[ملحوظة المحرر: بسبب مشكلات تقنية في نظام الوقود بالصاروخ، ألغت منظمة أبحاث الفضاء الهندية عملية إطلاق المسبار القمري «تشاندرايان-2» قبل الموعد المحدد لانطلاقه في الصباح الباكر ليوم الإثنين 15 مايو بأقل من ساعة. وتحدد يوم 22 من يوليو موعدًا لثاني محاولة إطلاق. جرى تحديث هذا المقال وفقًا لذلك الموعد الجديد.]

بعد أسبوع من تأجيل موعد إطلاقه، تحدد عصر يوم 22 يوليو موعدًا لإطلاق المركبة الفضائية الهندية غير المأهولة «تشاندرايان-2». من المنتظر أن تُقلِع من مركز الفضاء ساتيش داوان، التابع لمنظمة أبحاث الفضاء الهندية (ISRO)، وهي منشأة تقع على جزيرة سريهاريكوتا الحاجزة، قرابة ساحل ولاية أندرا براديش الشرقية. تُعَد مركبة الفضاء التي انطلقت على متن أقوى صاروخ دفعي صنعته الهند، أضخم بعثة فضاء من نوعها في الهند حتى الآن؛ ففي سبتمبر القادم، من المقرر أن تحاول الهبوط بالقرب من القطب الجنوبي للقمر؛ حيث تقبع المياه المتجمدة في فوهات لا تصل إليها الشمس أبدًا، فيما يُعَد حدثًا تاريخيًّا. وقد نجحت بعثة واحدة فقط من قبل -وهي المركبة الصينية «تشانج إي-4» Chang’e-4- في إجراء هبوط آمن بالقرب من تلك المنطقة المحظورة الوعرة.

تتكون المركبة «تشاندرايان-2» من ثلاث وحدات: المركبة المدارية، ومركبة الإنزال «فيكرام» Vikram (سُمِّيَت كذلك تيمنًا بفيكرام سارابهاي، الأب الراحل لبرنامج الفضاء الهندي)، والمركبة الجوالة «براجيان» Pragyan (وهي كلمة تعني «الحكمة» باللغة السنسكريتية). وتحظى البعثة التي تكلفت حوالي 144 مليون دولار أمريكي بأهمية كبيرة على الصعيد المحلي والعالمي. إذا حالفها الحظ، فستحقق أول هبوط سلس للهند في عالم خارجي، وهو ما سيضمن لها عضويةً في نادٍ حصري تقتصر عضويته فقط على الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سابقًا، وأوروبا، والصين، واليابان. (أرسلت المركبة «تشاندرايان-1» النسخة السابقة من «تشاندرايان-2» مسبارًا اصطدم عن عمد بفوهة مملوءة بالجليد في القطب الجنوبي للقمر عام 2008). وقد تتحصل رحلة البعثة الجديدة على معلومات حيوية عن مخابئ الماء الغامضة في القمر، معلومات يمكن استخدامها في الدراسات العلمية حول تاريخ القمر البعيد، أو في تصنيع وقود الصواريخ، والمياه الصالحة للشرب، والهواء الصالح للتنفس؛ لدعم البعثات المأهولة المستقبلية.

 يقول جوفردهان مهتا، عضو لجنة الفضاء الهندية: إن إطلاق «تشاندريان-2» بالنسبة للهند يحاكي لحظة إطلاق سبوتنيك، القمر الصناعي السوفيتي الأول في التاريخ. ويجسد الحدث وثبةً كبيرةً إلى الأمام في التقدم العلمي والتكنولوجي في البلاد. ونجاح البعثة سوف يرفع من الروح الوطنية ويُسهم في الجهود العلمية للهند في مجالات تتنوع من البحث العلمي إلى الأمن الوطني. البعثة قائمة بالكامل على جهود وطنية، وحظيت بمشاركة قوية من القطاع الخاص والقطاع الأكاديمي وبإسهام علماء شباب من جميع أنحاء البلد، مما يعكس ازدهار الروح المُحِبَّة للعلم في الهند».

ويعلق جي مادهافان ناير، المدير السابق لمنظمة أبحاث الفضاء الهندية وكبير مهندسي «تشاندرايان-1»، بقوله: «بجانب تأكيد البيانات التي حصلت عليها بعثة «تشاندرايان-1»، واستعراض الإمكانيات الفضائية المتطورة لمنظمة أبحاث الفضاء الهندية، تهدف بعثة «تشاندرايان-2» إلى استكشاف ظروف بناء المساكن، وتوفر موارد للبعثات القمرية المستقبلية طويلة الأجل». وستكون البعثة أيضًا بمنزلة إثبات لمبدأ؛ إذ ستبرهن على أن الهند تمتلك البراعة التقنية اللازمة، لا للهبوط على القمر فحسب، بل للتحكم كذلك عن بُعد في المركبة الجوالة على سطحه. على نطاق أوسع، تمثل البعثة النموذج الأحدث من مشروعات الفضاء الهندية الطموحة، التي ضمت أيضًا أول بعثة للمريخ عام 2013، وبعثة فضاء مأهولة من المزمع انطلاقها في 2022. وفي هذا العام وحده، رفعت الحكومة الهندية الميزانية السنوية لبرنامجها الفضائي بنسبة تزيد على 15.6 بالمئة لتصبح حوالي 1.6 مليار دولار.

تحمل المركبة المدارية ومركبة الإنزال والمركبة الجوالة مجتمعين 14 أداةً علمية، من ضمنها «مصفوفة عاكسة رجعيّة ليزرية» Laser Retroreflector Array، قدمتها وكالة ناسا لقياس المسافة بين الأرض والقمر بدقة. ومن المدار، سترسم المعدات خرائط مفصلة ثلاثية الأبعاد لسطح القمر؛ للتأكد من سلامة مواقع الهبوط المحتملة ولتتبُّع توزيع جزيئات الماء، والمعادن التي تحتوي على الماء، ومواد أخرى محل اهتمام حول القمر وعلى سطحه. إذا نجح الهبوط، فسوف تقوم مركبة الهبوط «فيكرام» بوظيفة محطة استماع للموجات السيزمية الناتجة عن الزلازل القمرية، والتي قد تكشف تفاصيل أكثر عن تكوين لُب القمر ووشاحه وقشرته. كذلك من المقرر إجراء دراسات أكثر تفصيلًا عن طريق المركبة الجوالة «براجيان» المعنية بحَفر السطح وجمع عينات لإجراء تحليلات إضافية خاصة بعلم المعادن والكيمياء.

عقب انطلاقها، سوف تستقر بعثة «تشاندرايان-2» مبدئيًّا في مدار «انتظار» بيضاوي تبعد أدنى نقطة فيه عن الأرض مسافة 170 كيلومترًا، في حين تبعد أعلى نقطة 40,000 كيلومتر، ومنه سوف تدفع سلسلة من احتراقات محرك الصاروخ الحد الأقصى لمدار المركبة إلى مسافات أبعد حتى تدخل تشاندرايان-2 في مجال جاذبية القمر. عقب ذلك سوف تنقل مناورات إضافية المركبة إلى مدار دائري يرتفع مسافة 100 كيلومتر عن سطح القمر في مطلع شهر سبتمبر. وبعد انفصال مركبة الإنزال «فيكرام» عن المركبة المدارية، سوف تنطلق مركبة الإنزال إلى موقع محدد يقع بين الفوهتين «مانزينوس سي» Manzinus C و«سيمبيليوس إن» Simpelius N بالقطب الجنوبي للقمر.

يصف كيه سيفان -الرئيس الحالي لمنظمة أبحاث الفضاء الهندية- مرحلة الهبوط السلس الحرجة بأنها «15 دقيقة مرعبة». وأخيرًا، إذا سار كل شيء على ما يرام، فسوف تسير المركبة الجوالة «براجيان» على سطح القمر بسرعة تبلغ في المتوسط سنتيمترًا واحدًا في الثانية لتقطع مسافة 500 متر. من المقرر أن تدور المركبة المدارية لبعثة تشاندرايان-2 حول مدار القمر لمدة عام كامل، لتُجري عمليات استطلاع علمية وتقوم بوظيفة محطة اتصالات. أما على سطح القمر، فكلٌّ من مركبة الإنزال والمركبة الجوالة مُعدَّة كي تتحمل البقاء لمدة يوم قمري واحد فقط، وهو يعادل 14 يومًا أرضيًّا.

قد يبدو أن منظمة أبحاث الفضاء الهندية تعمدت تحديد موعد إطلاق لبعثة «تشاندرايان-2» يتزامن مع الاحتفال بالذكرى الخمسين لأول هبوط بشري على القمر، والذي يوافق يوم 20 يوليو، لكن ذلك التزامن وليد الصدفة ليس إلا. فقد تَكَرَّر تأجيل موعد إطلاق «تشاندرايان-2»، الذي كان من المقرر إطلاقه منذ عدة سنوات؛ بسبب انسحاب روسيا من شراكتها في البعثة، وهو تطور الأحداث الذي دفع الهند إلى بناء مركبة الإنزال التي لم تفِ روسيا بوعدها بشأن بنائها. من المتوقع أن ينضم إلى مركبة إنزال وجوالة «تشاندرايان-2» في القطب الجنوبي للقمر أسطول متزايد من المركبات الاستكشافية الجديدة التابعة لدول أخرى من ضمنها الولايات المتحدة والصين وربما دول أوروبية -وكذلك مركبات تصنعها وتطلقها وتشغلها مبادرات القطاع الخاص. وقريبًا سيتطلع سكان الأرض إلى قمر لا ينفك سطحه يزدحم بالمركبات.