تزداد حرائق الغابات انتشارًا ويشتدّ لظاها اضطرامًا وتقل إمكانية التنبؤ بحدوثها، وتقضي على أنواع بأكملها من النباتات والحيوانات. ويعكف الباحثون حاليًا على دراسة الكيفية التي تؤثر بها هذه الحرائق في الكائنات الدقيقة بالغابات كالبكتيريا والفطريات، وقد توصَّلوا إلى أن بعض الميكروبات تزدهر بعد نشوب حريق هائل.

وأشارت دراسة نُشرت الأسبوع الأول من يناير الماضي على خادم ما قبل الطباعة "bioRxiv" إلى أن العديد من أنواع البكتيريا والفطريّات، كثُر عددُها بعد نشوب حرائق هائلة في الغابات الشمالية بالأقاليم الشمالية الغربية وألبرتا في كندا، وهذا النوع وغيره من الدراسات التي تتناول تأثير الحرائق وعناصرها مثل الدخان على التوزيع الميكروبي، يرسم للباحثين صورةً واضحةً بخصوص الكيفية التي تُحدِث بها حرائق الغابات تغييرًا في المجتمعات الميكروبية، الأمر الذي يساعدهم على التنبؤ بكيفية تعافي الأنظمة البيئية عقب الحرائق الضخمة.

تقول جيسيكا ميزل، المتخصصة في الأنظمة البيئية بجامعة ولاية ميشيغان بمدينة إيست لانسينغ: "لا تدمِّر الحرائق عادةً مجتمعًا ميكروبيًا، وإنما تُغيِّر تركيبه وتكوينه"، فبعض البكتيريا والفطريات يُكوِّن علاقة تكافلية مع النباتات، تُحدِّد في الغالب العناصر الغذائية المتاحة للنباتات في أي منطقة، فعندما تقضي الحرائق على بعض المجتمعات الميكروبية، فإن النباتات التي تعتمد عليها قد لا تتمكن من التكيف مع ذلك النظام البيئي.

الصمود

درسَ الباحثون آثار حرائق الغابات على المجتمعات البكتيرية والفطرية في الغابات الشمالية في مقاطعتين كنديتين، وجمعوا عيناتٍ من التربة من 62 موقعًا بعد مرور نحو عام على تدمير 50 موقعًا منها بسبب الحرائق التي اندلعت عام 2014، وتوصَّل الباحثون إلى أن العديد من أنواع البكتيريا من أجناس المرسيليات "Massilia" والفصلاء "Arthrobacter"، وبعض الفطريات في أجناس البنسيليوم "Penicillium" والباقوع "Fusicladium" قد كثُرت وزاد عددها بعد حرائق الغابات عن ذي قبل، لا سيِّما في المواقع التي كانت الحرائق فيها أشد ضراوة.

تقول ثيا ويتمان، الباحثةُ المشارِكة في الدراسة، وهي عالمة بيئية في مجال التربة بجامعة ويسكونسن -ماديسون: "لقد بدأنا في تحليل العوامل البيئية التي تُشكِّل استجابة هذه البكتيريا للحرائق".

تُسهِم الميكروبات في الحفاظ على سلامة النظام البيئي من خلال تحليل المواد العضوية وتحويل العناصر الغذائية إلى صورة بسيطة يَسهُل على النباتات امتصاصها، فبعض أنواع البكتيريا تُحلل النيتروجين والكربون، وبعض أنواع الفطريات تعيش على أطراف جذور النباتات، وبذلك تساعد النباتات العائلة على امتصاص العناصر الغذائية والماء من التربة المُحيطة.

تعتقد ويتمان أن السبب في بقاء البكتيريا والفطريات بعد خمود الحرائق، قدرتها على التكاثر بسرعة، واستفادتها من العناصر الغذائية المتاحة، وصمودها في درجات الحرارة المرتفعة، فبعض الميكروبات مُهيَّأة أكثر من غيرها لتحليل المادة العضوية التي أدَّت الحرائق إلى تغيير خصائصها الكيميائية، وبعضها الآخر قد يستفيد من الأنظمة البيئية الجديدة.

التحليق عاليًا لمسافات بعيدة

من بين الطُرق التي تَستخدم بها الميكروبات الحرائق من أجل استعمار أماكن جديدة، امتطاء متن جزيئات الرماد أو الغبار الصغيرة المتطايرة في أعمدة الدخان الكثيفة، ففي دراسة نُشِرت نوفمبر الماضي، جمعت ليدا كوبزيار -عالمة بيئية في مجال الحرائق بجامعة إيداهو في موسكو- بالتعاون مع فريقها عيناتٍ من الأدخنة المتصاعدة من ثلاثة حرائق مُعدّ لها مسبقًا بتصريحات في ولاية فلوريدا، ومن اختبارات أُجريت على نباتات جُمعت من غابة إيداهو وحُرِقت في المختبر، وقد توصَّل الباحثون إلى أن الميكروبات الموجودة في الأدخنة تختلف عن مثيلاتها في الهواء المحيط.

تؤكِّد كوبزيار أن الميكروبات تتعلَّق بأدخنة الحرائق وتنتقل معها حيثما تتجه، وتعتقد أن البكتيريا التي تعمل على تثبيت العناصر الغذائية والتي تَعلق في أعمدة الدخان، قد تلعب في بعض الأحيان دورًا في تحفيز نمو النباتات في المناطق البعيدة.

لكن هذا النوع من الانتقال قد يكون ضارًا إذا علقت جراثيم مسببة لأمراض النباتات مثل الكائن الشبيه بالفطر (فايتوفثورا راموروم) "Phytophthora ramorum" المسؤول عن الموت المفاجئ للبلوط في دخان حريق، وانتقلتْ معه إلى مناطق بها أشجار بلوط سليمة. تقول كوبزيار إن رجال الإطفاء وغيرهم من العاملين في مجال الطوارئ معرَّضون أيضًا لاستنشاق ميكروبات ومواد خطيرة مثيرة للحساسية.

غالبًا ما يُتغاضَى عن الميكروبات في المناقشات التي تدور عن تأثيرات حرائق الغابات، لكن هذه الكائنات الدقيقة هي التي تحدّد المشهد البيئي المحيط بها، بعد أن تأتي الحرائق على الأخضر واليابس،  تقول ميزل: "توجد مجموعة كبيرة من التغييرات في بيئة التربة التي قد تكون في صالح مجموعات مختلفة من الميكروبات أو في غير صالحها"، فعندما تتحوَّل الأنظمة البيئية بأكملها إلى رماد، تخطو الميكروبات الخطوة الأولى في طريق التعافي.

أُعيدَ نشر هذه المقالة بعد الحصول على إذن بذلك، وقد نُشرت للمرة الأولى في 16 من يناير 2019.