها الطبيعية. ويشير برونديزيو قائلًا: "إن الأمر يتعلق بالنظر إلى المساحات الخضراء، ليس فقط من منظور الزراعة أو تحديد مداها فحسب. إذ إنهم، بدلًا من التركيز على مسألة إدارية واحدة، ينظرون إلى وظيفة المساحات الخضراء، وما هو مهم الحفاظ عليه من ناحية الاتصال، وكيف يمكن إدارة موائل مختلفة بحيث يكون بعضها مكملًا لبعض".

كما أن هذه المجتمعات تميل إلى أن يكون لديها فهم أعمق للنظم البيئية المحلية ودينامياتها، وهذا يمكن أن يساعد في اتخاذ قرارات إدارية قائمة على قدر أكبر من الإلمام. تقول ماك إلوي: "المؤسسات القائمة على المجتمعات غالبًا ما تكون أكثر نجاحًا من السياسات أو المؤسسات الحكومية (مثل المناطق الخاضعة للحماية الرسمية)، والسبب في ذلك ببساطة يعود إلى أنهم أقرب للأرض ويمكنهم الاستجابة للتغيرات أو التهديدات على نحو أسرع".

علاوةً على ذلك، تميل الكثير من مجتمعات السكان الأصليين والمجتمعات المحلية إلى أن يكون لديها علاقة متبادلة مع الطبيعة، بدلًا من النظر إلى الطبيعة على أنها موجودة لخدمة البشر، مثلما نظرت الثقافة الغربية للأشياء على مر التاريخ. يقول برونديزيو: "المؤسسات، والقيم الثقافية، وطريقة المعيشة، والطريقة التي تنظر بها إلى الطبيعة نفسها، باعتبارها [غير قابلة للانفصال] عن حياتنا الاجتماعية وهويتنا، كل ذلك يشكل رؤية مختلفة عما نستخدمه وكيف نستخدمه وكيف نتعامل مع سلبيات استخدامه". وكما تشير ماك إلوي: "حتى وإن لم نعترف بذلك، فإن الماء الذي نشربه، والهواء الذي نتنفسه، والغذاء الذي ننتجه، كل ذلك يعتمد على نظم بيئية صحية. يمكننا أن نتعلم هذا الدرس من السكان الأصليين والمجتمعات المحلية الذين يعرفون هذا الأمر بالفعل، والذين يحافظون على الأراضي ويديرونها بفاعلية".

يقول الخبراء إن المعرفة التي تمتلكها مجتمعات السكان الأصليين والمجتمعات المحلية كانت –وستظل- جزءًا مهمًّا من حماية التنوع الحيوي للكوكب والسلامة العامة لنظمنا البيئية. وهذا يعني أنه على الحكومات والعلماء أن يتحالفوا مع هذه المجتمعات عن طريق توصيل أصواتها، وإدراجها في التقييمات العلمية، والاعتراف بالحقوق الإقليمية وخلق شراكات بين العلماء ومجتمعات السكان الأصليين والمجتمعات المحلية. تقول كارينو: "تتمثل إحدى النقاط المهمة في أن على الحكومات حقًّا أن تحترم معارفنا، وقيمنا وإبداعاتنا، إضافة إلى الاعتراف بنظم حيازة الأراضي وحقوق الوصول إليها وما إلى ذلك".

وفي الوقت ذاته، تواجه الكثير من هذه المجتمعات وأراضيها تهديدات جسيمة. فهي تتعامل مع ضغوط نابعة من التعدي على البنية التحتية، والزراعة، والتعدين، وقَطع الأشجار وغيرها من الأنشطة التي تهدد التنوع الحيوي أيضًا. ويقول برونديزيو إن ثمة ضغوطًا داخلية أيضًا. ويوضح قائلًا: "يشكل الفقر مشكلة رئيسة بين مجتمعات السكان الأصليين والمجتمعات المحلية"، ويضيف أنه يمكن لهذه المشكلة أن تشكل ضغطًا على مواردهم الطبيعية أو تسمح للدخلاء باستغلال هذه المجتمعات.

يقول الخبراء مثل مولنار وكارينو إن الممارسات الموحدة لصون الطبيعة يمكن أن تشكل تهديدًا هي الأخرى. ويوضح مولنار مشيرًا إلى مثال شعب الأوجيك الذين طُرِدوا من مساكنهم فوق جبل إلجون في كينيا: "يوجد الكثير من النماذج السيئة التي استحوذت فيها الحكومة على أراضي السكان الأصليين، وأعلنت أنها منطقة محمية، ورُحِّل منها السكان الأصليون أو تعرضوا ببساطة للقتل. إذا أردنا إنشاء تحالفات مع السكان الأصليين لحماية التنوع الحيوي، فعلينا إذًا احترام حقوقهم". تتفق كارينو مع ذلك وتقول: "بالفعل يحتاج أسلوب صون الطبيعة بأكمله في المستقبل إلى إعادة النظر فيه. فلا بد أن يكون صون الطبيعة مصحوبًا باحترام حقوق الإنسان للشعوب التي تعيش هناك، والتي تدير هذه المناطق".