يعتبر كثيرٌ من علماء الفيزياء نظرية الأوتار أفضل آمالنا في المزج بين فيزياء الكم والجاذبية، لتكوين نظريةٍ موحدة تفسر كل شيء. لكن هناك رأيًا مضادًّا، يرى أنَّ تلك النظرية في الواقع من مفاهيم العلوم الزائفة؛ لأنَّ اختبارها يبدو أمرًا مستحيلًا تقريبًا. والآن، يقول بعض العلماء إنَّنا ربما أصبحنا نملك طريقةً لاختبار النظرية، بفضل فرضيةٍ جديدة تضع نظرية الأوتار في مواجهة فكرة تمدد الكون.

أهم ما في الأمر هو السؤال التالي: هل يعرض لنا الكون كل أسراره الكمّية، أم يخفي بطريقةٍ ما تلك التفاصيل عن أعيننا الكلاسيكية؟ وذلك لأنَّه إذا كان من الممكن رؤية هذه التفاصيل، فربما لا تستطيع نظرية الأوتار تفسيرها.

إحدى الطرق الممكنة لاستبعاد نظرية الأوتار هي إثبات أنَّها عاجزةٌ عن التنبؤ بخاصيةٍ أساسية من خواص الكون. ويتضح بالفعل أنَّ النظرية تواجه مشكلةً على الدوام في وصف السردية الأشهر لما مر به الكون في اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم، وهي فكرة التمدد.

فحسبما تقول ماريلينا لوفردي، عالِمة الفيزياء في جامعة ستوني بروك: «فكرة تمدُّد الكون هي التفسير الأكثر إقناعًا لشكل كوننا الحالي ونشأة بنيته». إذ تفسر تلك الفكرة جزئيًّا كيف نشأ كلُّ شيءٍ في الكون من العدم، وتقضي بأنَّ الكون المبكر مر بمرحلةٍ من التوسع المفرط. وهذه العملية أدت إلى تضخيم بعض النقاط العشوائية في الفراغ الكمّي، وحولتها إلى ما نراه في الكون حولنا من مجراتٍ وأشياء أخرى.

لكن مع ذلك، وجد المنظرون صعوبةً في توضيح كيفية تحقُّق فكرة تمدُّد الكون في إطار نظرية الأوتار، أو ما إذا كانت تتحقق من الأساس. فالوسيلة الأفضل حتى الآن لفعل ذلك -والتي تُعرف باسم تفسير «كيه كيه إل تي» KKLT- لا تقنع الجميع. وعن ذلك يقول سوداساتوا براهما، عالِم الكونيات في جامعة ماكجيل: "الأمر يتوقف على مَن تطرح عليه السؤال. فهذا سؤالٌ يطرحه الكثيرون على أنفسهم منذ فترةٍ طويلة عن نظرية الأوتار: هل هي نظرية سليمة حقًّا؟".

وفي عام 2018، جمع عددٌ من منظري نظرية الأوتار مجموعةً من النتائج الدالة، وقالوا إنَّ هذه الصعوبة ربما تشير إلى استحالة تحقُّق فكرة تمدُّد الكون ضمن إطار النظرية. وهذه الفرضية، التي تُعرف باسم «مستنقع دي سيتر»، تزعم أنَّ أي نسخةٍ من مفهوم نظرية الأوتار يمكنها وصف «فضاء دي سيتر» -وهو مصطلح يُطلَق على الكون الذي نتوقع أنَّه خضع للتمدد- ستكون متسمةً بعيبٍ تقني، يضعها في "مستنقعٍ" من النظريات المرفوضة.

لم يثبت أي شخصٍ فرضية المستنقع هذه، وما زال عديدٌ من منظري نظرية الأوتار يتوقعون أنَّ الشكل النهائي للنظرية لن يتعارض بأي شكل مع فكرة تمدُّد الكون. لكنَّ الكثيرين يؤمنون بأنَّه رغم أنَّ الفرضية ربما لن تصمد دون تغيير، فإنَّ نسخةً قريبةً منها ستفعل. ويأمل براهما تنقيح فرضية المستنقع لتحويلها إلى فرضيةٍ لا تستبعد فكرة تمدد الكون بالكلية. وأضاف قائلًا: "ربما كان هناك مجالٌ لفكرة التمدد، لكن ينبغي لهذا التمدد أن يكون قد استغرق مدةً قصيرة للغاية".

وأيُّ حدٍّ يوضع على تمدد الكون سيتيح إمكانية استخدام بياناتٍ فعلية لاختبار نظرية الأوتار، لكنَّ أي اختبارٍ حاسم للنظرية يتطلب برهانًا على صحة الفرضية. ووفقًا لكامران وفا، عالِم الفيزياء بجامعة هارفارد، وأحد مؤلفي فرضية المستنقع، يمكن للباحثين البدء في دعم الفرضية إذا استطاعوا ربطها بالقوانين الفيزيائية الموثوق بصحتها. وأضاف وفا: "هناك مستويان لهذا: الأول الوثوق بدرجةٍ أكبر بالمبدأ، والثاني تفسيره".

وإحدى الطرق الممكنة لبناء تلك الثقة هي محاولة توضيح أي القواعد الفيزيائية يمكنها وضع حدٍّ لتمدد الكون، أو بعبارةٍ أخرى عملية أكثر: كيف يمكن لمنظري نظرية الأوتار أن يأملوا إقناع علماء الكونيات بإعادة النظر في واحدةٍ من نظرياتهم المفضلة؟

دفعت هذه الأسئلة وفا، ومعه أليك بيدرويا زميله في جامعة هارفارد، إلى البحث عن سببٍ فيزيائي يمكنه تسويغ صحة فرضية المستنقع. ووجدا ذلك السبب في مكانٍ غير متوقع. إذ اتضح أنَّ هناك معضلةً لم تُحل بعد في فكرة تمدد الكون؛ فالمنظرون لم يتفقوا جميعًا على ما يحل بأصغر التفاصيل الكمية عندما تحدث ظاهرة التمدد، وتُضخِّم من سكون الفراغ.

يفتقر علماء الفيزياء إلى نظريةٍ متماسكة تصف العالم دون مستوى المسافة المعروفة باسم «طول بلانك»، وهي مسافة شديدة الصغر يتوقع العلماء أن يظهر فيها الجانب الكمي للجاذبية. وقد اضطر أنصار فكرة التمدد عادةً إلى افتراض أنَّهم يومًا ما سيتمكنون من تضمين تفاصيل ذلك العالم "دون البلانكي" في فكرة التمدد، وأنَّ تلك التفاصيل لن تغير أيًّا من توقعاتهم بقدرٍ كبير. لكن ما زالت الكيفية التي ستتحقق بها هذه الخطوة غير معروفة.

وقد طرح وفا وبيدرويا إجابةً بسيطة للسؤال حول تلك الكيفية، مفادها أنَّ تلك الخطوة لن تتحقق بتاتًا. إذ تؤكد فرضيتهما الجديدة، المعروفة باسم «الرقابة ما دون البلانكية» Trans-Planckian Censorship، أنَّ الضبابية الكمية متناهية الصغر ينبغي لها أن تظل دائمًا كمّيةً ومتناهية الصغر، رغم تأثير التضخم الناتج عن تمدُّد الكون. وإذا كانت هذه الفكرة صحيحةً، فإنَّها تعني وجود حدودٍ لمدى التمدد الذي يمكن أن يحدث في الكون؛ لأنَّ إفراط الكون في التمدد سيؤدي إلى تضخمٍ زائد عن الحد في التفاصيل ما دون البلانكية.

لذا، وفي تطورٍ مفاجئ لنظرية الأوتار، أصبح يمكن للباحثين بالفعل أن يأملوا أن توفر السماء لهم بعض الإجابات. وفيما يتعلق بقدر التمدد الذي تعتبره فرضية الرقابة زائدًا عن الحد، يُعَد الموقف معقدًا بعض الشيء. إذ توجد نماذج عدة مختلفة لعملية التمدد الفعلية، وما زال علماء الفيزياء الفلكية يفتقرون إلى البيانات اللازمة لتأكيد أي تلك النماذج يصف بدقة كوننا الحالي، أو تأكيد الفكرة الأساسية لعملية التمدد ككل. وقد بدأ الباحثون في تقدير الحدود التي تضعها الفرضية الجديدة على النماذج العديدة لفكرة التمدد. وبعضها بطبيعته يتضمن طريقةً لإخفاء التفاصيل ما دون البلانكية، لكنَّ لوفردي تقول إنَّ عديدًا من تلك النماذج التقليدية يتعارض مع الفرضية.

وينبع واحدٌ من هذه التعارضات الواضحة من موجات الجاذبية الأولية. فهذه الموجات، التي يتوقع المنظرون أنَّها تظهر خلال مرحلة التمدد، كانت ستترك وراءها بصمةً غير واضحة في إشعاع الخلفية الكوني الميكروي، لكنَّها بصمةٌ مميزة في الوقت ذاته. وحتى الآن، لم تُرصد تلك الموجات، لكنَّ التلسكوبات تبحث عنها بنشاط. ووفق لوفردي، فإنَّ فرضية المراقبة لن تسمح إلا "بقدرٍ ضئيل مثير للسخرية ولا يمكن ملاحظته" من تلك الموجات، إلى درجة أنَّ أي إشارة إلى وجودها ستعني أنَّ الفرضية لا تنطبق على كوننا، ما لم يتمكن المنظرون من التوصل إلى تفسيرٍ مختلف لها.

لكنَّ وفا يرى أنَّه من المبكر اعتبار تلك الفرضية اختبارًا بالفعل لنظرية الأوتار. فمبادئها ما زالت مجرد فرضيات في الوقت الراهن. وأضاف: "كلما ربطنا أكثر بين هذه المبادئ، وتوصلنا إلى علاقاتٍ مفاجئة غير متوقعة، اقتنعنا أكثر بسبب صحتها".