الماء -إن كان مأمونًا- يُغنيك عن أي مشروب آخر؛ فهو مفيد للأسنان، والجلد، وضبط الوزن، بل والقدرة على التفكير السليم، من جهة أخرى، فإن شرب مياه ملوّثة بالبكتيريا المُمْرِضة، والمعادن الثقيلة، أو غيرها من المواد الضارة، قد يُسبب الإسهال، أو التلف الدماغي، أو العقم، أو السرطان.

والمياه المعبأة ليست بالضرورة آمنة دائمًا، زِد على ذلك أن تكلفتها تفوق بآلاف المرات تكلفة مياه الصنابير، كما أن لتعبئتها في قنينات بلاستيكية، وعملية نقلها تكاليف بيئية باهظة.

ورغم الحاجة إلى مياه مأمونة، ووجود عدد لا حصر له من المواد التي قد تسبب تلوُّثها، لا توجد وسيلة في متناول الجميع، تتيح إجراء اختبارات للتحقُّق من أمان المياه بسرعة، ودقة، وبتكلفة زهيدة.

وقد صحّ ذلك أيضّا فيما يتعلق باختبارات الحمل قبل قرابة 50 عامًا؛ إذ حاججت أولى صور الدعاية لاختبارات الحمل المنزلية بـ"أحقية المرأة في معرفة" حملها من عدمه، "بأقل قدر ممكن من الضجة والعناء، وفي أسرع وقت ممكن"، وهو ما يُفترض أن ينسحِب كذلك على أحقيتنا في التحقق من جودة مياه الشرب.

ونظرًا إلى أن الاختبارات الحالية للتحقُّق من أمان المياه لا يزال أغلب الأفراد يجدونها شاقةً في إجراءاتها، فإن غايتنا هي أن نجعلها بسهولة اختبارات الحمل، بحيث يمكن استخدامها داخل المنازل ومراكز الرعاية اليومية والمدارس.

وبما أننا نبحث كيفية ضمان تحقيق الأمن المائي للجميع، في إطار عملنا كأساتذة من جامعة نورث ويسترن، نسعى إلى أن نتيح للكل اختبارات الكشف عن مأمونية المياه من خلال تطوير نوع جديد من اختبارات مياه الشرب، يكون سريعًا وزهيد الثمن ويتسم بالدقة، كما نهدف إلى قياس مدى انعدام الأمن المائي على مستوى العالم.

بالإضافة إلى ذلك، نرمي إلى دخول هذه الاختبارات الجديدة حيزَ التطبيق والاستعمال، بحيث يمكن لغير العلماء استخدامها في يسر، بتكلفة معقولة وبحيث تعطي نتائجها خلال ساعة لمَن هم في أشد الحاجة إليها، بيد أن هذه التقنية غير مُجهزة على الإطلاق للترويج لها؛ إذ لا يزال أمامنا الكثير مما يجب عمله لضمان أن اختبارات الكشف عن الرصاص سهلة الاستخدام إلى أقصى قدر ممكن.

وتختلف هذه الاختبارات عن غيرها؛ لأنها تستغل قوة مجسات من الطبيعة، مستلهمةً من حقل البيولوجيا، يمكن برمجتها، من خلال أدوات حقل البيولوجيا التخليقية الوليد، بحيث يتغير لونها عندما توجد في الماء إحدى المواد الكيميائية المستهدَف الكشف عنها.

ونظرًا إلى أن تلك المجسات تعمل خارج الخلايا، يمكن تجفيفها بالتجميد لتتحول إلى تكتلات بيضاء صغيرة الحجم، قابلة للحفظ في درجة حرارة الغرفة، لتصبح جاهزة لتدلَّنا على تلوث المياه بقطرة واحدة فقط، ومن ثمّ، تنتفي الحاجة إلى استخدام معدات المختبرات المعقدة.

وهذه الاختبارات يمكن استخدامها للكشف سريعًا عن وجود الرصاص، أو النحاس، أو الزرنيخ، أو الفلوريد في المياه، ويُتوقع قريبًا أن تكشف وجود المزيد من المواد الملوِّثة، من هنا، تسعى جامعة نورث ويسترن، بالتعاوُن مع شركة منبثقة شارك أحدنا في تأسيسها، إلى الكشف عن وباء "كوفيد -19" في مياه الصرف.

وتشمل الاستخدامات المحتملة لتلك الاختبارات إجراء فحوص الكشف عن الرصاص في المياه التي يستخدمها ملايين من الأمريكيين الذين يسكنون في أماكن فيها خطوط أنابيب خدمية مصنوعة من الرصاص لضخ المياه من المدن إلى منازلهم، وهذا مهم؛ لأن العديد من الأطفال يتعرضون دون علم لأضرار التسمم بالرصاص التي تستمر مدى الحياة.

أمّا اختبارات الكشف عن الزرنيخ، فسوف تتضح أهميتها لملايين البشر على مستوى العالم ممن يواجهون خطر هذه المادة الموجودة بصورة طبيعية في المياه الجوفية التي يستخدمونها، وسوف تخدم اختبارات الكشف عن بكتيريا الإشريكية القولونية E. Coli أيضًا في عدة حالات طوارئ، كما في حال الملايين ممن يعيشون منذ فبراير الماضي وسط تحذيرات بضرورة غلي المياه في ولاية تكساس، فضلًا عن هؤلاء في ولاية مسيسيبي ممن بدأوا يواجهون في الآونة الأخيرة أزمة مياه يوميًّا.

وعلى سبيل بث الطمأنينة، يُذكر أن أغلب مياه الشرب في الولايات المتحدة مأمونة؛ فالمحطات المحلية لمعالجة المياه هناك تُبلي في الغالب الأعم بلاءً رائعًا في إجراء اختبارات الكشف عن الملوّثات المعتادة ومعالجتها، مثل بكتيريا الإشريكية القولونية، بيد أن ذلك لا يكفي في بعض الأحيان؛ فعلى سبيل المثال، اكتشفت وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) ما يزيد على 100 "ملوث مسبب لمخاوف ناشئة"، وهي ملوّثات أغلبها لا تُجرى إطلاقًا فحوص للكشف عنها، وتشكِّل أضرارًا محتملة.

وقد يحدث تلوُّث المياه عندما تغادر المياه محطات المعالجة، مثلما يحدث عندما توجد خطوط أنابيب مصنوعة من الرصاص تضطلع بخدمة تغذية المنازل بالمياه القادمة من احتياطي المدينة من الماء، كما في حال العديد من المناطق السكنية في ولايتي واشنطن العاصمة، وشيكاجو، بالإضافة إلى ذلك، يعتمد 42 مليون أمريكي على مياه الآبار التي غالبًا لا تُجرى عليها اختبارات للكشف عن ملوثات*.

لهذه الأسباب، من الضروري أن نستوضح جودة المياه قبل أن نشربها؛ لنتبين ما إذا كانت ثمة حاجة إلى تنقيتها، أم لا، ولمعرفة نوع المرشّح الذي يجب استخدامه، إذا كانت تنقيتها لازمة.

ورغم أن مجال تشخيص الشوائب المائية سريعًا ما زال في المراحل المبكرة منه، فهو يبشر بالكثير فيما يتعلق بنشر المعلومات بشأن أمان مادة تُعد جزءًا لا يتجزأ من الصحة والرفاه في الولايات المتحدة، وفي العالم أجمع، ومع هذه المعرفة تتأتى القوة ويولد التغيير، وقد كان للأدلة التجريبية على تلوث المياه بالرصاص في مدينة فلينت بولاية ميشيجان دورٌ رئيسي في جذب انتباه العالم إلى أوجه الجور التي تقع هناك.

وقد هددت طائفة من ضروب الكوارث الخفية والظاهرة جودة المياه على مستوى العالم، منها –على سبيل المثال– تهالُك البنى التحتية، والحرائق الهائلة، وفيضانات مياه الصرف الصحي، وجريان الماء من الأراضي الزراعية، والرش الدائم للكيماويات في أماكن غير متوقَّعة.

وفي ضوء المخاطر الملموسة التي تنتج عن شرب مياه ملوّثة، تصبح المعرفة الدقيقة بمدى جودة المياه ضرورةً ملحَّة من أجل اتخاذ إجراءات في هذا المضمار، والضغط لإحداث تغيير، ويقتضي ذلك توافُر وسائل اختبار منزلي في متناول الجميع، تكون موثوقةً وزهيدة الثمن وسريعة ويمكن أن يُعوَّل عليها.

* ملحوظة من المحرر (19/4/ 2021): تمّ تغيير هذه العبارة بعد النشر لتصحيح عدد المرات التي تخضع فيها مياه الآبار للاختبار.