إناثُ الطيور تُغرد، هذه إحدى النتائج التي كشفت عنها الدراسة التي أجريناها عام 2020 على طائر السنونو، أكثر أنواع الطيور وفرةً وانتشارًا وأكثرها خضوعًا للدراسة الجيدة على مستوى العالم، تجاوز عدد المنشورات العلمية حول هذا الطائر الألف منشور، وبرغم ذلك لم يكن تغريد أنثى السنونو محور اهتمام أيٍّ من المقالات البحثية في السابق قط، فلماذا إذًا يُعد تجاهلُ تغريد أنثى هذا الطائر الذي يتكاثر في معظم أنحاء نصف الكرة الشمالي أمرًا مثيرًا للاهتمام؟ إن هذا التجاهل يكشف لنا عن وجود تحيُّز منذ وقتٍ طويل، كما يُساعدنا على التفكير في سبب استمرار هذا التحيُّز إلى الآن.

منذ أن بدأ العلماء في إجراء الأبحاث الحديثة حول تغريد الطيور، انصب التركيز في هذا المجال على تغريد الذكور منها، فيستطيع أن يخبرك أيٌّ من علماء الطيور أو مراقبي الطيور الجادين الذين يعملون في المناطق المدارية بأن الإناث تُغرد، وبأنها تُغرد بالقدر نفسه الذي يُغرد به الذكورُ في بعض الأحيان، ومع ذلك، فإن الباحثين الأوائل الذين درسوا تغريد الطيور كانوا رجالًا في أغلب الأحيان، وكانوا يميلون إلى دراسة أنواعٍ تعيش بالقرب من جامعاتهم في نصف الكرة الشمالي، وتقل كثيرًا احتمالات أن يقود الباحثون مشروعاتٍ بحثيةً حول تغريد إناث الطيور مقارنةً بالباحثات، كما أنه فيما يتعلق بالطيور التي تعيش في المناطق المعتدلة، تُظهِر الإناث سلوكياتٍ مختلفةً في التغريد مقارنةً بتلك التي تعيش في المناطق الاستوائية، ولذا فإننا نعاني نقصًا في المعلومات المتعلقة بسلوكياتٍ مهمة، ويرجع ذلك إلى التحيُّزات التاريخية والجغرافية الناشئة عن قلة تنوُّع المشاركين في العلم.

إذًا كيف نجعل أبواب العلم مفتوحةً للجميع ومتاحةً لهم؟ إننا نحتاج إلى تحسين التواصل مع غير العلماء، وتشجيع الأطفال على اعتبار أنفسهم علماء المستقبل، إن إشراك عموم الناس في العلم ليس ضروريًّا فقط لقضايا مثل التغير المناخي وأمان اللقاحات التي لها تأثيرٌ واضح على الصحة العامة، بل سيكون ضروريًّا أيضًا للنتائج العلمية الأساسية التي تُؤثر على الكيفية التي نُدرك بها العالم من حولنا، فعلى سبيل المثال، إذا استطعنا إفهام الجميع أن إناث الطيور تغرد، وأن الأصوات التي تُصدرها تطوَّرت لتخدم وظائف مهمة في عملية التواصل، تمامًا مثل الأصوات التي يُصدرها الذكور، فإننا بذلك سنُغير روايةً ظلت راسخةً في الأذهان عقودًا، هذه المسألة لا تهم العلماء فحسب، بل تهم أيضًا مليارات الأشخاص الذين يسمعون أصوات الطيور البرية كل يوم، فنحن نؤمن بأن إدراك الشخص لاحتمالية أن تَصدر هذه الأصوات عن ذكور الطيور وإناثها من شأنه أن يُغير من تجربته تغييرًا هادفًا ومؤثرًا، تبدو الذكور والإناث متشابهةً من بعيدٍ في كثيرٍ من الأنواع، ومنها طائر السنونو، ولكن يمكن التمييز بين الجنسين عن طريق الاستماع إليهما، (يمكنك أن تشاهد وتسمع تغريد ذكور السنونو وإناثها في هذا الفيديو)، التنبُّه جيدًا للأصوات التي يُصدرها كل نوعٍ جنسي والتفكير في الأسباب التي تدفعه إلى إصدارها يفتح لنا نافذةً أوسع على البيئة المحيطة بنا، فقد اتضح أن إناث الطيور تُصدر تغريداتٍ للأسباب ذاتها التي تُغرد من أجلها الذكور مثل التعريف بهويتها، والدفاع عن موائلها المهمة، وجذب أزواج محتملة، ثمة فروقٌ أيضًا بين الجنسين في سلوك التغريد، فإناث السنونو تُغرد في الأساس قبل بدء عملية التزاوج، ومعرفة ذلك من شأنها أن تُساعد المراقبين على تحديد التوقيت الذي سيصنع فيه الطائر عشه.

إن إدراك عموم الناس لتغريد إناث الطيور كفيلٌ بأن يُغير العلم نفسه، تجمع المبادرات العلمية مثل «إي بيرد» eBird و«زينو- كانتو» Xeno-canto ملايين المشاهدات التي يرصدها الجمهور والتسجيلات الصوتية التي يسجلونها سنويًّا، سيُنشئ الأشخاص الذين يفهمون آخر ما توصل إليه العلم مجموعاتٍ أفضل من البيانات العالمية، وهذه البيانات بدورها ستعود بالنفع على العلم، فإن زيادة إشراك عموم الناس في الأنشطة البحثية وتعزيز انخراطهم فيها يُبشران بزيادة المكاسب التي يجنيها المجتمع العلمي والمجتمع بصفةٍ عامة، ففي سيناريوهاتٍ كثيرة، لطالما تشبَّث العلماء والخبراء بتحيزاتٍ تتعلق بالكيفية التي يسير بها العالم، وقد ترتب على هذه التحيزات استمراريةُ الاستنتاجات الخطأ، عادةً ما يقدم المراقبون الهواة من عموم الناس مشاهداتٍ أفضل للعالم المحيط بهم لأنهم ليس لديهم أحكام مسبقة، كثيرًا ما تتحدث إحدانا (لورين بيندكت) مع مجموعاتٍ من الناس، وتجد أن مراقبي الطيور (الخبراء) والأشخاص العاديين يُظهِرون استجاباتٍ شديدة التباين لحقيقة أن 64% من أنواع الطيور المُغردة لديها تغريدات أنثوية؛ فالخبراء يشعرون بالصدمة دائمًا من ارتفاع النسبة بهذا الشكل، في حين يتساءل غير الخبراء: "لماذا ليست النسبة 100%؟".

إن الدروس المرتبطة بالعلم الحالي الموثوق ملائمةٌ تمامًا لإشراك الطلاب الذين لم يتشرَّبوا بعدُ أيًّا من الآراء المتحيزة القائمة، وبناءً عليه، أجرى أحدنا (مات ويلكينز) تعديلاتٍ على بحثنا حول إناث الطيور المُغردة، وأنتج منه درسًا مجانيًّا متعدد التخصصات للصفوف من الخامس إلى الثاني عشر، وجدنا أن الطلاب مهتمون بالمشاركة في الاكتشافات الجديدة وفي عملية العلم، ذات مرة أخبر مات أحد فصول الرياضيات في الصف الخامس بأنهم من أوائل الأشخاص في العالم الذين يكتشفون مجموعة بيانات من دراسة (قبل أن تُنشَر) حول علاقة نبرة صوت الطائر بحجمه، فكلما زاد حجمه ارتفعت نبرة صوته، عندها صفقوا تلقائيًّا بحرارةٍ تعبيرًا عن فرحتهم بهذا الأمر.

الطيور الإناث تغرد! حاجتنا إلى الإعلان عن هذه الحقيقة بقوةٍ والتشديد عليها يعنيان الكثير؛ لأنها تعكس أوجه التحيُّز على مر التاريخ، كما تعكس التعديلات المستمرة التي تطرأ على إجماع الآراء العلمية كلما توافرت حقائق جديدة وانضمت أصواتٌ جديدة إلى الحوار، إننا نُرحِّب بمستقبلٍ يتعاضد فيه البحث والتواصل والتعليم؛ بهدف الوصول إلى فهمٍ أفضل للعالم المحيط بنا وتعميق صلات بعضنا ببعضٍ وبالطبيعة.