الخيانة: تُعد الخيانة أقصى انتهاك يمكن ارتكابه بحق علاقةٍ ما، كما أنها ذلك القاتل الكريه الذي يقضي عليها.. تحتل الخيانة موقع الصدارة ضمن موضوعات النميمة المفضلة، ولكن بالرغم من كثرة الحديث حول هذه الظاهرة، فهي لا تزال تتعذر على البحث العلمي.. فبما أن الخائن يسعى دومًا كي لا يُكتشف أمره، فمن البدهي ألا يرغب في الاعتراف بفعلته من أجل بحث علمي.

لكن العلماء يمكن أن يقدموا لنا طرقًا جديدة لفهم هذا الموضوع الذي غالبًا ما يأتي محاطًا بالوصم والغموض، وكما أوضح الباحثون مؤخرًا، فإن الخيانة نادرًا ما تكون قصة بسيطة؛ فهناك العديد من الأسباب التي تجعل الأشخاص يُقْدمون على الخيانة، كما أن أنماط السلوك المرتبطة بها أكثر تعقيدًا مما توحي به القوالب الجاهزة الشائعة، هاهي دراسة جديدة مشوقة تسلط بعض الضوء على تلك الدوافع.

شملت الدراسة 495 شخصًا (87.9٪ منهم ذكروا أنهم ذوو ميل جنسي مغاير)، تم اختيارهم في جامعة أمريكية كبيرة من بين مجموعة من المشاركين وكذلك من خلال أرشيفات الرسائل التي تتناول موضوعات العلاقات العاطفية على موقع «ريديت» Reddit، اعترف المشاركون بالخيانة في علاقاتهم، مجيبين عن التساؤل المتأصل في جذور هذا اللغز: لماذا فعلتَ/فعلتِ ذلك؟ وقد كشف التحليل عن ثمانية أسباب رئيسية: الغضب، والاعتداد بالنفس، وغياب الحب، وضعف الإحساس بالالتزام، والحاجة إلى التغيير، وإهمال الطرف الآخر، والرغبة الجنسية، وبعض الظروف والمواقف، لم تكن هذه الدوافع ضمن أسباب ارتكاب الخيانة فحسب، بل أثرت كذلك على طول المدة التي ارتكب فيها الأشخاص الخيانة، واستمتاعهم الجنسي، واستثمارهم العاطفي في العلاقة، كما أثرت على ما إذا كانت علاقاتهم الأساسية قد انتهت نتيجةً لذلك.

على الرغم من أن معظم حالات الخيانة تتضمن الجنس، فإنها نادرًا ما تقع بدافع الجنس فقط، إذ وجدت الدراسة أن معظم المشاركين/المشاركات شعروا بشكل من أشكال الارتباط العاطفي بشركائهم في العلاقة الغرامية، لكن عامل الجنس كان أكثر شيوعًا لدى أولئك الذين عبّروا عن معاناتهم من الإهمال أو غياب الحب في علاقاتهم الأساسية، وبينما اعترف نحو ثلثي المشاركين (62.8٪) بالتعبير عن عواطفهم لشريكهم الجديد، فقد ذكرت النسبة نفسها من المشاركين (61.2٪) أنهم أقاموا حوارًا جنسيًّا صريحًا مع شركائهم، كما أجرى ما يقرب من أربعة من بين كل 10 أشخاص من المشاركين (37.6٪) محادثات حميمة، بينما قال واحد من بين كل 10 مشاركين (11.1٪) للطرف الآخر جملة: "أحبك"، وقد شعر أولئك الذين أفادوا بفتور علاقاتهم مع شريكهم الأساسي بألفة عاطفية أكبر في علاقاتهم الجديدة، ربما بوصفها وسيلةً لتعويض ذلك النقص، وبالمثل، عندما وقعت الخيانة نتيجةً لغياب الحب، فقد وجد الأشخاص أن التجربة جاءت مُرضيةً من الناحية الفكرية والعاطفية.

تباينت درجات رضى المشاركين عن الجنس في العلاقة تبعًا للأسباب التي دفعتهم لإقامة العلاقة الغرامية، إذ عبّر المشاركون عن شعورهم بمزيد من الرضى عن العلاقة الجنسية حين كانت الرغبة أو غياب الحب أو الحاجة إلى التغيير هي أسباب إقدامهم على الخيانة، أما المشاركون الذين ذكروا أن موقفًا ما كان السبب الرئيسي للخيانة فقد كانوا أقل رضًى عن العلاقة الجنسية بكثير، وقد اقتصر معظم النشاط الجنسي على التقبيل (86.7٪) والعناق (72.9٪)، في الواقع، وجدت الدراسة أن نصف الأشخاص فقط اعترفوا بممارستهم الجماع.

كما وجدت الدراسة أن سبب الخيانة يؤثر تأثيرًا كبيرًا على مدة استمرارها؛ ففي بعض الحالات، كانت العلاقة عبارةً عن حكاية عابرة، بينما جاءت بعض العلاقات الأخرى أطول وأعمق، فقد استمرت علاقات المشاركين الذين أقدموا على الخيانة بسبب الغضب (مثل الرغبة في "الانتقام")، أو غياب الحب أو الحاجة إلى التغيير لفترات أطول، بينما انتهت العلاقات التي تسببت فيها مواقف بعينها (مثل مَن كانوا "في حالة سكر" أو "مثقلين بالمشاعر" أو "لا يفكرون بوضوح") في وقت أسرع، كما جاءت العلاقات التي أقامتها النساء أطول في المتوسط ​​من علاقات الرجال.

في النهاية، اعترف ثلث المشاركين فقط بالخيانة لشريكهم الأساسي، كما جاءت النساء أكثر من الرجال ميلًا إلى الاعتراف بما فعلنه، وقد وجدت الدراسة أن هؤلاء الذين اعترفوا بالخيانة قد ارتكبوها على الأرجح بسبب الغضب أو الإهمال وليس بدافع من الرغبة الجنسية أو الرغبة في التغيير، وهو ما يشير إلى أن اعترافاتهم ربما جاءت كشكل من أشكال العقاب وتحقيق الانتقام، وليس كوسيلة لتبرئة ضمائرهم، كما وُجد أن المشاركين الذين اعترفوا بخيانتهم كانوا أكثر ميلًا إلى إقامة علاقات جادة مع شريك العلاقة الغرامية.

في حين أن الخيانة الزوجية هي -عادةً- عملية تحدث في الخفاء، إلا أن بعض مرتكبي الخيانة كانوا أقل حرصًا من الآخرين، وربما جاء ذلك عن عمد؛ فقد أبرزت الدراسة أن أولئك الذين جنحوا للخيانة بسبب غياب الحب كانوا يصطحبون شركاءهم في المواعيد الغرامية في الأماكن العامة، كما أنهم كانوا يجنحون نحو إبداء المزيد من العاطفة في العلن تجاه شريكهم، كما كان التعبير العلني عن المشاعر شائعًا بين مَن يبحثون عن التغيير أو يتطلعون إلى تعزيز اعتدادهم بأنفسهم، من ناحية أخرى، كان مرتكبو الخيانة لأسباب ظرفية أقل ميلًا إلى الإعلان عنها على الملأ، ربما لأنهم كانوا يأملون العودة إلى علاقتهم الأساسية دون أن يفتضح أمرهم.

إذًا هل تفضي الخيانة حقًّا إلى قتل أي علاقة والقضاء عليها؟ وجدت الدراسة أن مصير العلاقة الأساسية تأثر بالدافع وراء الخيانة بدرجة أكبر من درجة تأثره بفعل الخيانة ذاته، كما جاء احتمال أن تعصف الخيانة بالعلاقة أكبر حين وقعت نتيجة الغضب أو غياب الحب أو ضعف الإحساس بالالتزام أو الإهمال، بينما جاء الاحتمال ضعيفًا حين وقعت الخيانة بسبب ظرف معين، ومن المثير للدهشة أن واحدة فقط من بين كل خمس علاقات (20.4٪) انتهت بسبب الخيانة، بينما استمر العدد نفسه من العلاقات التي بُنيت على الخيانة (21.8٪) على الرغم من اكتشاف الشريك الأساسي، كذلك بقي عدد أكبر بقليل من العلاقات (28.3٪) قائمًا دون أن يكتشف الشريك الأساسي الخيانة، أما العلاقات المتبقية في الدراسة فقد انهارت لأسباب غير متعلقة بفعل الخيانة.

قلما نجد علاقة حقيقية مبنية على خيانة أحد الطرفين لشريكه الأساسي، إذ وجدت الدراسة أن علاقة واحدة فقط من بين كل 10 من هذه العلاقات (11.1٪) تحولت في النهاية إلى التزام كامل- هذه إحدى الأفكار الجاهزة الشائعة التي بينت لنا الدراسة صحتها.