تأتي المخاوف بشتى الأشكال والأحجام؛ فالبعض منَّا يخاف من المرتفعات، أو الأصوات العالية، أو الأماكن الضيقة، في حين أن البعض الآخر تنتابه مخاوف من أشياء أكثر تحديدًا، كالثعابين أو العناكب أو مهرجي السيرك. إلا أن هناك نوعًا من الخوف موجود لدى العديد من الناس حول العالم، وبشكل خاص لدى الأطفال وحتى لدى بعض البالغين، ألا وهو الخوف من الظلام. قد ينتابك شعور بالخوف والتهديد في جميع الأماكن التي تُعَد مألوفةً ومريحةً بالنسبة لك، كالمتنزه الواقع في محيط سكنك، أو المخيم المفضل لديك، بل وحتى منزلك. ونظرًا لأننا لا نستطيع أن نرى في الظلام الأخطار الحقيقية (أو المُتخيَّلة) التي تَحيق بنا، فإننا نشعر أننا ضعفاء وغير محصنين. في أثناء النهار تصادفنا أشياء لا ضرر منها فنتجاهلها، إلا أن هذه الأشياء بعينها يمكن أن تصيبنا بالفزع أو الخوف في ظلمة الليل.

ومع ذلك، لا تتسبب جميع الأشياء في إثارة المخاوف بدرجةٍ أكبر في الظلام. تشير أبحاث جديدة أجراها بينج دونج وتشين-بو تشونج إلى أنه عندما يتم غلق الأنوار فإننا نكون أقل خوفًا من الإصابة بمرضٍ مُعْدٍ. أجرى دونج وتشونج تقييمًا لطبيعة إدراك الناس لخطر التقاط عدوى الإنفلونزا الموسمية من شخص آخذ في السعال ونشق المخاط في أنفه المزكوم، ووجد الباحثان أن خوف الناس من العدوى يتضاءل في الظلام.

في البدء، شاهد المشاركون في التجربة فيلمًا وثائقيًّا قصيرًا ومحايدًا، ثم قاموا بتقييمه. شاهد نصفهم الفيلم مع تشغيل الأنوار، في حين شاهده النصف الآخر في الظلام. وكان كل مشارك يجلس بجوار جليس مُدرَّب كان يتعمد السعال والنشق في أثناء جلسة مشاهدة الفيلم. وقد كان الأمر ذو الأهمية الحاسمة متمثلًا في أن الجليس المُدرَّب كان يُصدر العدد نفسه من مرات السعال أو النشق في كل جلسة، بغض النظر عمّا إذا كانت الأنوار مُضاءةً أو مغلقة. وبعدها، أنجز المشاركون في التجربة مهمة تحكيمية قاموا خلالها بتقدير احتمالية الإصابة بستة أمراض مختلفة، أحدها مُعدٍ (وهو الإنفلونزا الموسمية) وبقيتها أمراض غير معدية (مثل سرطان الجلد، والسكري، والربو). انخفضت تقديرات احتمالية الإصابة بالإنفلونزا الموسمية انخفاضًا كبيرًا عندما كانت الأنوار خافتة، وكان ذلك النمط قويًّا في سياق التلاعب المخبري وسياق الفصول الدراسية في العالم الحقيقي. وقد لوحظ هذا النمط أيضًا عندما تم خفض مستوى التعرُّض للضوء بجعل المشاركين يرتدون نظارات شمسية.

أحد الاحتمالات الواردة هو أن المشاركين الذين جرى اختبارهم في الظلام كانوا ببساطة أقل احتمالًا لأن يلاحظوا سلوك السعال والنشق الذي صدر عن الجليس المُدرَّب. وللتعامل مع هذا الاحتمال، طلب دونج وتشونج من جميع المشاركين الإبلاغ عما إذا كانوا قد سمعوا شخصًا يسعل في أثناء الدراسة، ووجد الباحثان النمط نفسه من تناقص استشعار الخطر في الظلام، حتى عندما جرى استبعاد المشاركين الذين لم يسمعوا السعال من التحليلات.

وبدلًا من ذلك، يفترض دونج وتشونج أن انخفاض مستوى إدراك خطر العدوى ينتج عن تغيرات في مستويات التأويل أو الطريقة التي نرى بها العالم من حولنا ونفكر فيه. في الظلام يمكننا أن نرى سمات عامة (على سبيل المثال، هيئة الشخص أو الحدود الخارجية لقطع الأثاث) ولكننا لا نرى تفاصيل محددة (كلون عيون الشخص أو نوعية القماش الذي يغطي الأثاث). وبالتالي فإننا على الأرجح نخلق تصورات ذات طبيعة عامة –وليست تفصيلية– في أثناء وجودنا في الظلام، وهذا بدوره قد يزيد من المسافة التي نتصور وجودها بيننا وبين الآخرين في المجتمع المحيط. عندما نشعر أن هناك مسافةً تفصلنا عن الآخرين أكبر مما هي عليه في الواقع، فإن إدراكنا لخطر العدوى يتناقص.

لتقييم هذه الاحتمالية، أجرى دونج وتشونج تكرارًا لنموذجهما المبدئي، وأدرجا فيه تدابير تتعلق بالمسافة التي يتم تصوُّر وجودها في سياق اجتماعي. ولم يقتصر عمل المشاركين على تقييم مدى احتمالية إصابتهم بمرضٍ مُعدٍ، بل تجاوز ذلك إلى الإبلاغ عن شعورهم بمدى طول المسافة التي كانت تفصلهم عن الجليس الذي كان يسعل. (جرى تصميم التجربة بحيث تكون المسافات التي تفصل بين المشارك وجليسه متساوية). من جديد، أبلغ المشاركون الذين خضعوا للاختبار في الظلام عن مستوى أقل لشعورهم بخطر الإصابة بالإنفلونزا مقارنةً بأقرانهم الذين خضعوا للاختبار في غرفة ساطعة الإضاءة. إضافةً إلى ذلك، كانت حالة الرؤية في الظلام سببًا في شعور المشاركين بزيادة المسافة التي تفصلهم عن الجليس المُدرَّب، وهذه الزيادة في المسافة نتج عنها انخفاض في شعور المشاركين بخطر الإصابة بالعدوى في الظلام. ولم يكن خوف المشاركين من الأمراض غير المعدية مرتبطًا بالإضاءة أو الظلمة.

يتضح من هذا أن الظلمة يمكنها أيضًا أن تقلِّل من حدة الاستجابات الشعورية، ويمكنها كذلك أن تعزِّز من السلوكيات غير الأخلاقية، بما فيها الغش والأنانية. وتشير هذه النتائج إلى أن المستويات المنخفضة من الإضاءة –التي نراها عادةً في المطاعم، ودور السينما، والملاهي الليلية، والطائرات، وعلى امتداد الطرق السريعة– يمكن أن تزيد من احتمالية حدوث عدد من السلوكيات غير الصحية، أو حتى الخطيرة، بما في ذلك عدم غسل اليدين أو الانفلات الجنسي، ويمكنها أيضًا أن تزيد من احتمالات تجاوز السرعات المقررة في أثناء القيادة أو القيادة تحت تأثير المُسكِرات. ولهذا، وبالرغم من كل شيء، قد يكون هناك سبب منطقي وراء خوفنا من الظلام.