بدءًا من المشاحنات العائلية وحتى النزاعات بين الشركات، غالبًا ما يلجأ الناس إلى تحكيم الوسطاء حين يجدون أنفسهم عالقين في خلافات يصعب حلها. تشير الأدلة الاسترشادية المتعلقة بموضوع الوساطة الفعالة إلى أن الوسيط ينبغي عليه أن يستمع باهتمام لكل الأطراف، وأن يعبر عن تعاطفه مع وجهات نظرهم بغض النظر عن مدى اختلاف بعضها مع بعض. ويُنصح الوسطاء بتجنُّب إبداء تفضيلهم لأفكار طرف من الأطراف دون غيره، وأن يُشعِروا كل الأطراف بالارتياح والثقة بأنهم يتم الاستماع إليهم وفهم وجهات نظرهم. إن بناء هذه النوع من التوافق هو "أفضل ممارسة" يتم تبنِّيها بشكل شائع لاكتساب الثقة وحل الخلافات. في واقع الأمر، تؤكد الدراسات الاستقصائية بشأن الوسطاء المحترفين أنهم كثيرًا ما يتبنون هذه الأساليب الموصى بها.

إلا أن الأمر المثير للدهشة هو أن دراسة جديدة أجريتُها أنا وزملائي تشير إلى أن الوسطاء ينبغي عليهم – في جهودهم الرامية لمساعدة الناس على حل نزاعاتهم– تبنِّي موقفٍ عدائيٍّ وليس موقفًا داعيًا إلى التهدئة. لقد توصلنا إلى أن الوسيط العدواني يحقق نتائج أفضل من الوسيط لطيف المعشر.

ما النفع الذي قد ينتج عن إضفاء المزيد من السلبية إلى موقف تملؤه المشاعر العدائية بالفعل؟ انظر إلى طريقة رد فعل الآباء في العادة عندما يجدون أنفسهم غير قادرين على إثناء أطفالهم عن الشجار: "لا يهمني مَن بدأ الشجار. ليذهب كل واحد منكما إلى غرفته!"، للوهلة الأولى قد يبدو اتباع طريقة أكثر هدوءًا وتلطيفًا للأجواء أكثر فاعلية. ولكن، وكما يعلم كل مَن له إخوة، يمكن لتعامل الأبوين مع الموقف بطريقة تبدو غير متعاطفة أن يكون له تأثير غير معتاد؛ فالإخوة الذين كانوا قبل لحظات يشكل بعضهم تهديدًا على حياة بعض يصبحون فجأةً أكثر عقلانية في مواجهة آبائهم المستبدين، بل وينتهي بهم الأمر إلى اللعب بهدوء بعد إرسالهم إلى غرفهم. وبالنسبة للنزاعات التي تستعصي على الحل، فوفق نتائج البحث الذي أجريناه يمكن لوصفة مشابهة تتمثل في إضافة طرف ثالث عدواني إلى التفاعل الحادث بين طرفين متشاحنين أن يحسِّن من مستوى استعداد الناس للتوصل إلى اتفاق.

في التجارب التي أجريناها، صممنا عددًا من المواقف التي تسمح لأزواج من المفاوضين بالتعامل مع خلاف محتدم. وللحصول على مساعدة في حل الخلافات، كان بوسع كل اثنين من المفاوضين الالتقاء بأحد الوسطاء. في بعض الحالات، كان الوسيط يتبع نهجًا "لطيفًا" يتسم بالهدوء والتأدب. وفي حالات أخرى، كان الوسيط عدائيًّا وهجوميًّا، بل وفظًّا بعض الشيء. وعبر الأنواع المختلفة من النزاعات، وجدنا أن المفاوضين كانوا أكثر استعدادًا ومقدرةً على التوصل إلى اتفاق مع نظرائهم في وجود وسيط عدائي أكثر مما كان عليه الحال في وجود وسيط لطيف أو حيادي.

على سبيل المثال، في إحدى الدراسات، أعطينا 246 شخصًا دورًا واحدًا من ثلاثة أدوار: الوسيط أو واحد من زوج المفاوضين. وقمنا بتكوين 79 مجموعة، كل مجموعة منها من ثلاثة أشخاص، وطلبنا من الوسطاء في هذه المجموعات إما أن يتصرفوا بلطف أو بعدوانية تجاه كلا المفاوضيْن. تلقَّى المفاوضون معلومات حول أدوارهم، ثم كتبوا عن الإستراتيجيات التي سيتبنَّونها في تعاملاتهم المستقبلية. في البداية ناقشوا وجهات نظرهم وآرائهم في اجتماع قاده وسطاء ضمن غرفة دردشة افتراضية، وخلال الاجتماع كان لديهم الفرصة لإرسال رسائل خاصة إلى نظرائهم. وبعدها حصل المفاوضون على فرصة ثانية للتواصل مع نظرائهم افتراضيًّا لمناقشة القضايا العالقة من دون الوسيط. وأخيرًا، أجاب المفاوضون عن بضعة أسئلة حول نظرائهم وحول الوسطاء.

قبل بدء المفاوضات أرسل الوسطاء رسائل إلى كل زوج من المفاوضين بناءً على نص كتبناه لهم. الوسطاء العدائيون أرسلوا رسائل أكثر عدوانيةً ووضاعة (على سبيل المثال، "الآن بما أن كليكما أضاع وقتي بما فيه الكفاية، أشعر بالارتياح لأنني لست مضطرًّا إلى سماع المزيد عن مشكلاتكما مجددًا")، وذلك بالمقارنة بما أرسله الوسطاء اللطفاء؛ فهؤلاء أرسلوا رسائل أكثر تفهمًا وأكثر تشجيعًا (مثلًا: "شكرًا على مشاركة أفكاركم معي. آمل أن يكون ذلك مفيدًا بالنسبة لكليكما").

وجدنا أن 85% من المفاوضين الذين تعاملوا مع وسطاء عدوانيين توصلوا إلى اتفاق مع نظرائهم، مقارنةً بـ59% فقط من أولئك الذين كان لديهم وسطاء تميزوا باللطف.

إن الدلالة الرئيسية لذلك البحث لا تتمثل في أن العدوانية وعدم التحضر أمران مفيدان. في الواقع، وثَّقت بحوث حديثة في علم النفس وعلم الإدارة التكلفةَ الاجتماعية للسلوك السلبي. على سبيل المثال، يُظهر الأشخاص الذين يتعرضون للسلوكيات الوقحة أو الإقصاء الاجتماعي أداءً أقل في مهمات متنوعة، وتقل احتمالات مساعدتهم للآخرين. وفي المؤسسات، يُنظر بصورة سلبية جدًّا إلى الأشخاص الذين يثيرون في العادة مشاعرَ سلبيةً في نفوس الآخرين، لدرجة أن الآخرين يسعون غالبًا إلى الحصول على مساعدة من شخص أكثر ودًّا حتى وإن كان هذا الشخص أقلَّ كفاءة. وبالمثل، عندما يُظهر المفاوضون بعض الغضب، فإن نظراءهم ينظرون إليهم على أنهم أقل تفضيلًا، ويُبدون استعدادًا أقل للتفاعل معهم في المستقبل، وتنتابهم مشاعر سيئة. وتوضح دراسات أخرى الفوائد الاجتماعية للسلوكيات الإيجابية التي نُظهرها عند تفاعلنا مع الآخرين. على سبيل المثال، المفاوضون الذين يُظهرون مشاعرَ إيجابية لديهم احتمال أكبر لإبرام الاتفاقات والدخول في أعمال اقتصادية مستقبلية مع نظرائهم.

وبالرغم من الفوائد الاجتماعية واسعة الانتشار للسلوكيات الإيجابية، ومن الخسائر التي تنشأ عن السلوكيات السلبية، يمكن للعدوانية أن تؤتي ثمارها في سياقات معينة عند استخدامها لخلق عدو مشترك للأشخاص الذين لا يتوافقون فيما بينهم. يمكن لإيجاد عدو مشترك أن يساعد على خلق التآلف فيما بيننا.