جميعنا يتمنى أن يصبح بمقدوره الاكتفاء بقسط أقل من النوم، ولكن هناك أبًا وابنًا يستطيعان ذلك فعليًّا، دون أن يتعرضا لأي تبعات صحية، وفي الوقت ذاته، يضاهي أداؤهما في اختبارات الذاكرة أداءَ معظم الناس، أو ربما أفضل منهم بالفعل.

ومن أجل فهم هذه القدرة النادرة، اكتشف باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو لأول مرة طفرةً جينيةً لدى هذين الشخصين، يمكن أن أن يُنسب الفضل إليها، على حد اعتقادهم. ثم كرَّر العلماء عن قصدٍ الخطأ الصغير نفسه في الشفرة الوراثية لدى الفئران. احتاجت الفئران كذلك إلى قسط أقل من النوم، وكانت ذاكرتها أفضل، ولم تعانِ أيَّ آثار سيئة أخرى، وفقًا لدراسة نُشرت في أكتوبر 2019 في دورية "ساينس ترانسليشنال ميديسن"Science Translational Medicine .

وعلى الرغم من أن الدواء الذي يُقدم الفوائد ذاتها لن يكون متاحًا قريبًا، وربما لن يخرج إلى النور أبدًا، فإن الفكرة جذابة للغاية: تناول حبة تحاكي ما يفعله جسم الأب أو الابن لتنام فترات أقصر، دون أي تداعيات سلبية.

يقول باتريك فولر، الأستاذ المساعد في قسم علم الأعصاب بكلية طب هارفارد ومركز بيث إزرائيل ديكونس الطبي في بوسطن، والذي لم يشارك في الدراسة: "تروق لي فكرة منتج جيني من شأنه أن يمنح الحماية من الاضطرابات المرضية المتزامنة الناجمة عن النوم المحدود"، ويتابع قائلًا: "إذا تحقق هذا، فسيكون له بالتأكيد 'آثار علاجية محتملة'، فضلًا عن توفير مدخل آخر لبحث السؤال، 'لماذا ننام؟'، الذي لا يزال [لغزًا] من أكبر الألغاز في علم الأعصاب، والتوصل إلى الإجابة عنه".

Credit: John Webb

ولكن كما يشير جيمي سايتسر، الأستاذ المساعد في قسم الطب النفسي والعلوم السلوكية في جامعة ستانفورد، "غالبًا  ما تكون هناك مقايضات". يقول سايتسر إنه يشعر بالقلق من أنه حتى لو أمكن إنتاج ذلك الدواء دون أن تكون له أي آثار جانبية كبيرة، فستظل له عواقب اجتماعية. قد يُجبَر بعض الأفراد أو يتعرضون لضغوط من أجل تناوُل الدواء، حتى يتمكنوا من العمل ساعات إضافية. ويصر سايتسر على أنه حتى إذا لم يكن الناس في حاجة إلى القدر نفسه من النوم، فسيظلون بحاجة إلى الراحة.

تقول ينج هوي فو، أستاذة علم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا والباحثة الرئيسية في هذه الدراسة: إن مثل هذه التخيلات سابقة لأوانها. وعوضًا عن ذلك، فإنها مهتمة بالتوصل إلى فهم أفضل لآليات النوم الصحي؛ للإسهام في الوقاية من أمراضٍ تتراوح بين السرطان ومرض ألزهايمر.

علَّقت ينج هوي فو على حالة الأب والابن بقولها: "إن هذين الشخصين ينامان بكفاءة أكبر". وأضافت: "بصرف النظر عن الوظيفة التي يؤديها النوم من أجلنا، فإننا نحتاج إلى ثماني [ساعات للشعور بالراحة]، لكنهما يحتاجان إلى ست ساعات أو أربع. إذا استطعنا معرفة سبب كونهما أكثر كفاءة، فيمكننا استخدام هذه المعرفة لمساعدة الجميع على أن يصبحوا أكثر كفاءة".

وتواصل هذان الشخصان الخاضعان للدراسة، واللذان يعيشان على الساحل الشرقي للولايات المتحدة مع فريق فو البحثي بعد أن سمعا عن دراسة سابقة منشورة عن عمل الفريق. ولم تفصح فو عن أي معلومات إضافية عنهما؛ بهدف حماية خصوصيتهما، إلا أنهما يشعران بالراحة التامة بعد فترة نوم تتراوح بين أربع ساعات وست، عوضًا عن فترة النوم المعتادة التي تتراوح بين سبع ساعت وتسع. كما تقول فو إن هذا الثنائي وغيرهم ممن لديهم طفرات مماثلة أكثر تفاؤلًا وأكثر نشاطًا وأفضل أداءً في حال تعدد المهمات، مقارنة بالأشخاص العاديين. وتوضح قائلةً: "إنهم يفضلون أن يبقوا في حالة انشغال دائم، ولا يهدرون أوقاتهم بلا عمل".

وتشير فو إلى أن معظم الناس إذا ناموا فترات نوم أقل مما تحتاج أجسادهم، فإن قلة النوم سيكون لها تأثير على الذاكرة والأداء بالإضافة إلى مقاييس الصحة. ويعتقد كثيرون أن بمقدورهم الاكتفاء بالنوم لمدة خمس ساعات في ليالي الأسبوع، مع تعويض الساعات المفقودة في عطلات نهاية الأسبوع، ولكن لا يقوى على ذلك فعليًّا إلا القليلون. تقول فو: "تصوُّرك يعتريه خلل، لذا أنت لا تعرف حقًّا أن أداءك لا يكون جيدًا بالقدر نفسه. لهذا السبب يعتقد الناس أن أخذهم [قسطًا كافيًا من النوم] لا يهم. لكن الحقيقة أنه مهم. إذا أجريت اختبارًا لهم، فسيتضح لك ذلك جليًّا".

تضيف فو مازحةً بشأن تجربتها الأكاديمية الشخصية: "كل تلك الليالي التي سهرت فيها مستيقظةً للدراسة، كان من الأفضل أن أنامها"، لا ينطبق هذا على حالة الأب والابن اللذين لا يحتاجان سوى إلى 5,5 و4,3 ساعة من النوم كل ليلة، على الترتيب، كما أظهرت الدراسة الجديدة.

وقد أثنى سايتسر -من جامعة ستانفورد- على تصميم الدراسة، قائلًا: "البدء بالبشر واستكمال الدراسة مع القوارض ثم العودة إلى البشر مجددًا أمر رائع". وأضاف قائلًا: إن الفئران ليست نموذجًا مثاليًّا؛ لأنها تنظم نومها بطريقة مختلفة عن البشر. ويعتقد كثيرون أنها تنام لفترات قصيرة، لكن عند وضعها في المختبر، يتضح أنها تنام المدة المعتادة التي تتراوح بين سبع ساعات وتسع.

يُصنَّف الأشخاص على أنهم ممن ينام فترات قصيرة بصورة طبيعية إذا كانوا يستريحون فترة قصيرة نسبيًّا حتى عندما تتاح لهم الفرصة للنوم في عطلات نهاية الأسبوع أو العطلات الأخرى. يقول سايتسر: "إذا كنت تنام مدةً إضافية عندما تتاح لك الفرصة، فإن ذلك يُعد علامةً صحيحةً على أنك بحاجة إلى مزيد من النوم".

يقول جيروم سيجل -أستاذ الطب النفسي في مركز أبحاث النوم بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس- إنه يشعر بالارتياح إزاء الاكتشاف الرئيسي الذي توصلت إليه مجموعة فو، والمتمثل في أن جين المستقبل 1 للببتيد العصبي S (NPSR1) يؤدي دورًا مهمًّا في تنظيم النوم، لكنه على الأرجح لا يمثل إلا جزءًا صغيرًا ضمن عملية معقدة للغاية. وسيجل غير مقتنع بالارتباط بين النوم والذاكرة الذي تدعيه المجموعة. قد يكون للنوم وظائف كثيرة، لكن سيجل يقول إنه لا يوجد ما يدل على أن الحاجة إلى قسط أقل من النوم يُعزز الذاكرة أو الإدراك بطريقةٍ أو بأخرى. ويوضح قائلًا: "نحن نعزز ذاكرتنا في حال نومنا وحال يقظتنا، بل وحتى عندما نكون خاضعين للتخدير. هذا الأمر غير قاصر على حالة النوم".

آلية عمل الطفرة المكتشفة حديثًا ليست واضحة تمامًا. لقد استخدمت فو وفريقها مسبارًا جزيئيًّا لاستكشاف كيف أن البروتين الذي يصنعه جين NPSR1 الطافر لدى الأب والابن يختلف عن ذلك الذي يصنعه الجين العادي. وقد توصل الباحثون إلى أن الطفرة تجعل المستقبل أكثر حساسيةً ونشاطًا. وتقول فو إن التفاصيل الدقيقة لهذه العملية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة.

اكتشفت فو ومعاونوها في وقت سابق جينين آخرين لهما علاقة بالنوم. وتقول إنهم يواصلون استكشاف الآليات الكامنة وراء هذين الجينين، موضحةً أن وتيرة عملهم ستكون أسرع إذا ما حصلوا على مزيد من الدعم المالي.

وتعتقد فو أنه بمجرد أن تكتشف هي وزملاؤها المزيد بشأن 10 أجزاء من اللغز الوراثي، "يمكن أن يكون كل جزء بمنزلة أساس لاستنتاجات أخرى. ونأمل في يوم من الأيام أن نرى الصورة الكاملة".