في يونيو الماضي، خيَّمت "قبة حرارية" ضخمة وخانقة على إقليم الشمال الغربي الهادئ، الشهير بجوه المعتدل، ما تسبَّب في تعرُّض أجزاء من ولايتي واشنطن وأوريجون الأمريكيتين وغربي كندا لدرجات حرارة حارقة غير مسبوقة، وقد سجلت درجة الحرارة في قرية ليتون بمقاطعة بريتيش كولومبيا رقمًا قياسيًّا غير مسبوق في كندا، حيث بلغت 121.3 درجة فهرنهايت (49.6 درجة مئوية)، وبعد انقضاء يومٍ واحد، تسبَّب حريق غابات هائل في تدمير أغلب القرية، وفي أثناء موجة حرٍّ غربية أخرى حدثت في أوائل شهر يوليو، سجل وادي الموت بولاية كاليفورنيا الأمريكية درجة حرارة حارقة بلغت 130 درجة فهرنهايت (54 درجة مئوية)، أي وهي أقل بقليلٍ من 134 درجة فهرنهايت (57 درجة مئوية)، وهو المستوى القياسي المسجل في عام 1913 (وهو محل خلافٍ الآن بدرجةٍ ما أو بأخرى)، وغطت موجة حر ثالثة الولايات المتحدة والغرب الكندي خلال الأيام الأخيرة.

ووفقًا لتحليلٍ أجراه مؤخرًا مشروعٌ تشاركيٌّ معنيٌّ بدراسة "أسباب أحداث الطقس العالمية"World Weather Attribution، كان سيستحيل تقريبًا نشوب موجات حر شبيهة بالموجة الحارقة التي ضربت الشمال الغربي الهادئ لولا التغير المناخي، وتقول كريستي إل إيبي، أستاذة الصحة البيئية والمهنية بجامعة واشنطن، والمُشارِكة في إعداد التقرير: إن تقديرات العلماء تذهب إلى أن حدثًا مثل هذا لا يتكرر سوى مرة كل ألف سنة، مُشيرةً إلى أن هذا هو "أقل تقديرٍ"، وتتابع قائلةً: "ربما يكون حدثٌ شبيهٌ بهذا أقل ندرةً، فمستويات درجات الحرارة كانت بعيدةً للغاية عن تلك المستويات التي تنبأ بها النموذج المناخي في هذه المنطقة"، وإذا تجاوزت درجات الحرارة مستويات ما قبل التصنيع بدرجتين مئويتين -وهذه هي العتبة التي اتفقت أكثر الحكومات الوطنية على محاولة تجنُّبها أملًا في الحد من آثار التغير المناخي- "سيتكرر هذا الحدث كل فترة تتراوح بين 5 أعوام و10 أعوام"، على حد قول إيبي.

تمثِّل موجات الحر هذه خطرًا داهمًا على الصحة العامة، تقول كريستينا دال، واحدة من كبار علماء المناخ باتحاد العلماء القلقين: "في الولايات المتحدة، يحصد الحر سنويًّا -في المتوسط- عددًا من الأرواح على نحوٍ يفوق ما يفعله أي نوعٍ آخر من الظروف المناخية القاسية"، وقد لقي مئات الأشخاص حتفهم في موجة الحر الأخيرة في إقليم الشمال الغربي الهادئ وفقًا للتقديرات، فقد لقي ما لا يقل عن 486 شخصًا على الأقل مصرعهم في مقاطعة بريتيش كولومبيا، وحدثت 116 حالة وفاة في أوريجون، و78 حالة وفاة في واشنطن (على سبيل المقارنة، بلغ متوسط عدد القتلى من جَرَّاء الأعاصير في الولايات المتحدة على مدار الثلاثين عامًا الماضية 46 شخصًا سنويًّا)، ووجد تقريرٌ صدر مؤخرًا عن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن أقسام الطوارئ سجلت 3500 زيارة لعلاج أمراض ذات صلة بارتفاع درجة الحرارة في شهري مايو ويونيو الماضيين، في منطقة تضم ولايات ألاسكا وأيداهو وأوريجون وواشنطن، وتمت 80% من هذه الزيارات في الفترة ما بين 25 يونيو و30 يونيو، عندما عانت ولايتا أوريجون وواشنطن المرحلة الأسوأ من موجة الحر.

يؤدي جسم الإنسان وظائفه على أكمل وجهٍ في درجة حرارة 98.6 فهرنهايت (37 درجة مئوية)، وعندما ترتفع درجة حرارة الجسم بشدة ويصيبه الجفاف، يتخثر الدم، وحينذاك يُضطر القلب إلى ضخ الدم بجهدٍ أكبر، ويُمكن أن يتعرض القلب وباقي الأعضاء لضررٍ جسيم، ويمتلك الجسم آليات يتخلص بها من الحرارة الزائدة، أبرزها التعرُّق، غير أنه عند مرحلة معينة، تفشل هذه الآليات في التخلُّص من الحرارة الزائدة، لا سيما عند زيادة نسبة الرطوبة وعدم تبخُّر العرق، يقول جون إريك سميث، أستاذ فسيولوجيا التمرينات الرياضية المُساعد بجامعة ولاية مسيسيبي: "بمجرد حدوث زيادة كبيرة في معدل الإجهاد الحراري أو درجات الحرارة، لن يُفيد التعرُّق نفسه في التخلص من الحرارة الإضافية بالمعدل الكافي"، ويمكن أن يؤدي هذا إلى الإنهاك الحراري (وهو حالة خطيرة، من أعراضها الغثيان وتشنج العضلات والدوار)، وربما يؤدي إلى ضربة الشمس الأشد فتكًا، والتي يمكن أن تسبب الهذيان، وجفاف الجلد وسخونته، وفقدان الوعي.

ويُمكن أن يعتاد الناس في نهاية المطاف على مستوى معين من الارتفاعات في درجات الحرارة؛ فإذا كنت تعيش في مناخٍ حارٍّ أو تعمل في ظروف ترتفع فيها درجات الحرارة لأسابيع أو أشهر، فإن جسمك سيصير أكثر كفاءةً في تعرُّقه وخفض درجة حرارته، على حد قول سميث، غير أن هذه العملية تستغرق وقتًا، وحين يضرب الحر الشديد مناطق لم يعتد أغلب سكانها على ارتفاع درجات الحرارة، كما هي الحال في إقليم الشمال الغربي الهادئ، يمكن أن يكون الحر فتاكًا للغاية، وتكون الفئات الأشد تعرضًا للخطر هي كبار السن والأطفال ومَن يعانون من أمراضٍ مزمنة مثل أمراض القلب أو أمراض الجهاز التنفسي أو أمراض الكلى، وفقًا لسميث، وإضافةً إلى ذلك، فإن الأدوية الشائعة (مثل حاصرات بيتا، على سبيل المثال) يمكن أن تُضعِف من قدرة الجسم على التعرق.

ويمكن أن يتعرَّض المزارعون وعمال البناء وغيرهم ممن يعملون في العراء لدرجات حرارة مميتة ساعاتٍ عديدةً يوميًّا، وقد لقي مزارعٌ حتفه في ولاية أوريجون في أثناء تأدية عمله في 26 يونيو تحت وطأة الحر الشديد، ويُعد الجفاف من المخاطر المحتملة، فهناك حالاتٌ سُجِّلت أصيب فيها مزارعون بمرضٍ شديدٍ في الكُلى بعد ساعات من التعرق تحت أشعة الشمس، ويُحتسب أجر الكثير من العاملين في العراء استنادًا إلى عدد ساعات العمل، وقد يشعرون بأنهم لا يقدرون على أخذ إجازة من العمل في الأيام الحارة، ولم تضع سوى ولايتين -وهما كاليفورنيا وواشنطن- معايير دائمة لحماية العاملين في العراء من الحرارة، كما تقول كريستينا دال من اتحاد العلماء القلقين (وقد تبنَّت ولاية أوريجون معايير طارئة)، وعلى المستوى الفيدرالي، قُدِّمت نسخٌ من مشروع قانون إلى مجلسي النواب والشيوخ، سيَصدُر بموجبها -حال تمريرها- توجيهاتٌ لإدارة الصحة والسلامة المهنية بوضع معايير وطنية لحماية العمال من الأمراض المرتبطة بالحر.

والرياضيون أيضًا أكثر تعرضًا للمخاطر، وذلك لأن أجسادهم تنتج حرارةً زائدةً بفِعل النشاط العضلي، ففي عام 2001، تُوفي كوري سترينجر، اللاعب بالدوري الوطني لكرة القدم الأمريكية، من جَرَّاء ضربة شمس أصابته في أثناء التدريب بولاية مينيسوتا، ويدرس المعهد الذي يحمل اسمه الآن طرق الوقاية من الأمراض والحد من حالات الوفاة المرتبطة بالحرارة بين الرياضيين وأفراد الجيش والعمالة اليدوية.

ثمة طرقٌ معروفة يمكن من خلالها تفادي أخطار الحر الشديد؛ فالبقاء في أبنية باردة مكيفة الهواء خيارٌ رائعٌ متاحٌ لبعض الناس، لكن هذا الخيار لا يتاح لبعضهم الآخر، إما لأنهم لا يقدرون على تكلفته أو لأنهم يعيشون في مناطق معروفة بجوها المعتدل صيفًا (مثل مدينة سياتل)، ولهذا السبب أنشأت بعض المدن مراكز للتبريد، غير أن هؤلاء الناس يحتاجون إلى الوصول إلى هذه الموارد كي يستفيدوا منها، وهذا ليس سهلًا على الدوام إذا كان يتعين عليهم استخدام وسائل النقل العام، التي يمكن أن تتأثر هي الأخرى سلبًا بسبب موجات الحر، وإذا كنت لا تستطيع دخول مكانٍ مكيف أو مركز تبريد، أو كنت مضطرًّا إلى العمل في العراء، حاول على الأقل المكوث في الظل، فأشعة الشمس المباشرة تسخن الجلد وترفع درجة حرارتك، لذا احرص على ارتداء ملابس فضفاضة بأكمامٍ طويلة تغطي ذراعيك، وإذا كنت تبذل مجهودًا شاقًّا، فاسترِح كثيرًا واشرب كمياتٍ كبيرةً من الماء.

وترى إيبي من جامعة واشنطن أنه يتعين على المجتمعات أن تضع خططًا إجرائيةً للتعامل مع موجات الحر، وتضيف إيبي قائلةً: إن هذه الخطط ينبغي أن تتضمن نظامًا للإنذار المبكر والاستجابة المبكرة، وبالإضافة إلى التنبؤ بحدوث موجات الحر الشديد، ينبغي أن تُعنى هذه النظم بتفاصيل الطرق المناسبة للتعامل معها -بما يشمل مساعدة الأشخاص الأكثر تعرُّضًا للخطر، والذين عادةً ما يتأثرون بالحر أكثر من غيرهم، ويُمكن للهيئات الفيدرالية وتلك التابعة للولايات أن تساعد المجتمعات، لكن أنظمة الاستجابة للحر ينبغي أن تتأسس على المستوى المحلي، حسبما تشير إيبي.

مع زيادة احترار الكوكب، تصير موجات الحر المشابهة للموجة التي حدثت هذا العام في الولايات المتحدة وغربي كندا أكثر شيوعًا إلى درجة مخيفة، وتأخذ علماء المناخ على حين غرة، تقول كريستينا دال: "كثيرٌ من نماذجنا المناخية التي تتنبأ بمعدل حدوث موجات الحر الشديد في المستقبل، ما كانت بالضرورة لتتنبأ بهذا الحر الشديد في هذه المنطقة من البلاد، لكنني حين أدرك أنني أُجرب هذا الأمر في حياتي، وأعايشه في هذه اللحظة، يتملكني الخوف بحقٍّ".