ثمة قراءٌ قرروا أن يوسِّعوا مدارِكي، فَتَراهُم يرسلون إليَّ كتبًا ومقالات من تأليفهم، أو -بِتَواتُر أقل- من تأليف آخرين، أغلب تلك الرسائل مصيره الحذف، ولكن أحيانًا تحظى إسهاماتٌ بانتباهي، من ذلك مثلًا ورقة منشورة من 92 عامًا أرسلها إليَّ روبرت فراي، المهندس والفيزيائي بجامعة جونز هوبكنز، عبر البريد الإلكتروني، ظن فراي -باعتبار تشجيعي الدائم على فكرة التشكك- أني سأرحب بالمقال وأُقْبِل عليه، وظَنُّه في محله.

المقال عنوانه "ما السؤال؟"، وقد نشره فيلِكس إس كوهِن، الأكاديمي القانوني الذي تَخصّص في حقوق السكان الأمريكان الأصليين، عام 1929 بدورية "مونِسْت"، وهي دورية فلسفية مرموقة، كان هذا العنوان الجوديلي (نسبةً إلى عالِم الرياضيات والمنطق كيرت جودِل) وحده كافيًا لشحذ خلايا دماغي، ومثل ذلك كان أثر النقطة الرئيسية في مقال كوهن، والتي صاغها في عبارات لا تخلو من طرافة وتَفرُّد في آن، قال المؤلف إن الفلاسفة ينشغلون دومًا "بطبيعة الافتراضات، وبالتوكيدات أو الأحكام النهائية"، ولكنهم يتجاهلون الأسئلة "تجاهلًا شبه كامل".

ذهب كوهن إلى أن الأسئلة ليست مجرد "استفزاز سيكولوجي، مثله مثل وخز الإبرة أو المعجزات، ينحو بالناظر إلى صياغة توكيدات منطقية"، والمقصود أن الأسئلة ليست مجرد وسائل لبلوغ الإجابات، وإنما للأسئلة قيمة في ذاتها، بل إن للأسئلة في مجال الفلسفة أهميةً تتجاوز أهمية الإجابات.

وفق كوهن، "هؤلاء الذين عَبّروا باللغة عن مشكلات العالمِ أكثرُ استحقاقًا لإطلاق لقب ‘فلاسفة’ عليهم من هؤلاء الذين تصدوا لتلك المشكلات وعالجوها"، وهذا صحيح، وتحضرني الآن نماذج تؤكد ذلك، الفلاسفة نيتشِه وفِتجنشتاين وفيرابند، وكلهم أثار أسئلةً حول إمكانية بلوغ "الحقيقة"، في الفقرات التالية خواطر من وحي مقال كوهن.

أسئلة وجُمَلٌ ومعادلات

يقول كوهن إن الأسئلة غالبًا كامنة في الافتراضات المنطقية (propositions)، مثلًا، لو قلنا إن س = 3 + 5، فهذا مكافئ للسؤال: ما حاصل جمع ثلاثة وخمسة؟ بل سأذهب إلى أبعد من ذلك لأقول إن كلَّ تواصلِ البشر ينبني على الأسئلة؛ فشأننا شأن أغلب الكائنات، إن لم يكن كلها، نحن البشر كائناتٌ مُسْتَطْلِعَة، واللغة أداتنا الرئيسية في تبادل المعلومات، المعلومات هنا قد نُعَرِّفها بأنها الإجابات عن الأسئلة الصريحة أو الضمنية، وهذا ينطبق على كل صور التواصل، من الأحاديث العابرة حول الرياضة والطقس وأحدث المُسَلسَلات على منصة نيتفليكس إلى الحوارات الرَّنانة حول الفلسفة والعلوم والرياضيات.

لقد كابَدْتُ الجُهدَ مؤخرًا في تَعَلُّم الرياضيات التي تقوم عليها ميكانيكا الكمّ، وقتها أدركت أني لو فَهِمتُ المعادلة التفاضلية فهذا يعني أنني أفهم السؤال الكامن الذي تتوجه المعادلة لإجابته، فكأنما للمعادلة طاقة دفع، وكأنما الأرقام والرموز تميل إلى الأمام نحو إجابة ممكنة، ولكن لأني نادرًا ما أفهم المعادلات التفاضلية، تبقى الرموز أمامي على الصفحة خاملةً صَمّاء؛ فليس لديَّ أدنى فكرة عن الأسئلة التي تبعث الحياة في المعادلات، فضلًا عن الإجابات التي تشير إليها تلك المعادلات.

أسئلة الاختيار من إجابات عديدة

يسمي كوهن السؤالَ الذي يمكن إجابته بإجابة واحدة سؤالًا محدودًا (determinate)، والسؤالَ الذي تصح له إجاباتٌ عديدة سؤالًا غير محدود، من أمثلة الأسئلة المحدودة: 1 + 1 =؟، يقول كوهن إنه في أغلب الأحيان يفترض الفلاسفة أن أسئلتهم محدودة، ولكنها في الواقع غير ذلك، ويستشهد بسؤال "ما الخير؟" كمثالٍ على ذلك.

ومسألة العقل-الجسد مثال آخر على الأسئلة غير المحدودة؛ فلو نظرنا إلى الأمر من منظور اختصاصيّ ضيق، فربما قلنا إن مسألة العقل-الجسد تبحث كيف تنتِجُ المادةُ الوعيَ، ولكنها من منظور أوسع تسأل أيضًا: من نحن، حقًّا؟ أغلب مُنَظِّري مسألة العقل-الجسد يسعون لإجابة واحدة للسؤال، إجابة نهائية، جامعة، ومكتوبة في لغة ذلك المُنَظّر وفق تخصصه، سواء كان في علوم الأعصاب، أو الفيزياء، أو علوم الحاسوب، أو الفلسفة التحليلية، أو كل ما سبق، أو لا شيء منه، لا سبيل إلى إجابة وحيدة نهائية؛ لأن العلم والثقافة يخترعان باستمرار إجابات جديدة، ولأن كلًّا منا لا بد أن يُحدّد مَن هو/هي/هم بطريقته/طريقتها/طريقتهم الخاصة، بل إن كلًّا منا قد يستطيع "حل" مسألة العقل-الجسد بطرق عديدة خلال عُمْرِه.

الفلسفة ودَوَرانِيّةُ أسئلتها

يستخدم طَلَبَتِي عبارة "يلتمس السؤال" (begging the question) كمرادف لـ"يطرح السؤال"، ولكن التماسَ السؤال في الواقع يعني طرحَ السؤال أو إجابتَه بصورة دَوَرانِيّة أو تكرارية؛ فتكون إجابة السؤال مفترضةً ضمنًا في مقدماته، من الأمثلة على ذلك ما يسمى "نظرية المعلومات المتكاملة"، التي تحاول تفسير بزوغ الوعي بالاعتماد على مفهومٍ (وهو المعلومات) يفترضُ وجود الوعي، هذا مثال على مغالطة التماس السؤال، وهو ينطوي على خداع.

 ورغم أن كوهن لا يستخدم تعبير "التماس السؤال"، فإنه يشير إليه عندما يحذر من طرح الأسئلة التي "تنطوي على افتراضات ضُمِّنت فيها فعلًا"، ويضيف كوهن أن الفلاسفة يقترفون هذا الخطأ عندما يفترضون أن للأسئلة غير المحدودة إجابات محدودة، ولكني مجددًا سأذهب إلى أبعد من ذلك، سأُعَرِّف الفلسفة بأنها بحث في الأسئلة التي لا إجابات لها، ومن ثَمّ، فإن الفلسفة ككل، وبمقدار ما تفترض أن لأسئلتها إجابات، هي انخراط مستمر في الأسئلة الدَّوَرانِيّة.

يبدو أن كوهن يقصد معنىً مشابهًا في هذه الفقرة المُتَلَوِّية: "إننا، يقينًا، لن نستطيع جَسْر الفجوات في فهمنا للروح البشرية بما توافر لنا من إشارات وأصوات بدائية، ولكن إن كان ثمة أمل في حوار عقلاني بين البشر، فإننا ينبغي أن نتطلع لإنتاج خطاب واضح لا غموض فيه باعتباره النموذج المنشود، ولكي ننجز ذلك ينبغي أن نتذكر أن هذا النموذج المنشود ليس في متناول اللغة التي تسعى لبلوغه"، هذه النقطة في مقال كوهن تذكرني بمُجاهدة الفيلسوف توماس كون في أن يُوَصّل بدقة ما كان يقصد حين تحدث عن استحالة التواصل الواضح والمحدد [عبر اللغة].

ميكانيكا الكَمّ وعشرون سؤالًا

يختلف العلم عن الفلسفة في أنه يطرح أسئلة يمكن الإجابة عنها، عن طريق المشاهدات والتجارب والتفكير المنطقي، الذي قد يتضمن التفكير الرياضي، وقد أنتج العلم بالفعل طيفًا واسعًا من الإجابات، منها نظرية التطور، والشيفرة الوراثية، وميكانيكا الكم، ونظرية النسبية العامة، ونظرية الانفجار الكبير، وحسبما قُلتُ في مقال نشر مؤخرًا، يعتقد بعض المشتغلين بالعلوم أن الإجابات العلمية ستتراكم في النهاية لتُكَوّن توصيفًا للطبيعة، توصيفًا كاملًا ومُرضيًا لدرجة أنه سيجيب عن كل أسئلتنا.

ولكن باحثين آخرين يَتَحفظون على فكرة بلوغ توصيف نهائي للواقع، وهم يشيرون إلى أن الإجابات دومًا تُخَلِّق أسئلة جديدة، وثمة تشبيه شائع يعبر عن هذه الفكرة؛ حيث تنمو جزيرة معارفنا، تنمو معها شواطئ جهلنا، بل إن بعض الباحثين يذهب إلى أن العلم قد يستمر إلى ما لا نهاية، حتى بعد موت المنظومة الشمسية والكون، بَدَت لي تلك الآراء حول أبدية العلوم في الماضي ساذجةً وعاطفية، ولكنها صارت أكثر إقناعًا.

ثم إن ميكانيكا الكَمّ تعوق أحلام المعرفة الموضوعية والنهائية؛ لأنها تشير دومًا إلى أن الإجابات التي نُحَصّلُ تعتمد على الأسئلة التي نطرحُ، شَبَّهَ الفيزيائي جون هويلر العلوم بنسخةِ المفاجآت من لعبة "عشرون سؤالًا"، في النسخة المألوفة من اللعبة يختار مجموعة أفراد شخصًا أو حيوانًا أو مكانًا أو جمادًا، ثم يكون على اللاعب أن يخمن ما اختار الأفراد بأن يسأل كلًّا منهم سؤالًا يمكن إجابته بنعم أو لا، مثلًا، هل لدى ذلك الشيء/الكائن سيقان؟ هل هو مشهور؟ أهي أنثى؟

في نسخة المفاجآت من اللعبة، لا يتفق الأفراد مسبقًا على اختيار محدد، بل يختار كل منهم شخصًا/مكانًا/حيوانًا/شيئًا بعدَ أن يطرح اللاعب أسئلة الـ "نعم" و"لا"، وإذ يواصل اللاعب طرح الأسئلة، يقرر كل فرد في المجموعة اختياره، دون أن يخبر الآخرين، وتكون إجاباته عن الأسئلة متسقةً مع ذلك الاختيار، والقيدُ الملزم للأفراد في اختياراتهم هو أن تكون الإجابات السابقة لا تزال متسقة مع الإجابات اللاحقة على الاختيار الذي استقر عليه كلٌّ منهم، في هذا الإصدار من اللعبة وفي ميكانيكا الكم، الحقيقة لا توجد إلى أن نَتَفَحَصّها بأسئلة محددة.

التنوير باعتباره قبولًا بلغز الوجود

يقتبس ويليام جيمز في كتابه "تَنَوُّعات الخبرة الدينية" عبارةً من الفيلسوف زينوس كلارك، والعبارة تصف لحظةً من التَجَلّي نَجمت عن التعرُّض لغاز الأثير المخدر، أَشْعَرَتْ تلك اللحظة كلارك بأنّ الفلسفة تشبه "كلب صيد يطارد ذيلَه"، وأن الهدف الحقيقي للفلسفة يتحقق... عندما نكف عن طرح تلك الأسئلة الذهنية".

لِبوذا ولحُكَماء غيره فكرةٌ مشابهة، مفادها أن الدرجة العليا من الحكمة الروحية، أو التنوير، تكمن في القبول الكامل، غير المتسائل، بكل لحظة في وجود المرء، وقتما تبلغ تلك الدرجة ستكف عن إلقاء الأسئلة، ليس لأنك صرت تعرف الإجابات، بل لأن الأسئلة والإجابات جميعها تصير بلا أهمية، يصبح الفرد في حالة استرخاء وتسامُح مع ما حوله، أو هكذا تبدو وجهة النظر تلك.

لكن إذا كان التنوير هكذا، فلست راغبًا فيه، بل أفضِّل تبنِّي منظور المعلم البوذي ستيفن باتشلَر، الذي اختبر التنوير لا في صورة قبول مفعم بالسكينة، بل كشعور مروِّع من الرهبة الممتزجة بالبهجة في حضور «اللغز الكامن في كل شيء»، وعوضًا عن توفير الإجابات، يكشف التنوير عن «مدى ضخامة وشمولية السؤال».

ولكن لأن أغلبنا لم يبلغ تلك الدرجة من التنوير المفترض، فإننا نرهق أنفسنا بالأسئلة حول ما سيحدث أو يمكن أن يحدث في البرهة التالية، يساورنا القلق عن المستقبل، عن مصائرنا الفردية وعن مصائر الدول التي نقطن فيها والعالم ككل، مثلًا، هل سيؤثر تغير المناخ على القيمة السوقية لمنزلي الصيفي؟ إن لم تَتَلَقَّ خطيبتي لقاح الكورونا، أينبغي أن أُنهيَ الخِطبة؟ لو فاز جو بايدن بفترة رئاسة ثانية، كيف سيؤثر ذلك على قيمة محفظة الأسهم التي أستثمر فيها مدخراتي؟

ولكن فئة صغيرة من البشر تَتَنَبَّه لما يسميه باتشلَر "اللغز الكامن في كل شيء"، أو ما أسميه أنا "غرابة الأشياء"، ربما رَضِينا عن الإجابات التي يطرحها العلم أو الأديان، وبحيث تنصرفُ عن العالم غرابتُه، أو ربما -وهو الاحتمال الأكثر ترجيحًا- استغرقَتْنا مشكلاتنا الشخصية وتعَوَّدْنا على العالم كما هو، لدرجة أننا لم نعد نبصر غرابته.

طالما لم يحدث شيء مُرَوِّع للبشرية، سيبقى لدينا دومًا نفرٌ ولو قليل ممن تصحُّ تسميتهم بالغرباء -الفنانون والعلماء والفلاسفة والمتصوفة- الذين يُبْصِرون باستمرار غرابة العالم، يبصرون السؤالَ بلا إجابة الكامنَ في جوهر كل شيء، ويحاولون أن يُبَصِّروا به غيرَهم، لا يتخذ ذلك السؤال هيئةً محددة؛ فقد يعبر المرء عنه بشَهقة تعجب، أو بنظرة تَحَيّر، أو بعلامة استفهام فحسب تَرْسُبُ في العقل.

عن وجاهة نغمة التساؤل

عندما حادثت خطيبتي "إميلي" (وهذا ليس اسمها الحقيقي) عن مقال كوهن "ما السؤال؟"، عَقَّبت بالقول إن النساء الشابات يتعرضن كثيرًا للسخرية بسبب النغمة العالية لنهايات الجمل في حديثهن -والمقصود أنهن يُنَغِّمْن نهايات جُمَلِهن فيصير مَسْمَعُها كأسئلة، تقول إميلي إنه باعتبار الطبيعة المؤقتة للمعرفة عامةً، فإن نغمة التساؤل أكثر وجاهةً للاستخدام في الخطاب من الجمل التقريرية الواثقة، صحيح، ثم ألا يصح أن يَستخدم ذلك الأسلوبَ في الخطاب الفلاسفةُ والباحثون والرياضيون حين يتفاخرون بذكر ما حَصّلوا من معرفة؟ ألا يصدق الأمر ذاته على المشتغلين بالكتابة حول العلوم؟

بعد أن قرأت "ما السؤال؟" غير مرة، ثم مع المكابدة التي وجدت في كتابة هذا المقال، أظنني أجد أفكاري اتخذت نغمة التساؤل؟ أشعر بالحاجة إلى فاصل للراحة، فأخطو خارج المبنى إلى حديقة عامة تطل على نهر هَدسِن، أرسل ناظِرَيّ تجاه الماء، والسماء، والسحاب والأشجار، ومرفأ العَبّارات وبرج الساعة، والقوارب والزوارق، والأوُزّ، والنّوارس والكلاب، والإطفائيين، والرَّكاضين والدَّرّاجين، ولبرهة أرى أسئلةً، ولا شيء غير الأسئلة، أينما وَلَّيْتُ وجهي.

[هذا مقال رأيٍ وتحليل، ما يتضمنه من أفكار وأراء يعبر عن مؤلفه وليس بالضرورة عن آراء ساينتفك أمريكان].