مع ازدياد الطلب على الإمدادات الطبية، تقول السلطات الفيدرالية إنه يمكن للعاملين في مجال الصحة ارتداء أقنعة جراحية لحمايتهم في أثناء علاج مرضى كوفيد-19، لكن أدلة مُتزايدة تشير إلى أن هذه الممارسة تُعرِّض هؤلاء العاملين للخطر. 

أفادت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها مؤخرًا بأن الأقنعة الجراحية الأقل جودةً من أقنعة N95 هي "بديل مقبول" لأقنعة N95، ما لم تُجرِ الكوادر الطبية عملية تنبيب أو إجراءً طبيًّا آخر لأحد مرضى كوفيد، بما قد يسبب إطلاق كمية كبيرة من جسيمات الفيروس.

غير أن العلماء وقادة المنظمات غير الربحية والمشرِّعين السابقين في مجال السلامة المهنية خاصَّةً يقولون إن الاعتماد على الأقنعة الجراحية -التي تقدم حمايةً أقل بكثير من أقنعة N95- يزيد بصورة شبه مؤكدة من انتشار المرض بين الكوادر الطبية العاملة على الخطوط الأمامية، والذين يُشكلون على الأرجح حوالي 11٪ من جميع حالات كوفيد-19 المعروفة.

يعلِّق جوناثان روزين -خبير الصحة والسلامة الذي يقدم المشورة للنقابات والولايات والحكومة الفيدرالية- على ذلك قائلًا: "لا يخطر لي أي شك في أن هذا هو أحد أسباب إصابة أعداد كبيرة جدًّا من العاملين في مجال الرعاية الصحية، ووفاة كثير منهم".

حتى 23 أبريل، أُصيب أكثر من 21800 عامل في مجال الرعاية الصحية بفيروس كورونا، وتُوفي 71 آخرون، وفقًا لما قاله أحد أعضاء لجنة التعليم والعمل في مجلس النواب، نقلًا عن مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها.

تتناقض نصيحة مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها مع ما أوردته إحدى صفحات الموقع الإلكتروني للمراكز، إذ نصت على أن الأقنعة الجراحية "لا تُوفر لمَن يرتديها مستوى موثوقًا من الوقاية ضد استنشاق جسيمات فيروسية أصغر محمولة في الهواء، ولا تُعتبر حمايةً للجهاز التنفسي".

تقول أمبر ميتشل، رئيس مركز السلامة الدولي ومديره التنفيذي والرئيس السابق لقسم الصحة والسلامة المهنية في الجمعية الأمريكية للصحة العامة: بعبارة بسيطة، إنه عند الحديث عن سلامة الكوادر الطبية فإن "القناع الجراحي لا يُعد من معدات الوقاية الشخصية".

كان التساهل في استخدام الأقنعة الجراحية أكثر منطقيةً عندما اعتقد العلماء في البداية أن الفيروس ينتشر بواسطة قطرات الرذاذ الكبيرة، لكن ثمة مجموعة متزايدة من الأبحاث تُظهر أنه ينتشر عن طريق جسيمات فيروسية دقيقة يمكن أن تظل عالقةً في الهواء لمدة تصل إلى 16 ساعة.

قناع N95 المُجهز بشكل صحيح يمنع 95٪ من الجسيمات الصغيرة المحمولة بالهواء -التي يصل قُطرها إلى ثلاثة أعشار الميكرون، وهي الأصعب في التقاطها- من الوصول إلى وجه مرتديه، أما الأقنعة الجراحية، المُصممة لحماية المرضى من قطرات الجهاز التنفسي الصادرة من الجراحين، فليست فعالةً في حجب الجسيمات التي يقل قطرها عن 100 ميكرون، وفقًا لتصريحات شركة ثري إم المنتجة لأقنعة N95.

يتراوح قطر جسيمات كوفيد-19 بين ميكرون واحد و4 ميكرونات، وفقًا لأحد الأبحاث التي أُجريت مؤخرًا.

في بحث، يرجع إلى أوائل شهر أبريل، يتناول مستشفيين في كوريا الجنوبية، وجد الباحثون أن الأقنعة الجراحية "تبدو غير فعالة في منع انتشار جسيمات فيروس كورونا". في سياق متصل، توصلت دراسة صينية أُجريت عام 2013 إلى أن نسبة تبلغ 17٪ من العاملين في قطاع الصحة، يصابون بمرض تنفسي إذا ارتدوا قناعًا جراحيًّا في أثناء علاجهم للمرضى، وهي نسبة تمثل الضِّعف مقارنةً بـ7٪ ممن يستخدمون قناع N95 باستمرار، وذلك وفقًا للمجلة الأمريكية لطب الجهاز التنفسي والرعاية الحرجة.

يشير الدكتور روبرت هاريسون، وهو طبيب وأستاذ في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا- سان فرانسيسكو ومؤسس خدمات الصحة المهنية التابعة لجامعة كاليفورنيا- سان فرانسيسكو، قائلًا: "رأيي الشخصي هو أنه نظرًا لوجود أدلة على انتقال المرض عبر الهباء الجوي، [فعلى الأقل] يجب استخدام قناع N95 في الرعاية المباشرة للمرضى المُشتبه بإصابتهم بكوفيد أو مَن تأكدت إصابتهم بالفعل".

في بيان عبر البريد الإلكتروني، أفادت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها أن توجيهها يهدف إلى الحفاظ على الموارد النادرة، وينطبق بشكل أساسي عند وجود عجز بالموارد.

وقالت مارثا شارن، المتحدثة باسم واحدة من الوكالات: إن الأقنعة الجراحية يجب أن تُستخدم عندما تكون أقنعة N95 "محدودة للغاية، لدرجة أن معايير الرعاية التي تُمارس بصورة روتينية... لا تعود ممكنة"، مضيفًة أن "أقنعة N95 التي تتجاوز فترة صلاحيتها التي يحددها المصنِّع يفضل استخدامها -عند توافرها- كأقنعة للوجه".

ومع ذلك، فإن الكثير من الخدمات الصحية لا تُوفر أقنعة N95 إلا في سياقات طبية محدودة فقط- مستشهدةً بتوجيهات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها وندرة الموارد .

في وقت سابق من هذا الشهر، أفاد أعضاء الاتحاد الوطني لسائقي الشاحنات أن 64٪ من أعضائه العاملين في مجال الرعاية الصحية -ممن يعملون في دور رعاية المسنين والمستشفيات والمرافق الطبية الأخرى- لم يتمكنوا من الحصول على أقنعة N95.

وفي كلية طب جامعة ميشيجن، وهي مركز طبي تابع لجامعة ميشيجن، لا يحصل الموظفون على أقنعة N95 إلا في حال قيامهم بإجراءات طبية مُحددة للمرضى الذين أثبتت التحاليل إصابتهم بكوفيد -مثل التنبيب أو تنظير القصبات- أو في حال عالجوهم في وحدة العناية المركزة، وذلك على حد قول كاتي سكوت، وهي مُمرضة مُسجلة في المستشفى وتشغل منصب نائب رئيس جمعية ممرضي ميشيجن. بخلاف هاتين الحالتين، يتلقى الموظفون الذين يعالجون مرضى كوفيد-19 أقنعة جراحية.

تتفق تلك الممارسات مع بروتوكول مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، ولكنها تحمل ممرضين مثل سكوت -التي قرأت البحث الذي يقارن بين الأقنعة الجراحية وأقنعة N95- إلى الشعور بأنهم عرضة للخطر.

تقول سكوت مُعربةً عن خوفها: "نحن مُعرضون لخطر الإصابة بهذا الفيروس، كما أننا معرضون لخطر نقله إلى أُسرنا. من الواضح أن التوجيهات الخاصة باستخدام الأقنعة الجراحية لا تُجدي نفعًا".

وفقًا لتقارير إخبارية حديثة، فإن ما يقرب من 3000 عامل في مجال الصحة في منطقة ديترويت -التي تضم مدينة آن آربر، مقر كلية طب جامعة ميشيجن- اشتُبِه في إصابتهم بكوفيد-19 أو تأكدت إصابتهم بالفعل.

وفقًا لشكوى قدمتها نقابة الممرضين إلى إدارة الصحة والسلامة المهنية بولاية ميشيجن، فلا يمكن للموظفين في كلية طب جامعة ميشيجن جلب معدات الحماية الخاصة بهم، فعلى سبيل المثال، تمتلك سكوت مُعدات للوقاية الشخصية أرسلها لها أصدقاؤها وعائلتها، وتضم أقنعة N95، لكنها تضطر إلى تركها في المنزل بينما ترعى هي المرضى.

تصف سكوت شعورها قائلةً: "عندما أفكر في أنني سأذهب إلى العمل تاركةً ​​هذا القناع في المنزل على طاولة المطبخ؛ لأن صاحب العمل لن يسمح لي بارتدائه، أشعر بأنني، على نحو ما، كبش فداء".

وثّقت تقارير إخبارية واردة من كنتاكي مرورًا بفلوريدا ووصولًا إلى كاليفورنيا تعرُّض المُمرضين لعقوبات أو ضغوط للانسحاب في حال إحضارهم لأقنعة N95 الخاصة بهم.

رفض المتحدث باسم كلية طب جامعة ميشيجن الإجابة عن التساؤلات المتعلقة ببروتوكولات مُعدات الوقاية المعمول بها في المستشفى. في هذا الصدد، صرح روبين بيجلي -نائب رئيس الجمعية الأمريكية للمستشفيات وكبير طاقم التمريض- بأن الجمعية ليس لها موقف حيال السماح للموظفين بإحضار أقنعة N95 الخاصة بهم إلى العمل.

في نيويورك، مركز تفشِّي فيروس كورونا في البلاد، أفاد الممرضون في جميع أنحاء الولاية بتلقيهم أقنعة جراحية، وليس أقنعة N95، لارتدائها عند علاج مرضى كوفيد-19، وفقًا لشهادة خطية قدمتها للمحكمة ليزا بام، كبير ممثلي الصحة والسلامة المهنية لدى جمعية ممرضي ولاية نيويورك. 
 

صرحت بام في مقابلة أجرتها مع خدمة كايزر هيلث نيوز الإخبارية: "إن الأقنعة الجراحية ليست شكلًا من أشكال مُعدات الوقاية الشخصية... [في حال] سعلت أو عطست، فإنها تلتقط بعضًا من الفيروس. إنها لا تحمي مرتديها".

حتى الآن، تُوفِّي ما لا يقل عن 16 عضوًا في جمعية ممرضي ولاية نيويورك بسبب فيروس كورونا، واحتُجِز ما لا يقل عن 94 منهم في المستشفيات، وتم رصد أكثر من 1000 حالة إيجابية بينهم، وفقًا لتقديرات الجمعية.

ضغط الاتحاد الوطني للممرضين والممرضات على المُشرعين في واشنطن لتمرير تشريع من شأنه زيادة إنتاج أقنعة N95، وذلك بإلزام البيت الأبيض بالاستناد إلى قانون الإنتاج الدفاعي، وهو قانون يرجع إلى حقبة الحرب الكورية، ويسمح للحكومة الفيدرالية -في حالات الطوارئ- بتوجيه الشركات الخاصة في مجال إنتاج البضائع وتوزيعها.

كما يناشد الاتحاد الكونجرس أن يطالب إدارة السلامة والصحة المهنية بوضع مبدأ طارئ ومؤقت يُلزم أصحاب العمل تزويد العاملين في مجال الرعاية الصحية بمُعدات واقية، تتضمن أقنعة N95، عند التعامل مع المرضى المشتبه في إصابتهم بكوفيد- 19.

وقالت أميرة سقيرة، المحامية التشريعية الرئيسية للاتحاد: "يتحمل صاحب العمل مسؤولية حماية موظفيه. وفي الوقت نفسه، عندما تكون لديك أزمة على هذا النطاق، تتحمل الحكومة الفيدرالية أيضًا مسؤولية ضمان تحقيق زيادة كبيرة في الشراء، وإذا لم يكن الشراء، فليكن الإنتاج".

من الجدير بالذكر أن الجمعية الأمريكية للمستشفيات بذلت ضغوطًا للتصدي لتفويض من شأنه توسيع استخدام أقنعة N95، في حين أقر بيجلي بأن "الإمدادات غير كافية"، وقال إن الطلب العالمي المُتزايد يجعل الحصول على أقنعة N95 أكثرَ صعوبة.

أشار بيجلي قائلًا: "إذا فشلنا في الحفاظ على الإمدادات المحدودة بالفعل، فلن تتبقى أقنعة N95 لطواقم الرعاية الصحية الذين يعملون على إجراءات طبية مُولدة للرذاذ".

حذر قادة الاتحاد في مؤتمر هاتفي عُقِد مؤخرًا لمناقشة الظروف الخطرة التي يواجهها العاملون في قطاع الصحة من أن الإخفاق في توفير المزيد من المعدات الوقائية الأفضل جودةً للكوادر الطبية يمكن أن يُكلفنا المزيد من الأرواح.

أكدت بوني كاستيلو -المدير التنفيذي للاتحاد الوطني للممرضين والممرضات- قائلةً: "إن طواقم التمريض لا يخشون رعاية مرضانا إذا توافرت لنا الحماية المناسبة، ولكننا لن نكون شهداء يضحون بحياتهم لأن حكومتنا وأرباب الأعمال لم يؤدوا واجبهم".

نشرت خدمة كايزر هيلث نيوز الإخبارية النسخة الأصلية من هذا المقال في 28 أبريل 2020. اقرأ المقال الأصلي هنا.