مع استمرار تفشِّي مُتحوِّر «أوميكرون» Omicron تفشيًا جامحًا، يشعر ملايين الأشخاص بالقلق حيال احتمالية أن يكونوا قد تعرَّضوا له، ويتلهفون بشدة لمعرفة ما إذا كانوا قد أُصيبوا بالعدوى أم لا، ولكن يصعب في كثيرٍ من المناطق العثور على اختبارات المُستضِد المنزلية السريعة، كما يمكن أن تستغرق اختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR) أيامًا حتى تظهر نتيجتها، هذا إن توافَر موعدٌ أصلًا، لذا، إذا افترضنا أنك تستطيع الخضوع لأحد هذه الاختبارات الثمينة، فما هو أفضل توقيتٍ يمكن استخدامه فيه من أجل الحصول على أدق نتيجة؟

من الملحوظ أنه فيما يتعلق بالسلالة الأصلية لفيروس «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2، وهو الفيروس التاجي المُسبِّب لمرض «كوفيد-19»، يصل مقدار الفيروس في الجسم –أو ما يُعرَف بالحِمْل الفيروسي- إلى ذروته بشكلٍ عام بعد فترةٍ تتراوح من خمسة إلى سبعة أيام من التعرُّض له، حسبما تقول جيجي كويك جرونفال، اختصاصية علم المناعة في كلية جونز هوبكنز بلومبيرج للصحة العامة، وتُوصي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) والعديد من الإدارات الصحية بالولايات الأمريكية بأن ينتظر الأشخاص الذين تعرَّضوا للفيروس ممن تلقَّوا التَّطعيم حتى حلول هذا الوقت لإجراء اختبارٍ بعد مخالطتهم أحد المُصابين بمرض «كوفيد-19» للتأكد من أن الاختبار السلبي سلبيٌّ بحقٍّ؛ لأنه كلما ازداد الحِمْل الفيروسي، كانت إمكانية اكتشاف الفيروس أفضل.

لكن ربما لم يعُد الحال كذلك مع تفشِّي مُتحوِّر «أوميكرون»، فالأعراض تظهر على ما يبدو خلال فترةٍ زمنية أقصر بعد الإصابة بالعدوى، ونتيجةً لذلك، قد ينقل الأشخاص المصابون بالعدوى الفيروس إلى آخرين خلال فترة زمنية أقصر كذلك، وتُشير دراساتٌ حديثة إلى أن المصابين بمُتحوِّر «أوميكرون» قد يستمرون في نثر الفيروس لعدة أيام بعد ظهور الأعراض، وهو ما يعني أن التَّوصية الحالية التي صدرت عن مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها بالعزل لمدة خمسة أيام بعد الإصابة بالعدوى قد لا تكون كافية.

ما الذي يمكن أن تخبرك به أنواع الاختبارات المختلفة؟

يختلف النوعان الأساسيان من اختبارات «كوفيد» المتاحة للمستهلكين اختلافًا بيِّنًا من حيث درجة حساسية كلٍّ منهما؛ فاختبار تفاعل البوليميراز المتسلسل، الذي يقيس الحمض النووي الريبي (RNA) الفيروسي في الجسم، يمكنه الكشف عن عددٍ محدودٍ لا يتجاوز 200 نسخة من فيروس «سارس-كوف-2» في كل ملليلتر من العينة، وعلى النقيض من ذلك، قد لا يعطي اختبار المُستضِد السريع نتيجةً إيجابيةً إذا كان عدد النسخ الفيروسية أقل من 500 ألف.

ومن غير الواضح ما إذا كان الحِمْل الفيروسي الأعلى يعني بالضرورة أن الشخص أشد نقلًا للعدوى، فبرغم كل شيء، فإن كمية الفيروسات التي تتضاعف في الجسم لا ترتبط بالضرورة بعدد الجسيمات الفيروسية التي تنبعث من الشخص المُصاب عندما يتنفس، لكن جرونفال تقول إنه يُفتَرَض أن إيجابية نتيجة اختبار المُستضِد السريع تُعَد مؤشرًا جيدًا على إمكانية نقل العدوى؛ لأن هذه الاختبارات لا تكشف عن الإصابة بفيروس «سارس-كوف-2» إلا عند بلوغ الحِمْل الفيروسي ذروته، أما اختبار تفاعل البوليميراز المتسلسل فهو على درجةٍ كبيرة من الحساسية، حتى إنه قد يستمر في إظهار وجود الفيروس في الجسم مدةً طويلة بعد أن يصبح الشخص غير مُعدٍ.

وفي هذه المرحلة من الجائحة، أصبح من الأصعب على اختصاصيي علم الأوبئة الجزم بما إذا كان أحد المُتحوِّرات يصل إلى حِمْلٍ فيروسي أعلى من غيره أو تأكيد الكيفية التي يرتبط ذلك الحِمْل الفيروسي بقابلية نقل العدوى، حسبما يرى أجاي سيثي، اختصاصي علم الأوبئة في جامعة ويسكونسن-ماديسون، ويرجع ذلك إلى أن عددًا كبيرًا جدًّا من الأشخاص الآن قد أُصيبوا بمرض «كوفيد-19» أو تلقوا أعدادًا مختلفةً من جرعات اللقاح، وهو ما يعني أن أجهزتهم المناعية صارت تستجيب بشكلٍ مختلف للمُتحوِّر الأحدث، يقول سيثي: "إن الأمر بالغ التعقيد بحيث يتعذر علينا أن نُقرِّر ما إذا كان أحد المُتحوِّرات سيؤدي إلى حِمْلٍ فيروسي أعلى".

ما الأساس العلمي الذي تستند إليه توصية مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها والعديد من الإدارات الصحية بالولايات الأمريكية بفترة انتظارٍ تتراوح بين خمسة أيام وسبعة؟

تستند تلك التوجيهات إلى متوسط الوقت بين الإصابة بالعدوى وظهور الأعراض المصاحبة للسلالة الأصلية من فيروس «سارس-كوف-2»، فإذا لم تظهر الأعراض بعد خمسة أيام، فإن فرصة كون الشخص ناقلًا للعدوى تكون ضئيلةً للغاية، التفسير النظري هنا هو أن الحِمْل الفيروسي والأعراض يبلغان الذروة في الوقت نفسه تقريبًا، مما يوفر ما يكفي من نُسخ الفيروس لإجراء اختبار تفاعل البوليميراز المتسلسل أو اختبار المُستضِد السريع؛ بغية إعطاء نتيجة إيجابية أو سلبية بشكلٍ حاسم.

ولكن يبدو أن أعراض مُتحوِّر «أوميكرون» تظهر في غضون مدة زمنية أقصر بكثير؛ إذ تظهر بعد ثلاثة أيام –في المتوسط- من التعرُّض، إضافةً إلى ذلك، تُشير القرائن المُستجِدَّة إلى أن الأشخاص المصابين بمُتَحَوِّر «أوميكرون» يُمكِن أن يصبحوا ناقلين للعدوى قبل ظهور الأعراض بيومٍ واحد على الأقل، فقد تتبَّعت مسودةٌ نُشِرت على الموقع الإلكتروني «ميد آركايف» medRxiv بتاريخ الخامس من يناير 30 شخصًا في أثناء تفشِّي مُتحوِّر «أوميكرون»، ووجدت أن معظمهم صاروا ناقلين للعدوى قبل أن تكشف اختبارات المُستضِد السريعة إصابتهم بمرض «كوفيد-19» بعدة أيامٍ.

ومما زاد المشهد إرباكًا دراسةٌ حديثة أُجريَت على مرضى في اليابان، وتوصلت إلى أن مُتحوِّر «أوميكرون» قد لا يصل إلى ذروة الحِمْل الفيروسي إلا بعد بدء ظهور الأعراض بفترةٍ تتراوح من ثلاثة أيام إلى ستة، لكن ذلك لا يعني أن الأشخاص لا يكونون ناقلين للعدوى قبل ذلك الوقت بكثيرٍ، وفق قول أوماي جارنر، اختصاصية الميكروبيولوجيا الإكلينيكية في المنظومة الصحية التابعة لجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس.

إن اختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل يمكن أن تكشف عن الإصابة بالعدوى قبل أن يبلغ الحِمْل الفيروسي ذروته، ولهذا السبب، فإن هذه الاختبارات أقدر على اكتشاف مُتحوِّر «أوميكرون» فور أن يُصاب به الشخص ولكن قبل أن يصير ناقلًا للعدوى، ومع ذلك، يمكن أن يستغرق الأمر في الوقت الحالي عدة أيام لحين الحصول على نتائج اختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل، وهي مرحلةٌ سيصير خلالها الشخص ناقلًا للعدوى.

إذا كان المصابون بمُتحوِّر «أوميكرون» يصبحون ناقلين للعدوى بعد يومين من التعرُّض له، فلماذا يجب تأجيل إجراء الاختبار بعد انقضاء هذين اليومين؟

لا ضير من إجراء الاختبار بعد يومين من التعرُّض، إلا أنه يُخشى أن يمنحنا ظهور نتيجة اختبار المُستضِد السلبية في غضون يومين إحساسًا زائفًا بالأمان؛ لأن الحِمْل الفيروسي قد يظل منخفضًا جدًّا في هذه المرحلة بحيث يتعذر اكتشافه عن طريق اختبارات المُستضِد السريعة.

ومن ثم ستكون نتيجة الاختبار السلبية -وبالأخص اختبار المُستضِد السريع- بعد يوم أو يومين من تعرُّض الشخص، بلا أهمية، وسيحتاج هذا الشخص إلى إجراء الاختبار مرةً أخرى قبل الخروج من العزل، يقول جارنر: "لا يُمكِنهم أن يزعموا أنهم ليسوا مُصابين بمرض «كوفيد-19»"، ويستطرد قائلًا: "عليهم أن يتصرفوا وكأنهم مصابون بمرض «كوفيد-19» إلى أن يحصلوا على نتيجةٍ من شأنها تأكيد أنهم ليسوا كذلك".

يؤدي النقص الحالي في الاختبارات إلى تعقيد الأمور؛ لأنه قد يَثني الناس عن طلب الخضوع لاختباراتٍ إضافية، يقول جارنر: "يعكس هذا ضعفًا في الاستجابة الفيدرالية تجاه التعامل مع هذا الفيروس"؛ ففي كل مرة تشهد فيها الحالات قفزة، "لا نستطيع إجراء الاختبارات الكافية".

ما الفترة الزمنية التي يظل خلالها المصابُ ناقلًا للعدوى؟

أظهرت البيانات المتعلقة بسلالة الفيروس التاجي الأصلية أن معظم الأشخاص المُصابين إصابةً طفيفة بمرض «كوفيد-19» لم يعودوا ناقلين للعدوى بعد مرور 10 أيام على ظهور الأعراض، يقول جارنر إن الفيروس قد يتصرف بطريقة مختلفة لدى الأشخاص الذين تلقوا التَّطعيم أو الذين لم يتلقوه أو الذين لم يتلقوه إلا مؤخرًا، بَيْد أنه لا يتوافر في الوقت الحالي سوى قدرٍ ضئيل من المعلومات حول تلك الاختلافات.

وفي السابع والعشرين من ديسمبر 2021، قرَّرت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها تغيير توصيات العزل الخاصة بها لتقترح عزل الأشخاص الذين يعانون من أعراضٍ طفيفة من مرض «كوفيد-19» لمدة خمسة أيام ثم عودتهم إلى العمل مع ارتداء كمامة، حتى لو لم يحصلوا على نتيجة سلبية للاختبار، وقد أوضحت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها أن هذه التوجيهات استندت إلى أساسٍ علمي جديد، مع أنها لم تُصدِر البيانات المتعلقة بذلك، وتُشير العديد من الحالات الفردية غير المُوثَّقة إلى أن عدوى «أوميكرون» يمكن أن تستمر أكثر من خمسة أيام.

ويعتقد الكثيرُ من الخبراء أن عدم اشتراط إجراء الاختبار يرتبط بتفادي حالات نقص الاختبارات أكثر من ارتباطه بالأساس العلمي الجديد، خاصةً وأن المعلومات المعروفة عن مُتحوِّر «أوميكرون» لا تزال شحيحةً للغاية، وكتب مايكل مينا -خبير الأمراض المُعدية- سلسلة تغريدات على موقع «تويتر» وصف فيها قرار مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها بأنه "متهور"، وقال: "لقد بذلنا كل هذا الجهد لاكتشاف الأشخاص الناقلين للعدوى... فلماذا لا نضمن -على الأقل- عدم مخالطة مَن نكتشف إصابتهم للآخرين".

هل ثمة اختباراتٌ أفضل تلوح في الأفق.. كتلك التي تستخدم اللعاب المأخوذ من الفم أو الحَلْق؟

تُشير الأدلة الأوَّليّة إلى أن مُتحوِّر «أوميكرون» قد يكون أكثر انتشارًا في منطقة الحَلْق من المُتحوِّرات السابقة التي تميل إلى التكاثر في الأنف؛ فقد توصَّلت دراساتٌ أوَّليّة صغيرة إلى أن كلًّا من اختبار تفاعل البوليميراز المتسلسل واختبار المُستضِد اللذَين يُجرَيان باستخدام مسحات اللعاب يُعطيان نتائج إيجابية قبل مسحات الأنف بأيامٍ، كما تُشير العديد من التقارير الفردية غير المُوثَّقة إلى أن مسحات الحَلْق تُعطي نتائج أدق، على الرغم من أن إحدى الدراسات ترى أن اختبارات المُستضِد السريع تكون أقل حساسيةً عند استخدامها في الحَلْق بدلًا من الأنف، حسبما يُوصى به.

وفي حين دعا عددٌ من الخبراء إلى استخدام المسحات اللعابية، تُوصي إدارة الغذاء والدَّواء الأمريكية بعدم أخذ مسحات الحَلْق في المنزل؛ إذ قالت في سلسلة تغريداتٍ على موقع «تويتر» بتاريخ السابع من يناير إنه بالإضافة إلى المخاوف المتعلقة بمستوى الأمان، "لا تتوافر لدينا أي بيانات حتى الآن تُشير إلى أن مسحات الحَلْق تُعَد طريقةً دقيقةً أو مناسبة للاختبارات التي تُجرى في المنزل"، ويقول جارنر إن تغيير هذه التوجيهات يتطلب مزيدًا من الأبحاث وتقنين أنواعٍ جديدة من الاختبارات.

خلاصة القول: متى يتعيَّن علينا الخضوع لاختبار «كوفيد-19»؟

يمكن للمرء أن يخضع لاختبار تفاعل البوليميراز المتسلسل بعد ثلاثة أيام من المُخالطة ليعرف ما إذا كان مصابًا بالفيروس أم لا، حتى وإن لم يكن ناقلًا للعدوى بعد.

فإذا لم تتوافر اختباراتُ تفاعل البوليميراز المتسلسل، وكان بمقدورك الحصول على اختبار مُستضِد سريع واحد فقط، فإن التوقيت الأمثل يعتمد إلى حدٍّ كبير على حالتك، فإذا كنت تستطيع أن تبقى معزولًا وتعرف متى تعرَّضت للعدوى بالضبط، فيتفق سيثي وجارنر على أن الانتظار خمسة أيام حتى إجراء اختبار المُستضِد هو الخيار الأفضل لك كي تتأكد من أن سلبية نتيجة الاختبار صحيحةٌ بالفعل، أو كي تتبيَّن ما إذا كانت الأعراض التي تعاني منها ناجمةً عن مرض «كوفيد-19» أم لا.

ولكن إذا كنت لا تعاني أعراضًا، وتحتاج إلى مخالطة الناس والخضوع لاختبار مُستَضِدٍّ سريع واحد فقط، فقد يكون مفيدًا إجراؤه في غضون يومين، يقول سيثي إنه في حال كانت النتيجة إيجابية، فيمكنك أن تفترض إصابتك بمرض «كوفيد-19»، ويضيف قائلًا: "أما إذا كانت النتيجة سلبية، فستود لو أنك تستطيع الخضوع لاختبارٍ آخر".

في كلتا الحالتين، يقول الخبراء إنك يجب أن تتصرف كما لو أنك مُصابٌ بمرض «كوفيد-19» إلى أن يمر وقتٌ كافٍ لتعلم أن نتيجة الاختبار سلبية بحق، لا تعني نتيجة الاختبار السلبية -لا سيما اختبار المُستضِد السريع- أنك لست ناقلًا للعدوى أو لن تصبح كذلك فيما بعد، تقول جرونفال: "إذا كان ثمة شيءٌ واحدٌ أقوله مرارًا وتكرارًا، فهو أن الاختبار ليس سوى لحظةٍ من الزمن".