في منتصف شهر أغسطس، كانت "هيئة نقل مقاطعة لوس أنجلوس" و"إدارة أمن النقل" TSA قد أعلنتا أن هيئة المترو دفعت 100 ألف دولار أمريكي مقابل كل وحدة من عدة أجهزة فحص محمولة تعمل بالموجات المليمترية تيراهرتز، والتي أجازتها إدارة أمن النقل TSA. سوف يجري توزيع تلك الأجهزة -التي صنعتها شركة ثروفيجن ThruVision التي يقع مقرها في المملكة المتحدة- داخل شبكة المترو في المدينة؛ للكشف من البُعد عن الأسلحة القادرة على التسبب في حدوث إصابات جماعية.

وقد أثار الفحص الجماعي في نظام للنقل العام على الفور شعورًا بالانزعاج والضيق. وبعد الإعلان عن استخدام تلك الأجهزة مباشرة، قدم الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ALCU جنوبي كاليفورنيا طلبًا للسجلات العامة للحصول على مزيد من المعلومات عن تلك الأجهزة. ويأتي الإعلان عن استخدام تلك الأجهزة في لوس أنجلوس عقب الاختبارات التي أجرتها إدارة أمن النقل في تلك المقاطعة، وفي هيئة موانئ الحافلات بمدينة نيويورك، وفي محطة قطارات يونيون ستيشن في واشنطن العاصمة.

تُعد هذه الأجهزة التي تعمل بأشعة تيراهرتز في الأساس كاميرات متطورة، تقوم بتصوير الحرارة المنبعثة من جسم الإنسان. ويُطلق على تلك الأجهزة اسم "تيراهرتز" لأنها بدلًا من استخدام الضوء المرئي "ترى" عند تردد موجي يبلغ 0.25 تريليون هرتز. وعلى عكس الماسحات الضوئية في المطارات، التي تتطلب وقوف المسافرين فرادى والانتظار بينما تقوم الماسحات الضوئية بقياس الانعكاسات الناتجة عن ارتداد الأشعة عن أجسامهم، فإن هذه الأجهزة تفحص الركاب على مسافة تبعد 10 أمتار بينما يتدفق نحوها عدد من المسافرين يصل إلى 2000 راكب في الساعة، بينما ينزلون على السلم المتحرك على سبيل المثال. ويبحث الشخص القائم على تشغيل تلك الأجهزة عن بقع داكنة مصمتة في الصور الملتقطة للمسافرين تبيِّن وجود جسم ضخم مخبَّأ . يقول ديف سوتيرو، وهو مدير اتصالات في هيئة مترو لوس أنجلوس: "عندما يكون هناك شيء غريب، فعندئذٍ نلجأ إلى إجراء خاص بإنفاذ القانون، ونستخدم كلبًا بوليسيًّا يستطيع اكتشاف المتفجرات. يُطلب من المسافر المشتبه به أن ينتحي جانبًا ويقوم الكلب بالمرور عليه، وإذا لم يشم الكلب أي رائحة غريبة، يمضي الشخص في طريقه".

من الواضح إذًا أنه لا أساس للمخاوف من تحول رجال الشرطة إلى متلصصين جنسيين؛ فالأجهزة ترى من خلال الملابس، ولكننا "لا نرى أية تفاصيل تشريحية"، كما يقول كولين إيفانز، المدير الإداري لشركة ثروفيجن. ويضيف إيفانز قائلًا: "فقط نقطة ساخنة أو باردة على الشاشة، وهذا فقط ما نعرضه". تظهر الأجسام الأكثر دفئًا بصورة أكثر سطوعًا، أما الأجسام الباردة فتظهر داكنة. وينوه إيفانز بأن أي سلاح مُخبأ تصل درجة حرارته إلى درجة حرارة الجسم البشري يختفي من الصورة، ولكنه يشير إلى أن مثل ذلك التطابق في درجة الحرارة سيكون من الصعب تحقيقه، ومن الأصعب الحفاظ عليه لفترة من الوقت. ومن المقرر أن تفحص الأجهزة التي يجري توزيعها حاليًّا في لوس أنجلوس أكثر من 2000 مسافر في الساعة على بُعد 30 قدمًا.

في عام 2002، قامت مختبرات راذرفورد أبلتون Rutherford Appleton Labs في المملكة المتحدة بتطوير تقنية تيراهرتز كجزء من برنامج وكالة الفضاء الأوروبية؛ للسماح للأقمار الصناعية بالبحث عن الثقوب في طبقة الأوزون. وعلى مدار السنوات الخمس عشرة الماضية، استثمرت الولايات الأمريكية والمملكة المتحدة والعديد من مالكي القطاع الخاص مجتمعين 50 مليون دولار في تطوير التقنية بقدر أكبر. وتصمم شركة ثروفيجن جميع أجهزتها وتبنيها بنفسها في مقرها الرئيسي الذي يقع في أكسفوردشير بإنجلترا، غير أنها حاليًّا تشيد منشأة تجميع في كيب كانفيرال بولاية فلوريدا. وخلال السنوات الثلاث التي مضت منذ أن بدأت الشركة مرحلة الإنتاج التجاري، يقول إيفانز إنها صنعت ما يقرب من 300 وحدة جرى بيعها لـ18 دولة. ويوجد أكبر انتشار لتلك الأجهزة على نطاق فردي في قارة آسيا، حيث ابتاعت سلطات الجمارك حوالي 40 وحدة للبحث عن الأموال والمخدرات المهربة.

قلب الجهاز عبارة عن كتلة من الإلكترونيات يقترب حجمها من حجم الكمبيوتر الشخصي العمودي الذي كان مستخدمًا في تسعينيات القرن العشرين. ويأتي مغلفًا في حقيبة سوداء مثل حقائب الموسيقيين، ومشابهة للحقيبة التي كانت تستخدمها الفرقة الموسيقية "سباينال تاب" في جولاتها. وفي مقدمة الجهاز، توجد لوحة بيضاء كبيرة مربعة الشكل وكاميرا تيراهرتز، وفوقها مباشرة كاميرا دائرة تليفزيونية مغلقة عادية. ويُثبَّت على رف داخل الحقيبة جهاز كمبيوتر محمول يعرض صورة الدائرة التلفزيونية المغلقة وصورة كاميرا التيراهرتز عديمة الشكل جنبًا إلى جنب.

يقارن مُشغل الجهاز الصورتين بينما يتدفق الناس أمامه، ويبحث عن المناطق الداكنة بلا مسوِّغ، التي يمكن أن تمثل أسلحة نارية أو سترات تفجيرات انتحارية. ويمكن بسهولة تمييز معظم الصور التي قد يُظن على نحو خطأ أنها أسلحة –مثل حقائب الظهر أو بقع العرق الكبيرة على ظهر قميص الراكب– عن طريق رؤية الصورة الملتقطة بكاميرا تيراهرتز جنبًا إلى جنب مع صورة فيديو عادية للمسافر نفسه.

والأمر متروك للشخص القائم على تشغيل الجهاز –الذي يفترض أنه من ضباط شرطة النقل في حالة محطات مترو لوس أنجلوس– فيما يتعلق باستجواب الأشخاص عندما تقترح النقاط الداكنة في صورة التيراهرتز وجود أسلحة كبيرة أو سترات انتحارية مُخبأة. ولا يمكن للجهاز رؤية ما بداخل الجسم البشري أو حقائب الظهر أو الأحذية. يقول سوتيرو: "إذا نظرت في الحوادث السابقة التي وقعت داخل شبكات النقل العام، فستجد أن هذه التكنولوجيا كان بإمكانها رصد تلك الأشياء"، ويشير إلى أن هيئة مترو لوس أنجلوس قد عملت "عن كثب" مع إدارة أمن النقل لأكثر من عام من أجل اختبار هذه التقنية وغيرها. ويضيف قائلًا: "كانت الهيئة تحظى بكل تأكيد بدعم إدارة أمن النقل".

وتعتمد كيفية عمل التكنولوجيا في الواقع العملي اعتمادًا كبيرًا على تدريب مشغل الجهاز. ووفق قول إيفانز: "يتمثل الجانب الأكبر من الحرفية في فهم أماكن الجسم التي يرجح إخفاء عنصر التهديد فيها". ويرى إيفانز أن الدور الحاسم الذي يقوم به المشغل يُعد بمنزلة إعادة للسيطرة إلى رجال الأمن والسماح لهم باستخدام حسهم الأمني السليم.

ونظرًا إلى أن الجهاز يعمل بشكل سلبي على مسافة -على عكس الماسحات المستخدمة في المطارات– ولا يعرض أية تفاصيل تشريحية للجسم، فإن كلًّا من الشركة وسوتيرو يقولان إن الجهاز يحترم الخصوصية الشخصية. ورغم ذلك، يرى جاي ستانلي، وهو أحد كبار محللي السياسات في الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ACLU، أن الأمر "يظل نوعًا من أنواع التفتيش". كما أن ستانلي يطرح احتمالية التنميط العنصري عند تفسير نقاط الالتباس؛ فقد يرى مشغلو الأجهزة أن نقطةً داكنةً حول خصر شخص ما هي حزام نقود إذا كان هذا الشخص أبيض اللون، ولكنهم قد يعتبرونها متفجرات إذا كان الشخص صاحب بشرة ملونة.

في عرض للجهاز أُجري في مكاتب شركة ثروفيجن، رصد المشغل على الفور مجموعة كبيرة من المفاتيح في جيبي الأيسر الخلفي، لكنه لم يلحظ سكين الجيش السويسري متوسطة الحجم المغلقة في جيبي الأيمن الخلفي حتى أخبرته بوجودها. لم تبدُ على الرجل علامات الاندهاش؛ فحجم السكين على ما يبدو كان أصغر من الحجم الذي يتوقعون أن يكون قابلًا للكشف من تلك المسافة وبتلك الدقة، كما أن السكين ليست من بين الأشياء التي تريد هيئة مترو لوس أنجلوس رصدها.

يثير هذا مسألة التطوير المستقبلي. يرى الخبير الأمني بروس شناير أنه إذا انخفضت تكاليف مثل هذه الأجهزة بمثل معدل انخفاض التكاليف في غيرها من الأجهزة الإلكترونية الأخرى، فمن الممكن أن نرى تلك الأجهزة تنتشر تمامًا كما انتشرت كاميرات الدوائر التليفزيونية المغلقة، بدافع "التكلفة والخوف". وحتى لو تحسن مستوى الدقة في تلك الأجهزة ببطء، فمن السهل تصوُّر التحسن التدريجي للتكنولوجيا للكشف عن جميع أنواع الأشياء التي تبلغ درجةً من صغر الحجم بحيث لا يمكن حاليًّا اكتشافها، ولا سيما في المملكة المتحدة، التي تفرض قيودًا على حمل السكاكين.

ومع ذلك يعتقد إيفانز أننا لن نرى ذلك يحدث؛ لأن الدقة المطلوبة لتصنيع تلك الأجهزة تجعل عملية صنعها مكلفة للغاية. وتوجد داخل وحدات الواجهة الأمامية لتلك الأجهزة مرآة للمسح الضوئي توجه الحرارة الواردة من الجسم عبر ثماني قنوات استشعار. وخلف كل قناة يوجد المزيد من الأجهزة الإلكترونية التي تقوم بتضخيم إشارة التيراهرتز وتبثها في محرك معالجة الفيديو الذي يرسم الصورة على شاشة الكمبيوتر المحمول. وتتطلب زيادة الدقة إضافة المزيد من القنوات، ويقول إيفانز إن هذه القنوات تمثل الجزء الأكبر من تكلفة الجهاز، وترتفع التكلفة مع زيادة عدد القنوات. ويضيف إيفانز أنه برغم ذلك فإن هناك عددًا أقل من المكونات الرئيسية المتاحة لهذا الجزء مقارنة بالترددات المنخفضة ذات الأطوال الموجية الأقصر مثل الرادارات العسكرية. وتُعَد الأنظمة التي تعمل بترددات أقل -كما يقول- "أدنى منزلةً؛ لأنها أكثر عرضةً للتداخل والتشويش من الأرضيات الرخامية، والجدران الزجاجية، والهواء الدافئ".

وفي النهاية: هل يمكن لهذه الأجهزة أن تجعل الأماكن العامة أكثر أمنًا؟ تختلف الآراء جذريًّا في هذا الصدد. فشناير، على سبيل المثال، من المشككين. يقول شناير: "لا يبدو الأمر منطقيًّا؛ لأن كل ما يفعله الجهاز هو إجبار المهاجم على إجراء تغييرات طفيفة على خططه". ويضيف قائلًا إنه يرى أن هذه التكنولوجيا بمنزلة خطوة نحو "عسكرة جهاز الشرطة". ويرد إيفانز على ذلك بقوله إن الماسحات الضوئية تُعَد بديلًا لترك وسائل النقل العام بلا حماية، أو لزيادة الحضور الشُّرَطي الظاهر في وقت حوَّل الإرهابيون فيه تركيزهم بعيدًا عن المطارات. ويضيف إيفانز: "إنها جزء من الحل. إننا لا نزعم أن تلك الأجهزة تمثل حلًّا شاملًا، وأي شخص يقول بذلك فهو يبالغ بإفراط في تقدير قيمة تلك التكنولوجيا". لكن فداحة المشكلة تجعل حتى ذلك الهدف شديد التواضع بمنزلة تحدٍّ. ويقول ستانلي: "يمكن تفجير قنبلة في أي مكان في مجتمع حر". ويضيف قائلًا: "متى وأين يستحق الأمر المقايضة إذًا؟ إن كثيرًا من العمليات الإرهابية لا تكون حقًّا شديدة الاهتمام بالهدف الذي تتم مهاجمته. فهل سنقوم بفحص كل شخص في كل مرة يلتقي فيها الناس معًا في مكان واحد؟".