أعلنت شركة الأدوية الفرنسية «سانوفي» Sanofi مؤخرًا عن سحب دواء «زانتاك» Zantac -الذي يُصرف دون وصفة طبية، ويُستخدم على نطاق واسع في علاج الارتجاع الحمضي- من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا؛ وذلك بسبب مخاوف من احتمال حدوث تلوُّث بمادة يُحتمل أن تكون مسرطنة. أعقب هذا الإجراء قيام الشركات المصنعة وتجار التجزئة بسحب الإصدار الجنيس من العقار، والذي يُطلق عليه «رانيتيدين» Ranitidine. أثارت عمليات السحب تساؤلات حول ما إذا كانت مستويات المادة الكيميائية الموجودة في العقار، والتي تسمى ثنائي ميثيل نتروزامين، والمعروفة اختصارًا باسم (NDMA) -والتي تم ربطها بالإصابة بالسرطان في الحيوانات- تشكل مخاطر صحية أكثر خطورةً من تلك المُبَلَّغ عنها مبدئيًّا.

في العام الماضي، جرى سحب العديد من أدوية ضغط الدم، التي تتضمن حاصرات مستقبلات أنجيوتنسين II وهي: «فالسارتان» Valsartan، و«لوسارتان» Losartan، و«إربسارتان» Irbesartan، بسبب التلوث بمادة ثنائي ميثيل نتروزامين. أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لأول مرة عن احتمال تلوُّث منتجات الـ«رانيتيدين» في شهر سبتمبر/أيلول من هذا العام. في ذلك الوقت، قالت الإدارة إن مستويات مادة ثنائي ميثيل نتروزامين الموجودة في الاختبارات الأولية "بالكاد تتجاوز الكميات التي قد تتوقع العثور عليها في الأطعمة الشائعة". لكنها أصدرت بيانًا في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول وصفت فيه المستويات بأنها "غير مقبولة". وردًّا على طلب بالتوضيح، صرح المتحدث باسم إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، جيريمي كان، قائلًا: "على الرغم من أن إدارة الغذاء والدواء اكتشفت وجود مادة ثنائي ميثيل نتروزامين بمستويات منخفضة في عينات محدودة من الرانيتيدين، فإنها لا تزال تتجاوز ما تعتبره الإدارة الحد المقبول بالنسبة لهذه المنتجات".

أخطرت شركة الصيدليات «فاليشور» Valisure الموجودة على الإنترنت الإدارة في شهر يونيو/حزيران، بعد أن قالت إنها اكتشفت مستويات مقلقة من مادة ثنائي ميثيل نتروزامين في أدوية الـ«رانيتيدين»، خلال بعض الاختبارات الروتينية. قدمت الشركة التماس مواطنين مُفصلًا إلى إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في سبتمبر/أيلول، تزعم فيه أنها وجدت "مستوياتٍ مرتفعةً للغاية من مادة ثنائي ميثيل نتروزامين في كل تشغيلة جرى اختبارها، عبر العديد من الشركات المصنعة وأشكال جرعات دواء الـ«رانيتيدين»." جاء في الالتماس أن شركة «فاليشور» اكتشفت مستويات أكبر من ثلاثة ملايين نانوجرام لكل قرص -وهو ما يتجاوز بكثير الاستهلاك اليومي المسموح به من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، والبالغ 96 نانوجرامًا.

ولكن هذه المستويات العالية قد تكون نتيجةً لطريقة الاختبار التي استخدمتها «فاليشور»، والتي تتضمن تسخين العينة. قالت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في بيانها الصادر في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول إن هذه الطريقة غير مناسبة لاختبار الـ«رانيتيدين»؛ لأن تسخين العينة يولِّد مادة ثنائي ميثيل نتروزامين. بدلًا من ذلك، توصي الإدارة باستخدام إحدى الطريقتين التاليتين: الفصل اللوني للسوائل -قياس الطيف الكتلي عالي الدقة، المعروف اختصارًا بـ(LC-HRMS)، أو الفصل اللوني للسوائل -قياس الطيف الكتلي الترادفي، المعروف اختصارًا بـ(LC-MS). باستخدام طريقة LC-HRMS، وجدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية مستويات أقل بكثير من مادة ثنائي ميثيل نتروزامين، مقارنةً بما ذكرته شركة «فاليشور».

يقول نيكولاس كريسمان -المتحدث باسم شركة «سانوفي»، في رسالة بريد إلكتروني: "لم تُظهِر شركة «فاليشور» وجود مادة ثنائي ميثيل نتروزامين القابلة للاكتشاف إلا بعد تعريض «رانيتيدين» لظروف اصطناعية قاسية -عندما قاموا بتسخينه حتى 130 درجة مئوية، أو عندما أضافوا نتريتًا اصطناعيًّا بما يتجاوز كثيرًا ما يُرى عادةً لدى البشر". لكن «فاليشور» تقول إنها طورت نسخةً من تقنية الاختبار الخاصة بها، التي يمكن أن تكتشف مادة ثنائي ميثيل نتروزامين حتى عند تسخين العينات إلى 37 درجة مئوية فقط في ظروف تقارب كثيرًا تلك الموجودة في جسم الإنسان، في سائلٍ مُحاكٍ للسائل المَعِدي بكميات متفاوتة من النتريتات، التي توجد في بعض الأطعمة مثل اللحوم المصنَّعة. إلا أن شركة «سانوفي» وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية لم يصدر عنهما تعليق على مستويات مادة ثنائي ميثيل نتروزامين المحددة التي وُجِدَت باستخدام الطرق المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.

صرحت «سانوفي» بأنها أمرت بالسحب الطوعي للدواء كإجراء احترازي. يقول كريسمان: "إن «سانوفي» تأخذ هذه القضية على محمل الجد، ونُجري حاليًّا تقييماتنا القوية لضمان سلامة دواء «زانتاك» الذي يُصرف دون وصفة طبية، والذي استخدمه المستهلكون على مدار أكثر من عقدين من الزمن". وتختبر الشركة من تلقاء نفسها كلًّا من المادة الفعالة «رانيتيدين» والمنتَج النهائي. تقول آشلي كوس -المتحدثة باسم «سانوفي»- في رسالة بريد إلكتروني: "لقد أعلنَّا نتائج الاختبارات الأولية غير المتسقة للمادة الفعالة، والتي جرى الحصول عليها من منتجات الولايات المتحدة وكندا. في الوقت الحالي، ليس لدينا أي معلومات إضافية لمشاركتها حول نتائج هذا الاختبار تحديدًا".

تتبُّع المخاطر

كما زعمت شركة «فاليشور» في التماسها أيضًا أنه من المحتمل أن تكون مادة ثنائي ميثيل نتروزامين قد تشكلت نتيجةً لعدم استقرار متأصل في جزيء الـ«رانيتيدين». يقول ديفيد لايت الرئيس التنفيذي لشركة «فاليشور»: "نعتقد أن المشكلة أسوأ بكثير من كونها تلوُّثًا". ويدعي أن العقار نفسه قد يتكسر، مُشَكِّلًا مادة ثنائي ميثيل نتروزامين.

بعض الأبحاث تدعم هذه الفكرة بشكل غير مباشر. فقد أعطت دراسة أُجريت عام 2016 في جامعة ستانفورد 10 متطوعين أصحاء 150 ملليجرامًا من «زانتاك»، ووجدت أن مستويات مادة ثنائي ميثيل نتروزامين في عينات بول المتطوعين لاحقًا تجاوزت 47000 نانوجرام. وكتب الباحثون أنه نظرًا إلى أن معظم كمية مادة ثنائي ميثيل نتروزامين قد تم أيضها بالفعل قبل الوصول إلى البول، فإن الكمية الفعلية في الجسم قد تكون أعلى من ذلك بكثير. كما وجدت دراسة أُجريت عام 2004 على أشخاص يعانون من قرحات هضمية، أن أولئك الذين كانوا يتناولون إما «زانتاك» أو مضاد الحموضة الآخر «تاجاميت» Tagamet ومادته الفعالة هي «السيميتيدين» Cimetidine لديهم خطر متزايد للإصابة بسرطان المثانة، لكنها لم تميز بين أي الدوائين كان يتناوله كل شخص. (سعت مجلة «ساينتفك أمريكان» Scientific American إلى الحصول على تعليق من شركة «بريستيج براندز» Prestige Brands، وهي الشركة المصنعة لعقار «تاجاميت»، لكنها لم تتلقَّ ردًّا حتى وقت النشر).

تشير شركة «سانوفي» إلى أن الدراسة التي أُجريت عام 2016 قد استخدمت أيضًا طريقةً تنطوي على تعريض العينات لدرجات حرارة عالية وإضافة مواد كيميائية مرجعية -وكلتا الطريقتين يمكنها توليد مادة ثنائي ميثيل نتروزامين، وفق ما تقول الشركة. وأضافت شركة «سانوفي» أيضًا أن «زانتاك» لم تتم الموافقة على بيعه في الولايات المتحدة حتى ثمانينيات القرن العشرين، وأن جميع القُرَح التي جرى الإبلاغ عنها تقريبًا في الدراسة التي أُجريت عام 2004، كانت قد تشكلت قبل ذلك الوقت. يقول كريسمان، المتحدث باسم «سانوفي»: "أظهرت العديد من الدراسات بدءًا من الدراسة التي أُجريت عام 2004 أمان الـ«رانيتيدين»". ويستشهد بتحليلات إحصائية للدراسات أُجريت عام 2013 لفحص العلاقة بين العقاقير المثبطة للأحماض –التي تتضمن حاصرات مستقبلات الهيستامين 2 مثل الـ«رانيتيدين»- وسرطان المعدة، والذي لم يجد ارتباطًا ذا أهمية إحصائية للاستخدام الطويل الأجل لحاصرات مستقبلات الهيستامين 2. لكن التحليل نفسه وجد خطرًا ذا أهمية إحصائية للإصابة بالسرطان في غضون خمس سنوات من الاستخدام، وخَلُصَ الباحثون إلى أن "الأدوية المثبطة للأحماض مرتبطة بزيادة خطر الإصابة بسرطان المعدة". (أشاروا إلى بعض القيود، التي تتضمن -بالرغم من ذلك- حقيقة أن هذا الاستنتاج كان يستند إلى دراسات قائمة على الملاحظة).

ثمة مصدر قلق آخر محتمل، يتمثل في أنه إذا تَكَسَّر «الرانيتيدين» إلى مادة ثنائي ميثيل نتروزامين، فقد يتسلل إلى نظام معالجة مياه الصرف الصحي ويلوِّث مياه الشرب. إن مادة ثنائي ميثيل نتروزامين الناتجة من وقود الصواريخ هي أحد ملوثات المياه المعروفة، ويعتقد ديفيد لايت الرئيس التنفيذي لشركة «فاليشور» أن تركيزات هذه المادة الكيميائية في أدوية «الرانيتيدين» قد تكون كبيرةً بما يكفي لخلق مشكلة. ويقول لايت: "إذا ألقيتم هذه الحبوب، فعندئذٍ يمكن لمادة ثنائي ميثيل نتروزامين الدخول إلى مصادر الإمداد بالمياه". كما يشجع الناس على إعادة أدويتهم إلى الطبيب أو الصيدلية للتخلُّص منها بأمان.

كيمياء معقدة

يُستخدم «رانيتيدين» على نطاق واسع منذ عقود. فإذا كان يشكل خطرًا على صحة الإنسان، فكيف حدث ذلك دون أن يلاحظه أحد لمدة طويلة؟ ويزعم لايت أنه كانت هناك بعض القيود في دراسات السلامة المبكرة التي شملت زانتاك في ثمانينيات القرن العشرين. فإن «جلاكسو» Glaxo -وهي شركة تم دمجها في نهاية المطاف لتصبح «جلاكسو سميث كلاين» GlaxoSmithKline والمعروفة اختصارًا بـ(GSK) -وهي الشركة الأصلية المُصنِّعة لزانتاك– نشرت دراسة عن مستقلبات الـ«رانيتيدين» في البول عام 1981، لكن لايت يقول إن الدراسة -على ما يبدو- لم تبحث عن مادة ثنائي ميثيل نتروزامين.

كما نشرت «جلاكسو» دراسة أخرى في عام 1987 اختبرت محتويات المعدة في أشخاص يتناولون الـ«رانيتيدين»، وخلصت إلى أنه "لم تحدث زيادة كبيرة" في تركيز النتروزامينات، وهي مجموعة من المواد الكيميائية -العديد منها مواد مسرطنة- تشمل مادة ثنائي ميثيل نتروزامين. لكن لايت يقول إن طريقة الكشف المستخدمة في تلك الدراسة صُممت للمنتجات الغذائية، ولا تقيس النتروزامينات مباشرةً. بالإضافة إلى ذلك، تجاهلت الدراسة جميع عينات المعدة التي احتوت على «الرانيتيدين»؛ لأنها قد تحتوي على تركيزات "عالية بشكل خطأ" من النتروزامينات، لذلك ما كان يمكن اكتشاف أي مادة ثنائي ميثيل نتروزامين ناتجة عن تَكَسُّر الـ«رانيتيدين».

في بيان لمجلة «ساينتفك أمريكان»، تقول شركة «جلاكسو سميث كلاين» إنها نظرت في التكوُّن المحتمل للنيتروزامينات في الجسم في أثناء تطوير الـ«رانيتيدين»، وخلال مراجعتها التنظيمية وفي دراسات لاحقة. لقد افترض العلماء أن أي أدوية ترفع درجة حموضة المعدة قد تزيد من نمو البكتيريا التي تنتج النتريتات، والتي قد تتفاعل مع مواد كيميائية تسمى الأمينات لإنتاج النتروزامينات. على الرغم من أن العديد من الدراسات وجدت أن تناوُل «رانيتيدين» قد يزيد من تركيز النتريتات في المعدة، ووجدت دراسة واحدة على الأقل حدوث زيادة ذات أهمية إحصائية في النتروزامينات -وهذا لا يعني أنها تسبب السرطان، وفق قول شركة «جلاكسو سميث كلاين». وتضيف الشركة أن «رانيتيدين» لم يكن مسببًا للسرطان في دراسات القوارض التي كان نظامها الغذائي وتمثيلها الغذائي البكتيري مشابهَين لما هو عند البشر، وتزعم أن "المراقبة الشاملة لسلامة الدواء ومراجعات السلامة الدورية والدراسات الوبائية الموضوعية لم تربط «رانيتيدين» بزيادة مخاطر السرطان".

علاوةً على ذلك، فإن مشكلة تكوُّن النيتروزامينات في الجسم "تختلف اختلافًا جوهريًّا عن الاهتمام التنظيمي الحالي بوجود مادة ثنائي ميثيل نتروزامين في المادة الدوائية والمنتَج الدوائي"، كما تقول شركة «جلاكسو سميث كلاين»، التي أمرت بسحب إصدارها الجنيس من زانتاك. ويرجع سبب السحب الوقائي الحالي لأدوية «الرانيتيدين» إلى استنتاج نشأ من أن بعض مصادر مادة الدواء، ومن ثمَّ المنتَج الدوائي، قد يحتوي على كميات صغيرة جدًّا من النتروزامين. في الوقت الذي توضح فيه الشركات المصنعة والموردون والسلطات التنظيمية السبب الجذري لهذه المشكلة، أوقفنا إمدادات المنتَج وسحبناه من السوق كتدبير احترازي".

ومع ذلك، تشير عمليات السحب إلى أنه قد يكون هناك ما يسوِّغ مستوى الحذر. تقول إدارة الغذاء والدواء الأمريكية إن المستهلكين الذين يتناولون أدوية من دون وصفة طبية تحتوي على «رانيتيدين» يمكنهم النظر في استخدام أدوية أخرى معتمدة، أما مَن يتناولونه بوصفة طبية ويريدون التوقف عن استخدامه، فيجب عليهم استشارة أطبائهم بشأن الخيارات البديلة. طلبت الإدارة من الشركات المصنعة «للرانيتيدين» اختبار منتجاتها من حيث وجود مادة ثنائي ميثيل نتروزامين وإرسال عينات منها. يقول "كان" إن الإدارة "تواصل اختبار عينات الرانيتيدين، وستقدم المعلومات عندما تصبح متوافرة".