في شهري نوفمبر وديسمبر من عام 2020، ومع زيادة حالات الإصابة بفيروس كورونا في جميع أنحاء البلاد، فرض قادة الولايات والمدن في جميع أنحاء الولايات المتحدة قيودًا صارمة لكبح جماح انتشار المرض استباقًا لموسم العطلات، حتى إن مراكز السيطرة على الأمراض أوصت بأن يبقى الناس في منازلهم، وعلى الرغم من تلك التحذيرات، سافر ما يزيد على ستة ملايين أمريكي عن طريق الجو في أسبوع عيد الشكر، وكذلك سافر 14 مليونًا آخرون بالطريقة ذاتها في أسبوعي عيد الميلاد ورأس السنة الجديدة، وفقًا للإحصائيات الواردة من إدارة أمن النقل الأمريكية، بل إن يوم الأحد التالي لرأس السنة الجديدة كان أكثر الأيام ازدحامًا فيما يخص السفر جوًّا على مستوى الولايات المتحدة منذ أن بدأت الجائحة.

وعلق أنتوني فاوتشي، كبير خبراء الأمراض المعدية في الولايات المتحدة، في منتدى عُقد في شهر يناير الماضي، بأن إصرار المواطنين الأمريكيين على الاحتفال بأعياد ومناسبات مثل عيد الشكر وعيد الميلاد ورأس السنة الجديدة على الرغم من التوجيهات والإرشادات الخاصة بالصحة العامة قد أسفر عن "أعداد قياسية" من الإصابات، "لقد انتقلنا من مستوى قاعدي من الإصابات مرتفع للغاية إلى مستوى أعلى... بل إنه منذ نهاية موسم الأعياد، يبدو أن كل الأرقام قد سجلت مستويات قياسية".

وفي هذا الربيع كذلك يواجه العديد من الأمريكيين خيارًا مشابهًا مع الاحتفال بقدوم عيد الفصح الغربي وعيد الفصح اليهودي وشهر رمضان، وعلى الرغم من أن العديد من الفئات الأكثر تعرضًا للخطر قد تلقى أفرادها اللقاح، فإن أغلبية الشعب الأمريكي لم تتلقَّ اللقاح حتى الآن، وتستمر حالات الإصابة بكوفيد في الارتفاع في العديد من الولايات، ومع أن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) لا تزال تنصح بتجنُّب التجمعات الكبيرة والسفر غير الضروري، تشير الأبحاث التي أجراها «مركز بيو للأبحاث» إلى أن ما يقرب من أربعة من كل عشرة مسيحيين أمريكيين قد خططوا لحضور قداس عيد الفصح هذا العام.

لذا يطرح السؤال التالي نفسه: لماذا يأبى كثيرٌ من الناس تغيير الخطط التي وضعوها لقضاء عطلاتهم، حتى عندما يمكن لتلك التغييرات في الطقوس التقليدية للاحتفال بالأعياد أن تُسهم في إنقاذ الأرواح؟ تُبيِّن البحوث التي أجريناها أن هذه النوعية من العطلات الكبرى تتميز بعديد من الطقوس، وأن تعطيل تلك الطقوس يؤدي إلى إثارة حالة من الغضب الأخلاقي، لهذا الأمر منطقيته من الناحية النفسية؛ فتلك الطقوس تفوق أي سلوك آخر في تعبيرها عن قيم عزيزة لدى الجماعات، لذا فعندما تتعرض للتعطيل أو الإيقاف، يبدو الأمر كما لو أن تلك القيم تتعرض للاعتداء، وهو تهديد يقابله الناس بإظهار التحدي، بل وبالتعبير عن مشاعر الغضب، من هنا جاءت الطفرة الكبيرة في أعداد المسافرين والراغبين في حضور التجمعات والمحافل؛ فالطقوس مهمة للغاية لدرجة أنه لا يمكن تعطيلها، حتى لو كان الدافع من وراء ذلك إنقاذ الأرواح.

تختلف الطقوس عن الأنماط الأخرى من السلوك في أنها تتطلب عنصرين أساسيين هما مجموعة محددة من السلوكيات الثابتة والمُكرَّرة التي يجب أن تحدث كلما كان هناك احتفال (مثل تناول الديك الرومي بصفة دائمة في عيد الشكر، والمشاركة في العشاء المقدس (Seder) في عيد الفصح اليهودي، وتزيين البيض مع العائلة في عيد الفصح الغربي)، والإحساس بالمعاني المرتبطة بهذه السلوكيات، في إحدى دراساتنا، طلبنا من عينة من المواطنين الأمريكيين أن يضعوا تقييمًا بالدرجات يُبيِّنون فيه إلى أي مدى يمكن لخمسة عشر نوعًا مختلفًا من العطلات (تتضمن عيد الشكر وعيد الميلاد ورأس السنة الجديدة) أن تحقق السمتين التاليتين من سمات الطقوس، ألا وهما: مدى ثبات تلك الطقوس، وأهمية المعاني التي ترمز إليها تلك العطلة.

وجدنا أنه كلما زاد اشتمال العطلة على كلتا السمتين، زاد غضب المشاركين إذا طرأ أي تغيير على طريقة احتفالهم بتلك العطلة، علاوةً على ذلك، فإن مدى اشتمال العطلات للسلوكيات الثابتة على طقوس يمكنه أن يتنبأ بدرجة الغضب، بدرجة تفوق المعاني التي ترمز إليها العطلة وتتجاوزها، مما يشير إلى أن تغيير الطقوس المادية (وليس رمزية المعنى فحسب) هو ما يثير الغضب.

من بين جميع العطلات التي تضمنتها دراستنا، صُنِّف عيد الشكر وعيد الميلاد ورأس السنة الجديدة على أنها المناسبات الأكثر ارتباطًا بممارسة الطقوس (في حالة رأس السنة الجديدة، يصف ذلك مدى تماثل الطقوس وثباتها)، يشير ذلك إلى أن التغييرات التي يمكن أن تطرأ على هذه الأعياد سوف تُقابَل بأكبر قدر من المقاومة وبحالة من الرفض العام لاتباع أي توجيهات تتضمن قيودًا.

لو تناولنا عيد الشكر على سبيل المثال، لوجدنا أن الأمر لا يتعلق فقط بتناول الديك الرومي والإضافات ذات الصلة، بل إن الموضوع برُمته يرمز في أذهان الناس إلى كل ما هو أمريكي، بمعنى القيم الأسرية ومشاعر الفخر بالوطن التي تمتد جذورها قديمًا إلى زمن رسوّ سفينة «ماي فلاور» التي أقلَّت أول فوج من المهاجرين الإنجليز إلى العالم الجديد، من ثمَّ، تبدو مسألة إدخال تغييرات إلزامية على تلك الطقوس بمنزلة تحدٍّ للقيم الأمريكية ذاتها التي صارت تلك العطلة رمزًا لها، أي أن التفكير في عدم التجمع في عيد الشكر، أو تغيير الطقوس التقليدية التي اعتدنا ممارستها، أمرٌ يرى عدة ملايين من الناس أنه ينطوي على قدر صادم من عدم الاحترام لهم.

في دراسة أخرى، طلبنا من المشاركين من أصحاب الديانة اليهودية أن يتخيلوا سلسلةً من التغييرات على الطبق التقليدي الذي يتناولونه في عشاء عيد الفصح اليهودي، كان بعض تلك التعديلات رئيسيًّا (بمعنى تغيير العديد من مكونات الطبق) في حين كان بعضها الآخر طفيفًا (أي تغيير بعض مكونات الطبق فحسب)، وجدنا أن اقتراح إدخال تعديلات رئيسية على مكونات الطبق قد أسفر عن حالة من الغضب تشبه الحالة نفسها الناجمة عن إدخال تغييرات طفيفة، وهو ما يشير إلى أنه لا مجال للتفاوض بشأن إجراء تغييرات ولو بسيطة في الطقوس.

الأمر ببساطة يتلخص في أن حاجتنا إلى الطقوس مسألة تتعلق بالأخلاقيات؛ فبينما يجد الناس سهولةً في تطبيق تحليلات التكلفة والفوائد على أمور من عينة تغيير الحد الأقصى للسرعة، فإن القيم الأخلاقية لا يمكن الاستعاضة عنها أو تبديلها ببعض الفوائد الأخرى المقترحة، على سبيل المثال، في إحدى الدراسات التي أجريناها، وجدنا أن أكثر من 90% من المشاركين من اليهود والمسلمين أفادوا بأن أتباع الديانتين لا يمكن أن يقبلوا أي مبلغ مالي مهما كان إذا كان يهدف إلى عدم تمكينهم من ممارسة طقوس ختان الذكور، وهو الأمر الذي يبين أن الأفراد لا يبالون أو يكترثون بالمكاسب والمنافع المادية عندما يتعلق الأمر بممارسة طقوس دينهم.

والمسألة لا تقتصر على الأعياد فحسب، فقد توصلنا إلى أن تغيير مجموعة كبيرة من الطقوس يمكن أن يؤدي إلى إثارة حالة من السخط، على سبيل المثال، في إحدى دراساتنا، وجدنا أن أفراد الشعب الأمريكي قد نوَّهوا بشعورهم بالغضب الشديد عندما وجدوا مواطنًا أمريكيًّا من بني جلدتهم يغير الطقوس الخاصة بأداء قسَم الولاء؛ إذ ظل جالسًا ولم يقف مثلهم، حتى وإن كانت لدى ذلك المواطن أسباب وجيهة لتغيير تلك الطقوس (من بينها، على سبيل المثال، أن تصبح الولايات المتحدة أكثر احتواءً للمواطنين الأمريكيين من ذوي الإعاقة)، تشير هذه النتائج إلى أن تغيير أحد الطقوس "اليومية" الشائعة، حتى في ظل وجود نوايا حسنة، أمرٌ من الممكن أن يثير غضب الآخرين.

لذلك، فإن إدخال تغيير على طقس ما ببساطة ليس أمرًا مطروحًا للنقاش، وكلما كانت المناسبة أكثر ارتباطًا بالطقوس -مثل عيد الفصح اليهودي أو عيد الفصح الغربي– كانت تلك المناسبة أكثر تعبيرًا عن المبادئ الأخلاقية الأكثر تقديرًا بين أفراد الجماعة، وكان من الأصعب تغيير الاحتفالات المرتبطة بالعيد دون إثارة حالة من الغضب الشديد.

وعلى الرغم من أن هناك أرواحًا معرضة للخطر -وبالتحديد أرواح أناس لا يمكن أن نتخيل الاحتفال بتلك الطقوس من دونهم- يمضي عديد من الأشخاص قُدمًا في ممارسة التقاليد الخاصة بالأعياد، تمامًا كما يفعلون في أي عام آخر، ونظرًا إلى أن طقوس الأعياد تحظى بتقدير عميق، لا يمكن للتسويغات المنطقية مهما بلغت شدتها أن تغير آراء الناس.

على المسؤولين والقادة الحكوميين أن ينظروا إلى الأشهر الماضية بوصفها درسًا في علم النفس والمشاعر الإنسانية، إن حث الناس على البقاء في المنازل وتغيير التقاليد الخاصة بهم لأن ذلك من شأنه أن "ينقذ الأرواح" لن يوقِف تلك التقاليد، من ثمَّ، فنحن بحاجة إلى أن نناشد المشاعر وألا نكتفي بطرح الحقائق، إن اعترافنا بالقيمة الأخلاقية التي يربطها الناس بتلك الطقوس هو مجرد بداية، ثم يمكن بعد ذلك أن نتطرق إلى وضع إطار جديد للاحتفال بالأعياد بطريقة تجعل الأمر يبدو كما لو أننا لم نُدخل أي تغييرات على المعاني المرتبطة بتلك الطقوس، وعبر بث الرسائل المُقنِعة الفعالة، نأمل أن نتمكن في الأشهر القليلة القادمة من العودة إلى ممارسة تقاليدنا العريقة، وأن نعبر عن شعورنا بالامتنان لأننا قادرون على مشاركة تلك التقاليد مع عائلاتنا وأحبائنا الذين ما زالوا على قيد الحياة.