من المفارقات التي لا تحظى بالتقدير الكافي أنه يصعُب الحديث عن الأنظمة المعقدة، يقول كونيهيكو كانيكو، عالِم الفيزياء بجامعة طوكيو: "لا يوجد تعريفٌ واضحٌ للأنظمة المعقدة، لكن يمكن القول على وجه العموم: إن هناك العديد من العناصر المتفاعلة التي تُظهِر في أغلب الأحيان سلوكًا فوضويًّا أو ديناميكيًّا".

وفي هذا العام، مُنِحَت للمرة الأولى جائزة نوبل في الفيزياء لأبحاث الأنظمة المعقدة بشكلٍ صريح، بما يشمل أبحاث التغير المناخي، ذهب نصف الجائزة إلى سيوكورو «سوكي» مانابي من جامعة برينستون، وكلاوس هاسلمان من معهد ماكس بلانك للأرصاد الجوية في هامبورج بألمانيا؛ تقديرًا لجهودهما في "النمذجة الفيزيائية لمناخ الأرض، وقياس التغير، والتنبؤ على نحوٍ موثوق بالاحترار العالمي"، وذهب النصف الآخر من الجائزة إلى جورجيو باريزي من جامعة سابينزا في روما؛ "لاكتشافه تفاعل الفوضى والتقلبات في الأنظمة الفيزيائية من المقاييس الذرية إلى المقاييس الكوكبية".

وكان هذا التكريم ذا مغزىً عميقٍ بالنسبة لأولئك الذين يعملون في مجالاتٍ تتعرض للتجاهُل، يقول عالِم الفيزياء مارك ميزارد، مدير مدرسة إيكول نورمال سوبيريور في فرنسا وأحد زملاء باريزي: "لقد تأثرت كثيرًا -بل كدت أبكي في الواقع- لأنني أعتقد أن تلك لحظةٌ عظيمةٌ حقًّا"، وكان لعلماء المناخ انطباعاتٌ مماثلة تجاه الجائزة، يقول شانج-بينج شيه، عالِم المحيطات في معهد سكريبس لعلوم المحيطات في سان دييجو: "في الواقع، هذه الجائزة تأخرت كثيرًا".

المؤسف في الأمر أنه عن طريق جمع لجنة نوبل للفيزياء بين أبحاثٍ يبدو أن بعضها غير مرتبط ببعض تحت المظلة الغامضة التي تحمل عنوان الأنظمة المعقدة، تسببت اللجنة في إثارة حيرة العديد من المراقبين، وأدت إلى مطالعتنا لعناوين غامضة مثل "جوائز نوبل في الفيزياء تُمنح لأبحاث التغير المناخي، وقوىً أخرى"؛ فبدايةً، يبدو أن الشيء الذي يربط بين هذه الاكتشافات المختلفة للغاية غير واضح على الإطلاق، غير أن التدقيق الشديد في الأمر يكشف عن بعض الروابط التي تتعلق بأهداف العلم وكيف يمكن للعلماء معالجة مشكلات تبدو مستعصيةً على الحل.

خلال القرن التاسع عشر بأكمله وجزءٍ كبير من القرن العشرين، اكتسب علماء الفيزياء تقديرًا أكبر على الأنظمة المجهرية والعيانية المعقدة المليئة بالحركة العشوائية والفوضى؛ فالأدوات التي ابتكروها (والتي لا يزال مانابي وهاسلمان وباريزي وأقرانهم يعتمدون على العديد منها) تمتاز بطيفٍ واسع من التطبيقات، بدءًا من حساب كمية طاقة الشمس التي تمتصها الأرض، ومرورًا بتوصيف حركة حبيبات حبوب اللقاح الصغيرة على الماء، ووصولًا إلى استكشاف الخواص المغناطيسية للمواد النظرية.

كما أن هذا الارتباط له أيضًا جانب فلسفي؛ فقد اختتمت لجنة نوبل للفيزياء تقريرها حول الخلفية العلمية لجائزة الفيزياء في عام 2021 بالقول:

من دون دراسة أصول التغير بجدية وحكمة، لا يمكننا فهم سلوك أي نظام، لذا، يُشترط أن نسبر أغوار هذه الأصول؛ حتى يتأتى لنا إدراك أن الاحترار العالمي الحراري حقيقةٌ واقعة مردها إلى النشاط البشري، وأن مجموعةً كبيرةً للغاية من الظواهر التي نرصدها في الطبيعة تنشأ عن اضطرابٍ كامن، وأن اعتناق الضجيج والصخب وعدم اليقين خطوة أساسية على الطريق نحو القدرة على التنبؤ.

فإذا ظل هذا غير مرضٍ بما فيه الكفاية، فيجدر بنا أن نفكر في أن اللجنة نفسها هي نظامٌ معقد، يعج بعدم اليقين والفوضى.

الزجاج المكسور

خلال الأيام الأولى لميكانيكا الكم في عشرينيات القرن العشرين، ابتكر علماء الفيزياء نموذجًا بسيطًا لوصف المغناطيسات مثل تلك التي نلصقها بالثلاجات اليوم، في هذا النموذج الذي حمل اسم «نموذج أيزينج»، تتكون المغناطيساتُ من شبكةٍ من الذرات، وتعمل كل ذرة كمغناطيسٍ صغير له اتجاه إما إلى أعلى وإما إلى أسفل، فإذا جرت محاذاة جميع المغناطيسات الذرية في اتجاهٍ واحد، فإنها تُشكِّل مغناطيسًا حديديًّا، وإذا كانت تتناوب في الاتجاه، فإنها تُشكِّل مغناطيسًا حديديًّا مضادًّا.

غير أن الطبيعة كانت تُخفي في جعبتها ما هو أكثر من مجرد نوعين من المغناطيسية؛ ففي عام 1975، بعد اكتشاف أن العديد من السبائك المعدنية تسلك سلوكًا مغناطيسيًّا غريبًا، اقترح عالِما الفيزياء النظرية الراحلان فيليب أندرسون وسام إدواردز مغناطيسًا من نوعٍ جديد، فيه بعض الأزواج ذات المغناطيسية الذرية بوضع المحاذاة، في حين تتخذ بعض الأزواج الأخرى محاذاةً مضادةً عشوائية، وقد أطلقا على هذه الفئة الجديدة من المغناطيسات اسم «الزجاج المغزلي»؛ لأن السلوك المغناطيسي المضطرب كان يُعتقد أنه أشبه بالاضطراب في بلورات الزجاج.

فكر في مجموعةٍ تتألف من ثلاثة مغناطيسات ذرية في مثلث: إذا كان لا بد للمغناطيسات المتجاورة أن تكون في وضع محاذاة مضادة، فمن الممكن أن يفي اثنان بالشرط، لكن الثالث يبقى في وضعٍ غير محدد، دلَّ هذا الوضع المستحيل على أن الزجاج المغزلي كان «مضطربًا»، ويفتقر إلى طريقةٍ واضحة لإيجاد النظام، ويمكن للاضطراب الأصيل أن يُظهر عددًا لانهائيًّا من الحالات التي يكاد يستحيل التنبؤ بها، لذا قرَّر علماء الفيزياء، كبديلٍ عن هذا، حساب خواص الزجاج المغزلي عن طريق حساب متوسط عدة نسخ من النظام، وهو ما يسمى بحيلة النسخ المتماثلة.

يقول دانييل شتاين، عالِم الفيزياء بجامعة نيويورك: "لقد تبيَّن أن النتيجة تنتهك العديد من مبادئ الديناميكا الحرارية، من الواضح أن هذا لم يكن الحل الصحيح"، كانت المشكلة أن النسخ المتماثلة لم تكن متكافئة، لقد كان تَناظُرُها -أو تشابُهها- مكسورًا.

في عام 1979، حقق باريزي تقدمًا كبيرًا في "كسر تناظر النسخ المتماثلة"، ونظرًا إلى أن الرياضيات عنيدة، لجأ شتاين إلى استخدام مثالٍ فيزيائي: تخيل أن لديك خيطًا من البروتين في محلول، عند خفض درجة الحرارة، يمكن لهذا البروتين نفسه أن يتجمد ويتبلر في عددٍ كبيرٍ من «الحالات الأرضية» أو التكوينات، وكلٌّ منها يختلف اختلافًا دقيقًا عن البقية، ومن الغريب حقًّا أن حساب العدد اللانهائي من الحالات الأرضية للزجاج المغزلي قد أفلح، وكانت حسابات باريزي منطقية.

يتحدث شتاين عن هذا قائلًا: "هكذا صار العلماء في غاية الحماس، فهل قدَّم ذلك حلًّا لمشكلة الأنظمة المضطربة؟"، لقد وجد الباحثون في مجموعةٍ متنوعةٍ من التخصصات الأخرى -مثل علم الحاسوب، وعلم الأعصاب، بل وحتى علم الأحياء التطوري- أن حل باريزي مقنعٌ لأنه اقترح طريقةً صارمةً وجديدةً للتفكير في التكوينات العديدة للأنظمة المضطربة؛ فعلى سبيل المثال، لقد أعطانا نظرةً جديدةً فيما يتعلق بأسئلة التحسين الأمثل، مثل مسألة البائع المتجول، وعلم الروابط العصبية.

والحل هو مثال على تحوُّل الفوضى إلى نظام، يقول شتاين: "[الزجاج المغزلي] عشوائي إلى أبعد حدٍّ ممكن، ومع ذلك، ينبع من هذه العشوائية نوعٌ من النظام أظن أنه ما كان لأحدٍ أن يتخيله"، إن الحالات الأرضية جميعها مختلفٌ بعضها عن بعض، لكن كلًّا منها ترتبط بالأخرى لأنها تنحدر جميعًا من حالة طاقة أعلى واحدة.

لم يُنه باريزي قضية الزجاج المغزلي تمامًا، ولا تزال هناك العديد من الأسئلة حول خواصِّه، ومن بين تلك الأسئلة سؤالٌ يتعلق بمدى نجاح كسر تناظر النسخ المتماثلة خارج المعادلات المثالية وعلى أرض الواقع.

فوضى المناخ

عالمنا ليس مضطربًا فحسب، بل فوضويٌّ أيضًا؛ فبعض التغييرات الصغيرة في الظروف الأولية لأنظمةٍ مثل الطقس يمكن أن يترتب عليها تأثيراتٌ بالغة، وفي القول المأثور الشهير حول تأثير الفراشة، يمكن لرفرفة جناحي فراشة في أفريقيا -على سبيل المثال- أن تُؤثر بالديناميكا الهوائية على تكوُّن إعصار في المحيط الأطلنطي مثلًا.

يقول توني بروكولي، اختصاصي علوم الغلاف الجوي بجامعة روتجرز: "تلقَّى [مانابي] التدريب اللازم كي يصبح أخصائي أرصادٍ جوية؛ فقد كان يفكر في هذه الأنظمة المعقدة"، وعندما بدأ مانابي العمل على نمذجة المناخ في ستينيات القرن العشرين، تعيَّن عليه أن يكافح من أجل تبسيط العديد من هذه الأنظمة لتأخذ شكلًا يمكن لأجهزة الحاسوب المتوافرة حينذاك أن تتعامل معه.

وفي عام 1967، نشر مانابي وريتشارد ويذرالد أول نموذج حاسوبي لحساسية المناخ إزاء التقلبات في نسب غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، المتهم الأول في الاحترار العالمي الذي تسبَّب فيه الإنسان، ومن أجل تقريب فكرة المناخ إلى الأذهان، أجريا محاكاةً لعمودٍ واحدٍ من الهواء، ودرسا تبايُن درجات الحرارة من منظور الحمل الحراري.

يقول بروكولي: "يمكن أن نتوصل إلى الكثير من النتائج المُضلِّلة بمجرد التفكير في توازن الطاقة على سطح الأرض، لذا فإن دراسة عمود الهواء بأكمله كان أمرًا بالغ الأهمية من أجل الحصول على الإجابة الصحيحة"، وبفضل نموذجهما البسيط، تنبأ مانابي وويذرالد بأن مضاعفة تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي ستؤدي إلى زيادةٍ في درجات الحرارة العالمية بمقدار 2.4 درجة مئوية، وعلى الرغم من أنه كان نموذجًا محدودًا من دون آليات تغذيةٍ عكسيةٍ معقدة -كتلك الخاصة بالسحب- فإن النتيجة التي توصلا إليها كانت مشابهةً على نحوٍ ملحوظ للتنبؤات الحديثة التي أُجريت باستخدام طرق أكثر تعقيدًا.

وبعد مرور بضع سنوات، قدَّم مانابي أول نموذج عالمي محوسب لمناخ الأرض، وهو نموذجٌ له تطبيقاتٌ تتجاوز الحساسية لنسب غاز ثاني أكسيد الكربون، وقد جرى استخدامه للتنبؤ بظواهر مثل ظاهرة «إلنينو».

وفي حين عمل مانابي على تقليل تأثيرات الطقس الصاخب في النماذج المناخية لأقصى درجةٍ ممكنة، انصبَّ تركيز هاسلمان، بدلًا من ذلك، على هذه الضوضاء، وكانت أحد مصادر إلهامه أبحاث عالِم النبات الإسكتلندي روبرت براون في القرن التاسع عشر، الذي أشار عام 1827 إلى وجود رقصةٍ غريبة لحبوب اللقاح في قطرة ماء هادئة تُرى من خلال المجهر، وبعد انقضاء ثمانية عقود من ذلك الوقت، قدَّم لنا ألبرت أينشتاين آلية حدوث هذه «الحركة البراونية»؛ فعلى الرغم من السكون الظاهري للماء، فإن الحبوب تتحرك لأنها تتدافع باستمرار ذهابًا وإيابًا، من خلال عددٍ لا يحصى من الاصطدامات الصغيرة والعشوائية مع الذرات والجزيئات.

تساءل هاسلمان عما إذا كان المناخ يشبه إلى حدٍّ ما حبوب اللقاح تلك، وعما إذا كان الطقس يشبه الذرات التي تتحرك بلا توقف وبلا هوادة، فإذا ما ثبتت صحة هذا، فإن هذا يعني أن المناخ يتَّسم بالتقلُّب والتغيُّر الداخلي بسبب الطقس العشوائي، بصرف النظر عن أي قوة خارجية مثل أشعة الشمس التي تُدفئه، وفي عام 1976، أثبت هاسلمان أن المناخ يستجيب للتغير العشوائي، والأمر المهم للغاية هنا هو أنه من خلال حساب التغيُّر المناخي الطبيعي، ساعدت أبحاثه علماء المناخ على تحديد مقدار الاحترار الذي يتسبَّب فيه الإنسان حقًّا.

تقول جين-سونج فون ستورتش، اختصاصية علم المناخ في معهد ماكس بلانك للأرصاد الجوية في هامبورج بألمانيا: "إذا كنت لا تفهم معنى التغيُّر الداخلي، فمن الصعب حقًّا أن تزعم أنك تفهم الكيفية التي يتغير بها المناخ".

يمكن أن يكون تأثير هذا التغير الداخلي كبيرًا؛ فوفقًا لتقديرات شيه، يمكن أن تخطئ حسابات الاحترار بنسبة كبيرة تصل إلى 25% في بعض الحالات، وذلك من دون احتساب أنواع التغير التي أسهمت أبحاث هاسلمان في تقييدها.

تنص وصية ألفريد نوبل على أن جوائز نوبل يجب أن تذهب إلى أولئك الذين "قدموا أعظم فائدة للبشرية"، وإضافة إلى تركيز تلك الجوائز على الرجال البيض، والأوروبيين، والأمريكيين، فقد كافأت أغلب جوائز نوبل في الفيزياء في القرن الماضي القفزات -مثل اكتشاف الطاقة المظلمة أو بوزون هيجز- التي وجهت إحساسنا بموقعنا وقيمتنا في الكون بعمق، على الرغم من أنها ربما لم تقدم قيمةً عمليةً واضحةً كبيرة، إن كانت قدمت أي قيمة عملية أصلًا.

إعلان هذا العام عن الفائزين بجوائز نوبل يطرح احتمالًا آخر، وعن هذا يقول شيه: "إن استخدام الفيزياء لتحقيق أعظم الفوائد للبشرية أمرٌ لا غنى عنه، من وجهة نظري".