تسببت الصين في حدوث طفرة جديدة في عدد زوار القمر، بفضل بعثة جمع العينات والعودة بها التي أطلقتها الشهر الماضي، ومن المعتزم أن تهبط ثماني مركبات فضائية على الأقل تابعة لدول مختلفة، من بينها روسيا والهند والصين واليابان والولايات المتحدة على سطح القمر خلال السنوات الثلاث القادمة.

وللمرة الأولى على الإطلاق، ستستكشف العديد من البعثات القادمة بعض أكثر المناطق إثارةً للاهتمام في مجال البحث العلمي على سطح القمر، رغم أنها ذات طبيعة حساسة، ألا وهي المناطق الموجودة عند قطبي القمر، والباحثون متحمسون لدراسة المياه المتجمدة في الحفر الظليلة الموجودة عند هذه المناطق، ولكنهم قلقون -في الوقت نفسه- من أن زيادة حركة الرحلات إلى سطح القمر قد تلوث الجليد ذاته الذي يريدون دراسته.

يمثل الجليد أهميةً بالنسبة للعلماء لأسباب مختلفة؛ فبعضهم يريد تحليل العينات النقية لحل لغز الكيفية التي تراكمت بها المياه على كوكب الأرض وعلى سطح القمر قبل مليارات السنين، وتوقيت حدوث هذا التراكم، والبعض الآخر يريد التنقيب عن الجليد لاستعماله وقودًا للصواريخ في القواعد القمرية المستقبلية.

والآن يواجه المستكشفون خيارًا معقدًا، هل يبدؤون التنقيب على الفور ويطورون العمليات التي من خلالها سيستخرجون الجليد ويحولونه إلى وقود؟ أم أن الهدف ينبغي أن يكون إحراز تقدُّم بطيئ في هذه المساحة، وذلك للحفاظ بعناية على أسرار السجل العلمي الموجودة في الجليد؟ يقول كلايف نيل، عالم الجيولوجيا بجامعة نوتردام بولاية إنديانا: "في اللحظة الراهنة، هناك بعض العلماء الذين يقولون إننا لا نستطيع الاقتراب منه؛ لأننا بذلك سنفسده، أما البعض الآخر فيقولون إننا بحاجة إليه، ولذا سنسعى وراءه فحسب".

يجب حل هذا الخلاف سريعًا في الوقت القريب، لا سيما أن ناسا تخطط لإرسال سلسلة بعثات إلى القطب الجنوبي من القمر، تبدأ بمركبات الهبوط الروبوتية، في عام 2022، وتصل إلى ذروتها بهبوط رواد فضاء على سطح القمر لأول مرة بعد بضع سنوات، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1972.

وفي الأسبوع الماضي، ذكر تقرير صادر عن الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب (NASEM)، ذات النفوذ بالولايات المتحدة الأمريكية، أن الوكالات الفضائية بحاجة إلى تحديد الأولويات بالنسبة إلى ما يريده العلم من قطبي القمر؛ وذلك لتحقيق الفاعلية من عملية الاستكشاف هذه، كما أن اللجنة الدولية لأبحاث الفضاء "كوسبار" (COSPAR)، التي تحدد أفضل الممارسات لاستكشاف الفضاء، تعمل على تقييم الوضع، وستقرر في الأشهر المقبلة ما إذا كانت ستُصدر إرشادات جديدة للمركبات الفضائية المتجهة إلى القمر، وتنتظر وكالة ناسا قرار هذه اللجنة، وبناءً على ذلك ستحدِّث على الأرجح لوائحها الخاصة بكيفية زيارة القمر على نحو مسؤول.

ومع تزايُد الرحلات الاستكشافية للقمر، تقول ليسا برات، الضابطة المختصة بحماية الكواكب لدى وكالة ناسا بمقرها في العاصمة واشنطن: "نحن ملتزمون بعدم الإضرار بالاستكشافات العلمية المستقبلية"، ولكن السؤال هو: "كيف نفعل ذلك على النحو الصحيح؟".

اصطدام المسارات

لم يسبق لأي مركبة فضائية أن استكشفت قطبي القمر والجليد القابع هناك مباشرةً، غير أن البعثة الوحيدة التي اقتربت من هذا المكان كانت مركبة "فيكرام" الهندية Vikram، التي تحطمت على بُعد حوالي 600 كيلومتر من القطب القمري الجنوبي في عام 2019 بدلًا من الهبوط على السطح ودراسته، وتخطط الصين لإطلاق بعثة "تشانج آه – 6" Chang'e-6 التي ربما تزور القطب الجنوبي للقمر، ومن المحتمل أن تجرف بعض الجليد والصخور وتعود بها إلى كوكب الأرض في وقت مبكر من عام 2023، ومن شأنها أن تَخلُف بعثة "تشانج آه – 5" Chang'e-5 ، التي جمعت صخورًا من دوائر العرض المتوسطة للقمر في ديسمبر الماضي، وناقشت اليابان والهند أيضًا إرسال بعثة روبوتية إلى القطب الجنوبي من القمر، كما فعلت روسيا وأوروبا.

ثم يأتي دور وكالة ناسا؛ ففي عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كانت الوكالة تُعِد لإرسال مجموعة من البعثات إلى القمر تركز على دراسة القطبين، ووفقًا للخطط الحالية، من شأن وكالة ناسا أن ترسل مركبتي هبوط روبوتيتين إلى القطب الجنوبي في 2022، تتبعهما مركبة جوالة روبوتية أكبر حجمًا، تُدعى «فايبر»VIPER، في 2023، ستُنزل هذه المركبة مثقابها البالغ طوله مترًا واحدًا في التربة القمرية للبحث عن الجليد، وفي وقت مبكر من العام التالي، سيهبط البشر على القمر وتبدأ عملية استكشاف الفوهات الثلجية، وربما يكون أحد الأهداف جمع الجليد والعودة به وهو لا يزال مجمدًا إلى المختبرات الموجودة على كوكب الأرض بهدف الدراسة، كما جاء في أحد تقارير وكالة ناسا الصادر الشهر الماضي.

قبل خمسة عقود مضت، لم يضع أحد في الحسبان احتمالية أن يلوِّث المستكشفون الجليد القمري، حين أصبح رواد فضاء بعثة "أبولو" Apollo أول مَن يسير على سطح القمر؛ ففي ذلك الوقت، ظن الباحثون أن القمر جافٌّ تمامًا، ولم يدركوا وجود المياه في أماكن كثيرة -منها المياه المتجمدة في الفوهات القطبية المظلمة- إلا في العقد الماضي أو نحو ذلك، بل إن العلماء عثروا على المياه في واحد على الأقل من الأماكن المضاءة بأشعة الشمس على سطح القمر، يحتوي على المعادن في التربة الجافة.

ربما وصلت كل هذه المياه إلى سطح القمر عن طريق الكويكبات أو المذنبات الغنية بالمياه، أو من خلال الرياح الشمسية التي تعصف بسطح القمر، وربما يأتي بعضٌ منها من داخل القمر نفسه؛ إذ نفثتها الثورات البركانية من الأجزاء الداخلية الغنية بالمياه، وبغض النظر عن مصدرها، تحتوي مياه القمر على معلومات علمية مهمة.

ولعل الجليد الموجود داخل الفوهات المحرومة من ضوء الشمس عند قطبي القمر قد تراكم على مدار مليارات السنين، فإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا يحتوي على سجل خاص بالتاريخ المبكر للقمر وحسب، بل يحتوي كذلك على سجل للتاريخ المبكر لكوكب الأرض؛ فعلى الأرجح، تكوّن القمر حين اصطدم جرمٌ ضخمٌ بكوكب الأرض حديث العهد قبل 4.5 مليارات عام مضى، ليقذف بذلك حطامًا تآلف مع القمر وربط بين تاريخهما ارتباطًا وثيقًا، وعلى كوكب الأرض، محا النشاط الجيولوجي، ومن ضمنه الصفائح التكتونية، الكثير من سجل التاريخ المبكر لهذا الكوكب، بيد أن القمر لا يحظى بمثل هذا النشاط، ما يجعله موضوعًا مثاليًّا للدراسة.

وتقول إرييل دويتش، متخصصة في علم الكواكب بمركز "أميس" Ames للأبحاث التابع لوكالة ناسا، بموفيت فيلد، في ولاية كاليفورنيا: "تاريخ مياه القمر يقدم الكثير من الأدلة التي تشير إلى كيفية تطور المجموعة الشمسية عبر الزمن".

محطة التلوث

ونظرًا لأهمية الجليد القمري، يتوخى كثيرٌ من العلماء الحذر حيال طريقة استكشافه؛ فعلى وجه الخصوص، عكف بعضهم على دراسة الآثار الملوثة المحتملة التي تتركها عوادم الصواريخ على المخابئ المتجمدة.

ومؤخرًا قامت بارفاثي بريم، المتخصصة في علم الكواكب بمعمل الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز، مدينة لوريل، ولاية ماريلاند، وزملاؤها بمحاكاة هبوط مركبة متوسطة الحجم تصل إلى سطح القمر عند 70 درجة جنوبًا، على بُعد بضع مئات من الكيلومترات من الحفر المليئة بالجليد عند القطب الجنوبي، وأظهرت المحاكاة أنه على الرغم من أن الصاروخ لن يطلق كميةً كبيرةً من المياه، فإن المياه التي يطلقها من شأنها أن تنتشر حول القمر وتبقى هناك بعض الوقت، وحتى بعد مرور يومين قمريين، أي شهرين على كوكب الأرض، فإن 30% إلى 40% من مياه الصاروخ سوف تظل موجودة، متجمدة غالبًا على الجانب المظلم من القمر، وعن هذا تقول بريم: "كان الدرس المستفاد هو أن بخار المياه يذهب إلى كل مكان"، وبالتالي، فإن الجليد القطبي الموجود على سطح القمر قد لوثه المستكشفون السابقون بالفعل.

 سألت اللجنة الدولية لأبحاث الفضاء "كوسبار" مئات المتخصصين في علم الكواكب عن مدى قلقهم بشأن احتمالية تعارُض رحلات استكشاف قطبي القمر مع العلم، إذ قال 70 بالمئة من المشاركين في أحد استطلاعات الرأي التي أُجريت في عام 2020 إنهم كانوا قلقين من أن التلوث قد يضر بالسجل العلمي الموجود داخل جليد القمر، على حد قول جيرهارد كمينك، الضابط المختص بحماية الكواكب لدى وكالة الفضاء الأوروبية في مدينة نوردفيك، هولندا، ونائب رئيس لجنة حماية الكواكب التابعة للجنة الدولية لأبحاث الفضاء.

وفي ورقة بيضاء مُقدمة إلى وكالة ناسا، اقترح 19 عالمًا، منهم بريم ودويتش، إرسال ما أطلقوا عليه بعثة "أورجينز - فيرست" origins-first إلى حفرة ظليلة عند أحد قطبي القمر، والهدف من ذلك هو جمع عينات أصلية بدرجة معقولة للجليد قبل استئناف حركة الرحلات إلى سطح القمر، وهذا لمساعدة العلماء في تحديد كيفية تراكُم الجليد هناك بمرور الوقت، ومن شأن هذه البعثة أن تخبرهم على وجه التحديد إلى أي مدى يكون السجل العلمي للجليد قيمًا، وما إذا كان ينبغي تأجيل أنشطة التنقيب، على حد قول إسثير بلتران، عالِمة الفضاء بجامعة فلوريدا الوسطى في أورلاندو ومشارِكة في الورقة.

ليس لدى وكالة ناسا حاليًّا موارد مالية مخصصة لبعثة "أورجينز- فيرست"، وتواصل التخطيط لإرسال عدة مركبات فضائية إلى المناطق القطبية القمرية، بيد أن الوكالة تستمع إلى العلماء المهتمين بإتمام المهمة على النحو الصحيح وتعتزم التحرُّك بحرص، على حد قول برات، الضابطة المختصة بحماية الكواكب، التي تضيف: "نحن بحاجة إلى الموازنة بين الدافع لاستغلال الموارد والحاجة إلى الاكتشاف العلمي والمعرفة".

وفي الوقت نفسه، إذا تبنَّت الجنة الدولية لأبحاث الفضاء إرشادات جديدة لاستكشاف القمر، فإن وكالة ناسا وغيرها من وكلات الفضاء الأخرى ستفعل الشيء نفسه على الأرجح؛ فالإرشادات الحالية للجنة تطالب الدول بالاحتفاظ بقائمة بجميع المواد العضوية، مثل مركبات الكربون والطلاءات والمواد اللاصقة، الناتجة عن البعثات الخارجية المتجهة إلى القمر، والاحتفاظ بمثل هذه النوعية من القوائم يساعد في تخفيف حدة المخاوف بشأن التلوث، على حد قول كمينك؛ إذ تخبر العلماء بالضبط بنوعية المواد المُصنعة التي دخلت إلى بيئة القمر، وربما يكون أحد التغييرات المحتملة للبعثات المستقبلية هو الاحتفاظ بقائمة الغازات التي قد تنبعث من الصواريخ أو أجهزة دعم الحياة، ويقول كمينك إن أطرافًا فاعلة ذات صلة، منها وكالة الفضاء الصينية والشركات التجارية مثل "سبيس إكس" Space X و"بلو أوريجين" Blue Origin، قد تباحثت مع الجنة الدولية لأبحاث الفضاء بشأن هذه التغييرات المحتملة.

قرارات كثيرة

ورغم استمرار هذه المناقشات، فإن بعض العلماء لا يلقون بالًا لكثير من قضايا التلوث؛ إذ لاحظ نيل وآخرون أن بخار الماء الآتي من عوادم الصواريخ يصير مجرد طبقة رقيقة على الجزء العلوي من سطح القمر، ومن ثم لن يتطلب الأمر جهدًا كبيرًا للتنقيب من أجل الوصول إلى طبقة الجليد السليمة، وذكر التقرير الصادر الأسبوع الماضي عن الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب أن خطر تلويث الجليد المدفون منخفض للغاية، ويعتقد كيفن كانون -المختص بعلم الكواكب في كلية كولورادو للمناجم بمدينة جولدن- أن نسبة التلوث الضئيلة الناتجة عن استكشاف جليد القمر يتفوق عليها التقدم العلمي الخاص باكتشاف أماكن انتشار الجليد وطريقة توزيعه، وقد وضع خريطةً للأماكن المحتملة لأكبر مخابئ الجليد التي يسهل الوصول إليها.

طرح آخرون أفكارًا عديدةً لحماية الجليد القمري، وأحد هذه المقترحات هو الحفاظ على أحد قطبي القمر للدراسة العلمية وفتح الباب أمام أعمال التنقيب والاستكشاف في القطب الآخر، وهناك مقترح آخر لتحديد منطقة ممنوع الدخول إليها لبعض الحفر المملؤة بالجليد، ويوجد الكثير من هذه الحفر على اختلاف أحجامها، بدايةً من حفر صغيرة جدًّا بحجم كف اليد وحتى تلك التي يصل قطرها إلى 10 كيلومترات، ونحن لسنا بحاجة إلى استكشافها جميعًا، على حد قول العلماء.

وعن هذا تقول بريم: "هناك شيء واحد يتوجب علينا فعله، وهو أن نتأكد من أننا نضع ما يمكن أن يحدث في الحسبان، فمَن يعرف نوع الأبحاث العلمية التي سيرغب في تنفيذها علماء المستقبل؟".

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في 5 يناير 2020، ويُعاد نشره بالموافقة.