عندما اكتشفت تونيا زيركل -وهي أم تعيش في مدينة سينسيناتي بولاية أوهايو الأمريكية- أن مدينة أونتاريو في كندا تقوم بتلقيح أي طفل سيبلغ من العمر 12 عامًا بحلول نهاية العام، لم تهدر وقتًا؛ فبعدما تأكدت من المسؤولين الكنديين أن طفلتها الأمريكية البالغة من العمر 11 عامًا مؤهلة للحصول على اللقاح، وتواصلت مع السلطات الحدودية للتحقق من شروط الزيارة، توجهت هي وعائلتها إلى الحدود في صباح يوم من أيام الآحاد في أواخر شهر أغسطس للحصول على جرعة واحدة من لقاح فايزر وتناول غداء من وجبة البوتين الشهيرة في طريق العودة.

تقول زيركل التي كانت قلقةً بشأن ارتياد ابنتها لمدرسة يُعد ارتداء الكمامات الواقية فيها أمرًا اختياريًّا: "إذا أتيحت لي طريقة لحماية طفلتي، فسوف أسارع باستخدامها، ولكن المفارقة التي لم تفُتني ملاحظتها هي أنني كنت –حرفيًّا- أعبر الحدود كي أفعل شيئًا لحماية طفلتي"، تدرك زيركل أيضًا أنها محظوظة، وتضيف قائلة: "قد لا تتمكن الكثير من العائلات من فعل ذلك".

لقد كذب بالفعل الكثير من أولياء الأمور بشأن أعمار أبنائهم الذين لم يبلغوا سن المراهقة بعد، وذلك من أجل الحصول على اللقاح المضاد لكوفيد، قبل أن تصرح إدارة الغذاء والدواء الأمريكية باستخدام لقاح للأطفال دون سن 12 عامًا، لا يزال الملايين من أولياء الأمور الآخرين في جميع أنحاء البلاد يستيقظون يوميًّا والسؤال ذاته يشغلهم: "متى سيتوافر لقاح للأطفال؟".

تقول الباحثة في جامعة جونز هوبكنز، كوثر طلعت، وهي باحثة رئيسية شاركت في التجارب السريرية للقاح فايزر التي تستهدف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر و11 عامًا: إن الإجابة عن السؤال السابق ستُطرَح "قريبًا جدًّا"، في بيان صحفي عُقد يوم الإثنين، شاركت شركة فايزر البيانات الأولية لتجاربها التي أُجريت على 2268 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام و11 عامًا، وقالت إن البيانات أظهرت "استجابةً مناعيةً قوية" بعد شهر واحد من تلقِّي الجرعة الثانية، وهي استجابة تعادل تلك التي رُصِدَت لدى المشاركين في التجارب، الذين تراوحت أعمارهم بين 16 و25 عامًا، وذكرت الشركة أن الآثار الجانبية في التجربة التي استهدفت الأطفال كانت مشابهةً أيضًا لتلك التي رُصدت بين الشباب، لكن شركة فايزر لم تُصدر حتى الآن أي بيانات حول فاعلية اللقاح في الوقاية من المرض في هذه الفئة العمرية.

تقول طلعت: "يعمل القائمون على التجارب بأقصى جهدهم وبأسرع ما يمكنهم لنشر هذه البيانات، وقد وعدت إدارة الغذاء والدواء بمراجعتها في أسرع وقت ممكن، لذا فإن [اللقاح] سيكون متاحًا قريبًا".

صرَّح سكوت جوتليب -المفوض السابق لإدارة الغذاء والدواء وعضو مجلس إدارة فايزر الحالي- لشبكة سي إن بي سي الأمريكية بأن "قريبًا" قد تعني بحلول نهاية شهر أكتوبر أو ربما أوائل نوفمبر، أصدرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بيانًا في العاشر من سبتمبر للرد على المخاوف والتساؤلات المتزايدة بشأن الجدول الزمني لإتاحة لقاحات الأطفال، نص البيان -الذي نُسب إلى كلٍّ من القائمة بأعمال مفوض إدارة الغذاء والدواء جانيت وودكوك وبيتر ماركس، مدير مركز تقييم وأبحاث البيولوجيا التابع للإدارة نفسها- على التالي: "الكثير من أفراد فريقنا في إدارة الغذاء والدواء هم أنفسهم من أولياء الأمور والأجداد، ويشعر أفراد فريقنا بالمخاوف نفسها التي تنتاب كثيرًا من الناس في بلدنا فيما يتعلق بحماية أحبائنا من كوفيد-19".

وأكد البيان الحاجة إلى إجراء "تجارب سريرية مستفيضة ومحكمة" لتقييم مأمونية لقاح كوفيد-19 والاستجابة المناعية التي يحفزها في فئة سكانية لا تزال تنمو وتتطور، كما أضاف: "يتطلب إجراء التجارب السريرية لتحديد جرعة اللقاح المناسبة للأطفال عملًا زائدًا على ما أُجْرِيَ في الدراسات التي تناولت البالغين، بما في ذلك التأكد من أن جرعة اللقاح وقوة تركيبته المستخدمة ملائمة من حيث المأمونية وتوليد الاستجابة المناعية".

حددت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الشروط المتوقعة المتعلقة بترخيص لقاح للأطفال، من بينها اشتراط المتابعة شهرين على الأقل لمراقبة المأمونية في تجارب اللقاح، بعد تلقِّي البيانات من الشركة المصنِّعة، قالت إدارة الغذاء والدواء إنها "مستعدة لإتمام مراجعتها في أسرع وقت ممكن، في غضون أسابيع على الأرجح، وليس شهورًا".

وفقًا لكيت لونجلي، كبير مديري العلاقات الإعلامية العلمية في شركة فايزر، تتوقع الشركة أن تتلقى بياناتٍ كافيةً بحلول أواخر سبتمبر لتقييم مأمونية اللقاح وفاعليته من التجارب السريرية التي أجريت على الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام و11 عامًا، وأضافت لونجلي قائلةً: "يمكننا أن نقدم طلبًا للحصول على تصريح الاستخدام الطارئ من السلطات الأمريكية بعد وقتٍ قصير من الحصول على البيانات المنتظرة التي توضح مأمونية اللقاح وتأثيره المناعي، وذلك بالاتفاق مع الجهات التنظيمية".

ومع ذلك، فبالنسبة للقطاع الأكبر من أطباء الأطفال في البلاد، لا يُعد هذا وقتًا قريبًا بما يكفي؛ فبعد أسبوع ونصف من طلب إدارة الغذاء والدواء الأمريكية من شركتي فايزر وموديرنا توسيع حجم تجاربهما على الأطفال في أواخر شهر يوليو، أرسلت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (AAP) خطابًا تناشد فيه إدارة الغذاء والدواء الأمريكية النظر في منح إذن بالاستخدام المبكر بناءً على البيانات التي جُمِعَت حتى الآن، وهذا نظرًا إلى الارتفاع الشديد في عدد حالات احتجاز الأطفال في المستشفيات خلال الموجة الحالية لانتشار متحور دلتا شديد العدوى، وهو أحد متحورات فيروس كورونا المستجد، وقالت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال في خطابها ما نصه: "من وجهة نظرنا، يغير ظهور المتحور دلتا تحليل المخاطر والفوائد المتعلق بترخيص استخدام اللقاحات في الأطفال"، تابعت الأكاديمية قائلةً إنه "يجدر بإدارة الغذاء والدواء أن تفكر بجدية في ترخيص إعطاء هذه اللقاحات للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام و11عامًا استنادًا إلى البيانات المستمدة من المجموعة الأولية المسجلة".

لكن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أقرت، في الوقت ذاته، بمخاطر تطعيم الأطفال قبل أن تُصدر إدارة الغذاء والدواء إذن الاستخدام الطارئ لهذه الفئة العمرية، ونهت الأطباء بشدة عن إعطاء لقاح فايزر (الذي حصل على الموافقة الكاملة على استخدامه فيمن بلغوا 16 عامًا وأكثر) للأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 عامًا دون الحصول على تصريح باستخدامه، وعلى الرغم من أن الأكاديمية ما زالت ترغب في أن تقيِّم إدارة الغذاء والدواء البيانات الخاصة بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام و11 عامًا التي جمعتها شركة فايزر حتى الآن في أسرع وقت ممكن، فإنها ترفض أن يتصرف أطباء الأطفال دون توجيه من إدارة الغذاء والدواء، خاصةً وأن تلك البيانات غير متاحة للجمهور.

يقول بول أوفيت، مدير مركز اللقاحات التعليمي وأستاذ أمراض الأطفال المعدية في مستشفى فيلادلفيا للأطفال: إن أكبر مشكلة تواجه تطعيم الأطفال دون سن 12 عامًا دون تصريح تكمن في نقص البيانات المتعلقة بالجرعة المناسبة، (كشفت شركة فايزر أخيرًا يوم الإثنين الماضي أن الجرعة المناسبة للأطفال من سن 5 أعوام إلى 11 عامًا ستكون 10 ميكروجرامات، أي ثلث ما يتلقاه البالغون، ولكن هذه الجرعة غير متاحة للجمهور بعد)، ويضيف أوفيت قائلًا: "إذا أعطينا جرعةً أكبر لطفل صغير، فهل نعرِّضه بذلك للخطر؟ إنه خطرٌ مجهول".

وبالمثل، نوَّه بيان إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بأن الجرعات المخصصة للأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 عامًا تختلف عن الجرعات المصرح بها بالفعل لمَن يبلغون 12 عامًا وأكثر، وهو ما يؤكد الحاجة إلى انتظار بيانات التجارب لضمان أن اللقاح "لا يسبب مشكلات غير متوقعة تتعلق بالمأمونية غير التي رُصدت بالفعل لدى المراهقين والبالغين".

تعلِّق طلعت قائلةً إنه لم يُلاحَظ، لحسن الحظ، أي مشكلات كبرى تتعلق بالمأمونية حتى الآن في أثناء التجارب، ولكنها تشير أيضًا إلى أن بعض الحالات النادرة التي لا يكون اللقاح فيها آمنًا قد لا تظهر حتى يتلقى اللقاح عددٌ أكبر من السكان، وهذا ما حدث في حالات نادرة أصيبت فيها نسبة قليلة جدًّا من المراهقين الذين تلقوا أيًّا من لقاحي فايزر أو موديرنا، القائمَين على تكنولوجيا الحمض النووي الريبوزي المرسال، بالتهاب عضلة القلب.

منذ ذلك الحين، أظهرت الأدلة أن احتمالية الإصابة بالتهاب عضلة القلب بعد الإصابة بفيروس كوفيد-19 تفوق بمقدار خمس مرات احتمالية الإصابة به بعد التطعيم، ولكن المخاوف بشأن هذا العَرَض السلبي لا تزال تجعل بعض الآباء يترددون، وهذا وفقًا لما ذكرته هينا طالب، وهي أستاذ طب الأطفال المساعد في كلية ألبرت أينشتاين للطب وأخصائية طب المراهقين في مستشفى الأطفال في مونتيفيوري بمدينة نيويورك، ومع ذلك، فقد تواصلت "طالب" مع المزيد من أولياء الأمور ممن أبدوا حاجةً ماسةً إلى اللقاح، خاصةً إذا كان أطفالهم يذهبون إلى مدارس لا تشترط ارتداء الكمامات الواقية، تقول "طالب": "من الصعب للغاية بالنسبة لي أن أنظر في عيني ولي أمر يجلس أمامي خائفًا على سلامة طفله، وأقول له إن [تصريح الاستخدام] سيصدر في القريب العاجل، إنه أمرٌ موجعٌ للغاية، يبدو الأمر متأخرًا بشدة، ولكن أفضل ما نفعله هو التركيز على هذه البيانات وعلى الجرعات المناسبة لتحقيق المأمونية والثقة، وحتى تعمل المنظومة كما ينبغي".

توضح "طالب" أن أولياء الأمور ليسوا مخطئين في قلقهم بشأن تعرُّض أطفالهم للخطر، لذا لا بد أن يركزوا على ما يمكنهم فعله لتقليل المخاطر، مضيفةً: "إذا لم نتمكن من تطعيم الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام و11 عامًا، فلا بد من تطعيم كل شخص بالغ في مبنى المدرسة، وإذا لم يحدث ذلك، فربما يكون هذا إهمالًا من جانبنا في حماية الأطفال، نتحمل مسؤوليته جميعًا نحن البالغين".

تقول لونجلي من شركة فايزر: إن البيانات الخاصة بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عامين وخمسة أعوام "يمكن أن تتاح بعد وقت قصير" من إتاحة البيانات المتعلقة بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام و11 عامًا، أما بالنسبة لبيانات الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وعامين، فستكون متاحةً قبل نهاية العام، "ويحتمل أن يتبعها بفترة وجيزة طلب إلى إدارة الغذاء والدواء الأمريكية للحصول على تصريح الاستخدام الطارئ"، شريطة أن توافق الجهات التنظيمية على ذلك.

تختتم طلعت حديثها قائلةً: "إن هذه الإجراءات قد لا تكون سريعةً بما يكفي بالنسبة للكثير من أولياء الأمور، ولكن ينبغي علينا أن نتحرى الدقة المتناهية إلى أبعد الحدود، من الأهمية بمكان أن ننجز الأمر كما ينبغي لأجل صالح أطفالنا".