"زواجك ينتهي بالطلاق"، "فشلك في إكمال دراستك يغير مجرى حياتك"، "الإدمان يدمرك".

لو أنَّ عرَّافًا أخبرنا أنَّ تلك الأحداث هي ما يخبئه لنا المستقبل، من شبه المؤكد أنَّنا كنَّا سنفكر باتخاذ طريق بديل. ومع أنَّ هذا السيناريو مستحيل من الناحية العملية، ما زال بإمكاننا -­­بفضل ميزة الإدراك المتأخر- أن نتخيل بدائل مختلفة لحياتنا من خلال التفكير المغاير للواقع ("ليتني فقط لم أتزوجه!"، "ليتني فقط أكملت دراستي!"، "ليتني فقط لم أبدأ بشرب الكحول!")، وبإمكاننا التفكّر في النصيحة التي نود إسداءها إلى أنفسنا الأصغر سنًّا ("لا تتزوجي به"، "التحق(ي) بالجامعة"، "ابتعد(ي) عن شرب الكحول"). إنَّنا نطلب النصيحة من الآخرين بكل سهولة في جميع الموضوعات الممكنة، من الشخص الذي ينبغي لنا مواعدته، وحتى طبيعة الاستثمارات التي علينا إجراؤها، ونُسديها إلى الآخرين بكل حرية، فلماذا لا نفكّر بالنصيحة التي نود إسداءها لأنفسنا؟ لماذا لا نقف على الأفعال التي نود تغييرها لو استطعنا العودة بالزمن إلى الوراء؟

أجريت أنا وزميلتي دراستين سألنا الناس فيهما عمَّا يودّون قوله لأنفسهم الأصغر سنًّا، وما إذا كانوا قد اتبعوا هذه النصيحة، وما إذا كان هناك حدث محوري مرتبط بها في حياتهم. في كلتا الدراستين، كان المشاركون، الذين تجاوز عددهم 400 مشارك، لديهم الكثير ليقولوه لأنفسهم الأصغر سنًّا. صحيح أنَّ الغالبية العظمى من تلك النصائح كانت تندرج تحت فئات العلاقات ("لا تتزوج(ي)، تحت أي ظرف من الظروف!")، والتعليم ("أكمل(ي) دراستك!" و"إياك أن تترك(ي) دراستك الجامعية، مهما كان عدد الترقيات التي تحصل(ين) عليها!")، والنفس ("ثق(ي) بنفسك!")، إلا أنَّه كان من فئات النصائح الأخرى الأكثر شيوعًا الشؤون المالية ("احتفظ(ي) بأموالك في حساب توفير")، والصحة ("اعتن(ي) جيدًا بأسنانك")، والأهداف ("اختر (اختاري) مشروعًا والتزم(ي) به حتى النهاية")، والإدمان ("ابتعد(ي) عن الكحول"). ومع أنَّنا شجعنا الخاضعين للدراسة على إسداء النصيحة لأنفسهم الأصغر سنًّا خلال دراستينا، اتضح لنا أنَّ الناس يقضون جزءًا كبيرًا من وقتهم في التفكير في ذلك عفويًّا: ثُلث المشاركين قالوا إنَّهم يفكرون بالنصيحة التي يودّون إسداءها لأنفسهم الأصغر سنًّا بصفة أسبوعية على أقل تقدير.

بالنظر إلى الإرشاد الذي وجهه الأشخاص، كان بعضه يعبّر عن مواقف أو فرص ضائعة لم يعد بمقدور الشخص تغييرها، على سبيل المثال، نصيحة "لا تُنجب(ي) بعمر 16 عامًا" لن تغيّر من إنجاب ذلك الطفل بالتحديد بسن 16 عامًا. غير أنَّ هناك نصائح أخرى دلت على خيارات لا يزال بالإمكان اتخاذ إجراءات تصحيحية بشأنها: "أكمل(ي) دراستك"، أو "قلل(ي) من الشراب وأكثر(ي) من ممارسة الجري"، هي أفعال لا يزال بإمكان الشخص فعل شيء حيالها، لكنَّها بانتظار توافر التمويل اللازم والدافع المناسب.

من ثم، كنَّا مهتمتين بمعرفة درجة اتباع الناس في الواقع للنصيحة التي أسدوها إلى أنفسهم الأصغر سنًّا: في كلتا الدراستين، قال ما يزيد على نصف المجيبين إنَّهم قد اتبعوها فعلاً. أمَّا الآخرون، فإنَّنا سوف نفترض أنَّهم لم يتمكنوا من ذلك، إمَّا بسبب أنَّه لم يعد ممكنًا، أو لأنَّهم اختاروا عدم فعله ببساطة؛ ربما لأنَّهم لم يريدوا التخلِّي عن عاداتهم الضارة أو البدء بممارسة عادات مفيدة. من المحتمل أيضًا أنَّ بعض الأشخاص لم يتبعوا نصيحتهم لأنفسهم لأنَّ اتباع تلك النصيحة -مهما كانت جيدة- يظل عسيرًا ومستعصيًا (على سبيل المثال: "دعك من رأي الناس، أقدِم على المخاطرة وافعل الأمور التي تستمتع بها"، و"أحبب(ي) نفسك، فأنت تستحق(ين) ذلك").

هل يهم حقًّا أن نتبع الإرشاد الذي نوجهه لأنفسنا الأصغر سنًّا؟ أجل، على ما يبدو؛ فالأشخاص الذين اتبعوا مثل تلك النصائح في كلتا دراستينا ظنوا أنَّ رأي أنفسهم الأصغر سنًّا فيهم سيكون أكثر إيجابيةً من أولئك الذين لم يتبعوها. في الحقيقة، عند سؤال "ماذا سيكون رأي الشخص الذي كنت عليه في المدرسة الثانوية فيك الآن؟"، اعتقد العديدون ممن لم يتبعوا نصيحتهم لأنفسهم أنَّ أنفسهم الأصغر سنًّا كانت ستصاب بخيبة الأمل. لو أنَّ اتباع النصيحة التي نود إسداءها للشخص الذي كنَّا عليه فيما مضى يمكن أن يشكّل فارقًا في نظرتنا إلى أنفسنا، إذًا من المؤكد أنَّ التفكير في هذه النصيحة هو ممارسة جديرة بأن نفعلها.

لقد وصف المشاركون -ضمن التفاصيل التي ذكروها للإرشاد الذي يودّون توجيهه إلى أنفسهم الأصغر سنًّا- حدثًا محوريًّا إيجابيًّا أو سلبيًّا في حياتهم مرتبطًا بتلك النصيحة. مثال على ذلك: وصف أحد الأشخاص الحدث المحوري الذي مرّ به بقول: "مع الأسف، أصبحت أعاني من مشكلة الشرب بكثرة، وأنا الآن أعمل جاهدًا كي أمتنع عن الشرب"، فكانت نصيحته لنفسه الأصغر سنًّا هي: "لا تشرب الكحول". وقالت أخرى من الخاضعات للدراسة إنَّ الحدث المحوري بالنسبة لها هو طلاق والديها حين كانت في المدرسة الثانوية؛ إذ قالت: "لقد علّمني ذلك كل الدروس الخطأ عن الحياة: انشغل الجميع بآلامهم الخاصة، ولم يسأل أي أحد عنّي. لقد شعرت بأنَّه لا أحد يراني أو يرغب في وجودي... كانت هذه هي المرة الأولى التي أتذكر فيها فكرتي عن نفسي تُدمر بأكملها"، وكانت نصيحتها هي: "احصلي على مساعدة من متخصص لمشكلاتك النفسية؛ فهذا لا يجعلكِ شخصًا ضعيفًا". تلك الأحداث المحورية كانت في الغالب تحدث في الفترة العمرية ما بين 10 أعوام و30 عامًا؛ مما يعكس ظاهرة «مطب الذاكرة» Reminiscence Bump.

ما مدى نفع التفكير في النصيحة التي نود إسداءها إلى أنفسنا الأصغر سنًّا، حقًّا؟ لعل من الأجدر بنا أن نطوي صفحة الماضي ونمضي قدمًا في حياتنا. مع أنَّنا ما كنَّا قَط لنقترح على أي أحد أن يتحسر على ماضيه وأن يعيش في عالم يملؤوه الندم، فإنَّ دراستينا تشيران إلى أنَّ التفكير في هذه الممارسة من الممكن أن يعود بالنفع، وأن يتيح فهمًا متوازنًا، لا لنظرة المرء إلى نفسه في الوقت الراهن فحسب، بل للاتجاه الذي يود المرء للمستقبل أن يسير فيه أيضًا. إنَّ ما يقرب من نصف المشاركين في دراستنا قالوا إنَّ النصيحة التي أسدوها لأنفسهم السابقة أثّرت في الحال التي وصفوا أنفسهم عليها في المستقبل، في حين قال رُبع المجيبين إنَّهم تخيلوا أنفسهم في المستقبل ناجحين، وقال 13 بالمئة آخرون منهم إنَّهم سوف يكونون سعداء. كذلك، فإنَّ التفكير في النصيحة التي نود إسداءها إلى أنفسنا الأصغر سنًّا يمنحنا فرصة تأمل ماضينا، وما إذا كنَّا، في خضم المواقف الصادمة المحتملة، نشعر بالاستياء، أم بالرضى والتسليم، أم ربما بالامتنان حتى. إنَّ النصيحة يمكن أن تكون تذكرةً مفيدةً للأفعال التي يجب علينا ممارستها في المرحلة القادمة: "تجنَّب أن تكون شخصًا سلبيًّا"، "تجاوز المواقف السيئة وامضِ قدمًا"، "قدِّر قيمة عائلتك"، "توقف عن السماح لآراء الآخرين بأن تدمر روحك المعنوية". ربما لا يكون لدينا عرَّافٌ يحذّرنا من الهلاك الوشيك، لكن باستطاعتنا أن نتأمل ماضينا، وأن نفكر في النصيحة التي نود إسداءها إلى أنفسنا الأصغر سنًّا، وأن نستعين بها لتكون مرشدًا لمستقبلنا.