في الوقت الذي تجتاح فيه موجةٌ ثانية من العدوى (وثالثة، في بعض الحالات) دول العالم، يتراجع التحلي بالصبر والتضامن أمام الشعور بالإحباط وإلقاء اللوم، يقول المسؤولون في كلّ من الولايات المتحدة وألمانيا إن التصاعد الأخير في معدلات الإصابة بالعدوى في كلا البلدين جاء نتيجةً لسلوكٍ أناني من جانب أقلية تتجاهل الالتزام بالقواعد الأساسية للتباعد الاجتماعي، في حين أطلقت هيئة السياحة في برلين حملة مُلَوَّنة -وقد اكتمل الأمر بصورة سيدة عجوز تُشير بإصبع مُسيء- مُعاقبةً للزائرين الذي يرفضون ارتداء الأقنعة، وفي حين أن قدح "مخالفي القواعد" قد يبدو شافيًا، فإنه لا يستتبع إجراء استقصاء حقيقي لمعرفة الجذور النفسية وراء سلوك مثل هذا السلوك، فمَنْ هم هؤلاء المخالفون الذين لا يرتدون الأقنعة؟ وما الذي يدفعهم إلى تجاهل القيود المفروضة بسبب جائحة «كوفيد-19»؟

في مطلع عام 2020، بينما أخذت وتيرة انتشار فيروس كورونا تتسارع في أرجاء أوروبا وأمريكا الشمالية، أسهمنا في حشد أكثر من 100 زميل من جميع أنحاء العالم لقياس كيف كان يتجاوب الناس مع الجائحة؛ فإلى جانب اتباع السلوكيات الاجتماعية الإيجابية مثل التباعد الاجتماعي والحرص على غسل اليدين كثيرًا وارتداء قناع الوجه، وهي أفضل الأدوات التي يُمكِن الاستعانة بها لمواجهة الفيروس، أردنا أن نفهم لماذا يتَّبع بعض الأشخاص القواعد التي تضعها الحكومة في حين يمتنع البعض الآخر عن اتباعها؟ والآن، مع تلقِّي 60 ألف رد من أكثر من 30 دولة، أصبح لدينا نتائج أولية، وترسم هذه النتائج صورةً معقدةً للدوافع الفردية والجماعية لكبح جماح فيروس كورونا.

فعلى سبيل المثال، وجدنا أن الخوف من الخسارة المالية الناجمة عن إستراتيجيات احتواء الفيروس -وليس المخاطر الصحية- كان في كثير من الأحيان دافعًا أقوى للالتزام بالقواعد الحكومية أو تجاهلها، وفي أحد التحليلات، وجدنا أنه لم تُصنِّف دولة واحدة احتمالية الإصابة بمرض «كوفيد-19» على أنها أشد خطورةً من مواجهة عواقب اقتصادية ناجمة عن فيروس كورونا؛ ففي المُعتاد، يتحرك الناس في جميع أنحاء العالم بدوافعٍ مالية أكثر من دافع الحرص على صحتهم، وتشير هذه النتائج إلى أن إحدى طرق تحفيز المزيد من الناس على اتباع الإرشادات الصحية هي استمالتهم برفاههم الاقتصادي.

وجدنا أيضًا أن التَّوَجُّه السياسي كان أساسًا للتنبؤ بالكيفية التي سيتصرف بها الناس في الأسابيع والأشهر التي أعقبت التَّفَشّي الأول؛ ففي الولايات المتحدة -على سبيل المثال- كان المحافظون أكثر ميلًا إلى التقليل من مخاطر الفيروس وإلى تجنُّب ارتداء أقنعة الوجه مقارنةً بالليبراليين، وهو ما تجلَّى في تهوين إدارة ترامب من خطورة مرض «كوفيد-19»، وعلى الرغم من أن هذا الأمر قد لا يكون مفاجئًا للمُطَّلعين على السياسة الأمريكية، فإنه يُسلِّط الضوء على الأهمية التي يعزوها الناس إلى آراء قيادتهم، وفي العديد من البلدان التي تتعرَّض للموجتين الثانية والثالثة، هناك أشخاص يتجاهلون ببساطة القيود الحكومية المفروضة على تحرُّكاتهم أو يحتجون عليها بقوة، ويشير تسييس مرض «كوفيد-19» إلى أن الناس لديهم شواغل أخرى ضاغطة تدفعهم إلى الاستهانة بالجائحة.

وفي النهاية، مَحَقَت بياناتنا التَّصوُّر السائد بأن الشباب هم وحدهم المسؤولون عن انتشار الفيروس؛ ففي حين ألقى العديد من المسؤولين -خصوصًا في أوروبا- باللوم على الشباب الذين يتجمَّعون بلا مبالاة، محملين إياهم مسؤولية الارتفاع في حالات الإصابة الجديدة بمرض «كوفيد-19»، فإنهم قد لا يمثلون سوى أقلية؛ فالنتائج التي توصَّلنا إليها تُبيِّن أن السن، في المُعتاد، ليس مؤشرًا يُعَوَّل عليه فيما يخص الإحجام عن اتباع القواعد، ومع ذلك، أفاد الشباب، في الوقت نفسه، بتأثُّر حياتهم ومعايِشهم أكثر من كبار السن، وفي ضوء ذلك، قد تتطرق الحكومات إلى الاستعاضة عن السياسات المتعلقة بمرض «كوفيد-19» التي تستهدف بفظاظة فئات عُمْريّة بأكملها بإستراتيجيات تستهدف بعض الدوافع الأساسية الشائعة بين فئات عُمْريّة مُعَيَّنة.

ماذا يُمكِننا أن نصنع بهذه النتائج المبكرة؟ أحد القواسم المشتركة هو ما يُطلق عليه علماء السلوك "التَّفاعُل النَّفسي"، والمعروف على نحو أكثر شيوعًا باسم علم النفس العكسي؛ ففي عام 1966، نشر اختصاصي علم النفس الأمريكي جاك دبليو بريم نظريةً كلاسيكية تفترض أن الناس يعتقدون أن لديهم حريات سلوكية مُحَدَّدة، وعندما تتعرَّض هذه الحريات للتَّهديد أو تُنتَزع منهم، يتولَّد لديهم دافع التأكيد عليها مُجَددًا، بعبارة أخرى، عندما يخبرك أحدهم بفعل شيءٍ ما، فإنك تفعل العكس.

هذا الميل البشري إلى مقاومة القيود المفروضة على الحريات الشخصية قوي جدًّا؛ ففي سبعينيات القرن العشرين، وجد باحثون في ولاية فلوريدا كانوا يختبرون نظرية بريم أنه عندما حُظر بيع أحد مُنظِّفات الغسيل في إحدى المقاطعات بسبب ما يحتويه من نسبٍ عالية من الفوسفات تُمثِّل خطورةً على صحة الإنسان، "بدأ الناس في تهريب المُنظِّفات الفوسفاتية من دولٍ مجاورة، أو لجأوا إلى شراء المُنتَج بكميات كبيرة قبل سحبه"، وربما يمكن القول إن الدوافع النفسية التي تُحفِّز شخصًا على القيادة مئات الأميال للحصول على صابون محظور تنطبق على الاستجابة الحالية حيال الوباء.

بطبيعة الحال، عندما تشرع الحكومات في تنفيذ سياسات مُهمة من شأنها تغيير السلوكيات العامة، يجب أن تتمتع بدرجة عالية من ثقة الجمهور لإقناعهم بالعدول عن مخالفة القواعد، وليس من المُستَغرَب أننا لاحظنا ارتباطًا كبيرًا بين زيادة قوة ثقة الفرد بقدرة حكومته على مكافحة مرض «كوفيد-19» وارتفاع مستوى استعداده لتقديم تضحيات شخصية لحماية الفئات المُعَرَّضة للتَّضَرُّر من فيروس كورونا وتبعاته الاقتصادية، ووجدنا أن عكس ذلك ينطبق على الأشخاص الذين شعروا بالظلم والنبذ في مجتمعاتهم؛ في الأزمة الحالية، كل ما يتطلبه الأمر لتعريض مجتمعات بأكملها لخطر الإصابة بالعدوى هو أن يُقرِّر عددٌ قليل من الناس مخالفة القواعد، إذًا، يكمن التحدي الذي يواجه واضعي السياسات في معرفة كيفية الاستعانة بالرؤى السلوكية لاستهداف الدوافع الفردية والجماعية الأكثر أهمية، الأمر الذي قد يُعيد السيطرة على معدلات تزايد الحالات، فبحثنا المبكر يُمهِّد سبيل المُضي قدمًا.

ويجب على واضعي السياسات بذل المزيد من الجهد لدعم أنظمة الرعاية الاجتماعية التي تديرها الدولة، وتشجيع التضامن الخاص، وذلك بهدف الإسهام في تخفيف الضغوط المالية التي تُشكِّل أحد الشواغل الرئيسية لدى الناس في جميع أنحاء العالم، ولإزالة الصبغة السياسية عن عملية السيطرة على الفيروس، يُمكن أن يتواصل زعماء الأحزاب السياسية مع الناس لتعريفهم بالمزايا الاقتصادية طويلة الأمد التي يُمكن أن تتحقق إذا ما نجحت الدولة في السيطرة على الفيروس، وللحد من المظالم، يُمكِن أن يكون هناك تقديرٌ من جانب الرأي العام للعاملين بمجال الخدمات الأساسية والحد من إلقاء اللوم على فئات بأكملها، بعبارةٍ أخرى، نوصي بالتَّركيز على التعامل مع الاحتياجات والدوافع البشرية التي قد تحدد ما إذا كان الأفراد لديهم الاستعداد والقدرة على المشاركة في مكافحة الفيروس أم لا.

ومن المؤكد أن هناك نماذج للاحتواء الناجح والمستمر؛ ففي أجزاء من آسيا، أسهم التحرك السريع من جانب الحكومة وتوافُر درجة عالية من ثقة الجماهير في كبح جماح الفيروس، وبالمثل، في جميع أنحاء إفريقيا، ساعدت الاستجابات الحكومية السريعة والدعم الشعبي القوي في إبقاء أعداد الحالات في القارة منخفضة بالمقارنة مع غيرها، غير أن الثقافات تختلف، وتتمتع مناطق معينة بخبرة أكبر في التعامل مع الأوبئة الفتَّاكة، وهو ما يُساعد على إعطاء الأولوية لاحتواء الفيروس.

ستشهد الأشهر القادمة معركةً في أماكن كثيرة بين عدوٍّ غير مرئي وشعوبٍ قد سئمت مُكافحته، وإلى أن تتوافر اللقاحات والعلاجات الفعَّالة على نطاق واسع، تظل الأسلحة السلوكية أفضل الوسائل التي يمتلكها العالم في الحرب مع مرض «كوفيد-19»؛ فالتعرُّف على الدوافع التي تُحفِّز البعض لمخالفة القواعد، وتسليط الضوء عليها، والتعامل معها يُعَد ضروريًّا للجميع من أجل إنهاء الأزمة.