احتدم الصراع بين روسيا وأوكرانيا، إذ غزت القوات الروسية أوكرانيا بالفعل، وهي تسيطر حاليًّا على عدة مناطق في البلاد، وفي وقت تشتعل فيه معارك عنيفة داخل بعض المدن، أعلن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي الأحكام العرفية، تثير كل هذه الملابسات بطبيعة الحال مشاعر الخوف والقلق عند كثير من الأشخاص في قارة أوروبا، ومنهم أطفال ويافعون بطبيعة الحال، والسؤال هنا: كيف يمكننا أن نجيب عن أسئلة أطفالنا حول هذا الشأن؟ وهل يمكن أصلًا تفسير الحرب بأي صورة؟

في حوار نُشر على «سبيكتروم دير فسينشافت» Spektrum der Wissenschaft (الطبعة الألمانية من دورية «ساينتفك أمريكان» Scientific American)، أُجري مع تورستن أندرسون، عالِم النفس المقيم في برلين، والذي عمل مدةً طويلة في مجال الاستشارات الأسرية، ويقول أندرسون إنه من الضروري اتباع نهج متفتح في الحديث مع الأطفال حول هذا الموضوع.

]والتالي هو نسخة مُحررة من الحوار[:

لم تكد روسيا تهاجم أوكرانيا.. حتى كان مصطلح "الحرب العالمية الثالثة" قد بدأ يتردد في نشرات الأخبار.. فهل ينبغي علينا أن نتحدث مع أطفالنا عن هذه الأمور؟

أعتقد أن من المنطقي الحديث عن هذه الأمور، خاصةً عندما يكون الشخص نفسه متأثرًا بهذا الوضع، أنا على سبيل المثال، يعتصرني القلق بشأن الناس في أوكرانيا، لكنني خائفٌ كذلك مما يعنيه هذا الصراع بالنسبة للأمن والحرية في أوروبا، ولذلك، هناك الكثير من المشاعر التي تعتمل في صدري، ولديَّ طفل أيضًا، أو حفيد بصورة أدق، يتعامل مع كل هذه المشاعر، وبوصفي شخصًا ناضجًا، يتعين عليَّ أن أتحلى بالمسؤولية تجاه ذلك القلق الذي ينتابني، وأن أتحدث عن الموضوع بصراحة.

أفهم من ذلك أنك لن تنتظر حتى يأتي إليك طفلك ويسألك؟

إذا بادر الأطفال بالسؤال من تلقاء أنفسهم، فسيكون ذلك رائعًا، لكن لا.. لن أنتظر بالضرورة حتى يحدث ذلك؛ لأنه إذا لم يكن الأبوان على ما يرام، نتيجة قلقهما مما يحدث في العالم، أو إذا كان لديهما أقارب في أوكرانيا، وهما لا يتحدثان عن الأمر، فذلك سيؤدي إلى زيادة التوتر بطبيعة الحال، والأطفال يلاحظون ذلك سريعًا، فيظنون أنهم فعلوا شيئًا خطأ، بل ربما يُلقون باللوم على أنفسهم، ويتصورون أن هناك ما ينبغي عليهم فعله للأب والأم، ليعيدوهما إلى حالتهما الجيدة مرةً أخرى، لهذا ينبغي علينا ألا نثقل كاهل الأطفال بهذه المسؤولية، وألا نتركهم وحدهم مع مشاعر التوتر تلك.

كيف يمكننا أن نشرح فكرة الحرب بكلمات بسيطة.. بحيث يستطيع الطفل استيعابها؟

يعتمد ذلك على عمر الطفل.. فالأطفال الصغار تحديدًا لم تتبلور عندهم المفاهيم الأخلاقية نفسها التي لدى الكبار، ولذلك فهم غالبًا ما سيطرحون أسئلةً تشبه الأسئلة العلمية، ويريدون في المقام الأول أن يفهموا ما يحدث، ومن المفيد أن نُشرك الأطفال في حوار، ونجيب عن أسئلتهم، وفي أثناء فعل ذلك، يمكن للكبار مثلًا أن يقولوا: "إن الحرب شيء مدمر للحياة"، كما نستطيع أن نشرح لأطفالنا كيف تُستخدم الأسلحة في الحروب عادةً، وأن الحرب تسبب هدم المنازل، وتصيب الآباء والأمهات بالقلق من حدوث مكروه لأطفالهم، ومن الممكن أيضًا أن نشرح الحرب للطفل بطريقة تتضمن أحد أشكال اللعب، كأن نستخدم مكعبات الألعاب مثلًا لتجسيد الحرب، ويجب أن يظل سلوكنا العام ناحية الطفل كما هو بصورة عامة، مثلما نفعل مع أي ظاهرة أو حدث نشرحه للأطفال، وهو الالتزام بأكبر قدر ممكن من الصراحة، وتجنُّب التلقين والإلقاء المباشر للمعلومات، والحرص على خلق حالة من الحوار.

هل يعني ذلك ضرورة تنحية العواطف جانبًا؟

ليس بالضرورة.. فالمصداقية جزء من الصراحة هي الأخرى، إذا كنت أنا، الرجل الناضج، تنتابني مشاعر الخوف بدرجةٍ ما، فعليّ أن أتحدث عن ذلك، الأطفال -كما قلت- لديهم القدرة على فهم مشاعرنا، ومن المهم ألا أنقل خوفي هذا إلى الطفل، بل أعبر بوضوح عن مشاعري، بأن أقول للطفل مثلًا: "أنا خائف من هذا الأمر، ولكن لا يجدر بك القلق؛ فأنت معي بأمان"، وبهذه الطريقة نوضح لأطفالنا أنه لا يجب عليهم القلق بشأننا، فهذه ليست مسؤوليتهم، وفي الوقت نفسه نبين لهم أن المشاعر جزء طبيعي من الأمر كله.

"أنا خائف ولكنك معي بأمان".. ألا تحمل تلك العبارة بعض التناقض؟

نعم، بدرجةٍ ما، ولكن ينبغي علينا نحن أيضًا أن نتعلم طرق التعامل مع التناقضات، من الأهمية بمكان أن نظل على تواصل مع أطفالنا؛ فعلى سبيل المثال، إذا لم أكن متأكدًا مما إذا كان طفلي يفهم ما أشرحه له، أو يـ/تكتم خوفه/ها من أجلي، فمن المفيد أن أسأل: "هل فهمت ما أقوله؟ وكيف تشعر حيال ذلك؟"، وإذا قال الطفل عندئذٍ إنه لا يشعر بشعور جيّد، أو إنه يبحث عن طريقةٍ يخفف عني بها، أو عن طريقة يساعد من خلالها الناس في أوكرانيا، فعندها يمكن أن نفكر معًا فيما يمكن عمله لتقديم المساعدة في هذا الموقف بالتحديد.

هلا أعطيتني مثالًا على ذلك؟

حسنًا.. إذا كان طفلي يشعر بالقلق بشأن الناس في أوكرانيا، فيمكنني أن أساعده لتصميم لافتة، ونذهب بها معًا إلى السفارة الروسية، أو نشارك في وقفة احتجاجية؛ فبهذه الطريقة أبيِّن لأطفالي أن هناك سبلًا نقوم من خلالها بعمل إيجابي بدلًا من الشعور بالعجز فحسب، أما إذا كان الطفل خائفًا، فيمكنني أن أستفسر منه عما إذا هناك شيء يمكنني فعله لأجعله يشعر بالتحسّن، ربما يحتاج الطفل إلى حضن، أو قد يكون من الأكثر مناسبةً أن نشيد معًا مأوىً صغيرًا في ركن من المنزل على سبيل اللعب، لخلق مكان يمكن للطفل أن يشعر فيه بالأمان، الخوف ليس أمرًا سيئًا من حيث المبدأ، لكن الأهم هو أن نخلق شعورًا بالأمان.

ماذا تقصد بشعور الأمان هذا؟

ما أقصده: من ناحية، هو أن ننقل للطفل شعورًا بأنه موضع عناية وتَفَهُّم، ومن ناحية أخرى، يشير هذا التعبير إلى ما نقدمه من دعم للطفل، ومصاحبته في رحلة بحثه عن طريقة مناسبة للتعامل مع الأمور.

هل تعني أن شعور الطفل بالأمان يمكن تعزيزه من خلال التفاعل مع أحد البالغين؟

بكل تأكيد.. أسوأ شيء هو أن يكون الطفل خائفًا، أو يعاني شعور التهديد، أو حتى يختبر أحد أشكال العنف، ثم يُترَك ليواجه ذلك وحده، أو دون التحدث في الأمر، ففي هذه الحالة يصبح من السهل جدًّا أن تتضرر حالته النفسية.

ماذا يجب على الأبوين فعله إذًا حين تغلبهما مخاوفهما الخاصة.. أو عندما يعجزان عن الإفلات من دوامة القلق هذه؟

يجب عليهما طلب المساعدة، من صديق على سبيل المثال، أو من متخصص في الاستشارات الأسرية، إذا سألني طفلي سؤالًا ولم أعرف إجابته، أو شعرت بالعجز عن الإجابة، فعندئذٍ يمكنني أن أصارح الطفل بحاجتي إلى بعض الوقت للتفكير، المهم هو ألا يتجاهل الأبوان الموضوع عند طرحه، وأن يعودا لمناقشته لاحقًا حين تتوافر لديهما الإجابات، فأحيانًا يكون الطفل بحاجة إلى تصحيح أفكاره عمّا حوله.

ماذا تقصد بذلك؟

بحكم تخصصي في العلاج الأسري، قابلت مرةً صبيًّا عمره ست سنوات، وكان يظن أن الأسلحة النارية ستحميه من مشاعر الخوف، ولذلك قلت له إنه لن يستطيع إطلاق الرصاص على مشاعر الخوف، وشرحت له كيف تؤدي الأسلحة النارية في العادة إلى تغذية مشاعر الخوف هذه، وفي النهاية فكرت معه في طرق أخرى يمكن أن تساعده في التغلب على مشاعر القلق.

كيف نتحدث مع المراهقين عن الحرب؟

ينبغي أن يكون حديثنا صريحًا معهم، وبطريقة ناضجة تحترم تفكيرهم، مع الحرص على توفير مساحة للنقاش، مرحلة المراهقة هي المرحلة التي يسعى فيها المراهق إلى الانفصال عن أبويه، ويجتهد في تكوين قِيَمه الخاصة، وقناعاته الشخصية، وفي تلك العملية يسترجع المراهق الآراء التي درج الأبوان -أو المسؤولون عن تربيته- على طرحها أمامه، ويفحص ما إذا كانت تلك الآراء تتوافق مع ميوله، ولهذا فالأبوان يستطيعان مساعدة أولادهما المراهقين على تشكيل آرائهم الخاصة، من خلال تبادُل وجهات النظر معهم، وإتاحة المجال لاختلاف الآراء؛ فبهذه الطريقة يستطيع اليافعون أن يحددوا مكانهم في العالم بدرجةٍ ما، ما يمنحهم الاستقرار النفسي.

إلى جانب الخوف.. هناك شعور الغضب أيضًا.. فكيف يتعامل الآباء مع الوضع حينما يجدون ابنهم ذا الأربعة عشر عامًا يفكر في حمل السلاح والقتال ضد روسيا الآن؟

قبل أي شيء، ينبغي أن نأخذ هذا الشعور على محمل الجد، وألا نستهين به ظنًّا بأنه تفكير طفولي، أو خيالات مراهق، فالرغبة وراء ذلك الشعور -أي الرغبة في حماية الآخرين- هي شعور مفهوم، ومن ثم فالأمر قابل للمناقشة، ويمكن أن نسأل: ماذا تريد أن تفعل؟ ومَن -برأيك- يمكن أن يستفيد من قرارك هذا؟ نستطيع أيضًا أن نجعل حججنا أكثر وضوحًا وتحديدًا، وأن نسأله عما يعتزم فعله إزاء القنابل والدبابات، شعور الغضب -مثله مثل الخوف- ينبغي احتواؤه، بمعنى أن يبين الأبوان لطفلهما أنهما يتفهمانه، وأنه ليس الوحيد الذي يشعر بالغضب والإحباط.

كيف تتعامل مع الأطفال واليافعين الذين تجتاحهم صور وفيديوهات وتقارير عن الحرب في شبكات التواصل الاجتماعي؟

مرةً أخرى.. كل ذلك يكشف لي ضرورة إجراء حوار حول الموقف الراهن، ليس بإمكاننا عزل الأطفال واليافعين عن الواقع الذي يحيط بهم، ولذلك يجب أن تكون هناك حالة من التفاعل مع الأطفال، يمكنني أن أستفسر منه عن المصادر التي يستقي منها أخباره بشأن الحرب، وما يراه في «فيسبوك» Facebook و«تيك توك» TikTok، ثم أسأله عمّا إذا كان لديه أي أسئلة في هذا الشأن يرغب في معرفة إجاباتها، وإذا ساورني القلق بشأن قدرة الأطفال على التعامل مع ما يرونه على شاشاتهم، يمكنني أن أستفسر منهم عن الطريقة التي يتعاملون بها مع تلك الوسائط.

إذًا فما نحتاجه في رأيك هو الحفاظ على حالة حوار مع أولادنا؟

بالتأكيد.. من الضروري إدراك أن مسؤوليتنا ليست حماية أولادنا من المشاعر القاسية، بقدر ما يتعين علينا ألا نتركهم وحدهم في مواجهتها.