استخدم باحثون من عدة جامعات في عام 2017 تقنية متقدمة معتمدة على الليزر للنفاذ إلى داخل عينات جليدية جوفية جرى سحبها من جبال الألب، وعثروا بداخلها على دلائل تشير إلى جائحة الموت الأسود.

أظهر سِجل العينات الجليدية الجوفية أنه في أثناء الألفي عام الماضية انخفضت المستويات السنوية للرصاص في الغلاف الجوي انخفاضًا مفاجئًا مرةً واحدةً فقط. كان ذلك في الفترة من عام 1349 إلى عام 1353، وهي الفترة التي تتزامن تقريبًا مع انتشار إحدى أسوأ الجوائح في التاريخ البشري، إذ قضى الطاعون الدبلي على ما بين ثلث ونصف سكان أوروبا. أدت هذه الأعداد الهائلة من الوفيات إلى انهيار النشاط الاقتصادي، بما في ذلك استخراج الرصاص وصهره. لقد نقص في هذه الفترة عدد جسيمات الرصاص التي كانت تسبح في الهواء ثم تستقر على الكتل الجليدية فوق جبال الألب، والتي ضغطها الثلج في طبقة جليدية تجسد السجل الخاص بكل سنة في هيئة عينة جليدية جوفية.

والآن نشهد جائحةً جديدةً تتفشى في أنحاء العالم. وتبين الدراسات الحديثة أن أنواعًا شتى من التلوث قد انخفضت انخفاضًا ملموسًا، تزامنًا مع انصراف الناس عن قيادة السيارات وتوقف الطائرات عن الطيران واستمرار غلق المصانع. لقد انخفض مستوى ثاني أكسيد النيتروجين المنبعث من المركبات بنسبة تتراوح بين 40% و60% في المدن الصينية، مقارنةً بفترة مشابهة من العام الماضي. كذلك هبطت تركيزات أول أكسيد الكربون فوق مدينة نيويورك إلى نصف المعدلات التي شهدها عام 2019. فضلًا عن ذلك، انخفضت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون حول العالم بمقدار 17% مقارنةً بما كانت عليه قبل عام مضى، وتشير التقديرات إلى أن عام 2020 يشهد أكبر انخفاض سنوي لهذه الانبعاثات، وهو انخفاض يقدر بحوالي ملياري طن، أو 5.5% من إجمالي الانبعاثات التي سُجلت عام 2019.

لكن هل تُعد هذه التغيرات الهائلة في إجمالي نواتجنا من الملوثات كبيرةً بما يكفي لتسجيلها في حلقات جذوع الأشجار والعينات الجليدية الجوفية والرواسب؟ هل ’سيتذكر‘ كوكب الأرض أزمة كوفيد-19؟

لو تخيلنا أن باحثًا يثقب الجليد ليفحص باطنه بعد مئة عام من الآن، فسوف تكون الأهباء الجوية هي المؤشر الذي سيعثر عليه في الغالب، وفق ما يقول بول مايِسكي، مدير معهد التغير المناخي بجامعة مين، والمؤلف الرئيسي للبحث المتعلق بجائحة الموت الأسود. الأهباء الجوية هي جسيمات متناهية الصغر يمكن أن تظل محلقةً في الجو أيامًا أو أسابيع قبل أن تهبط إلى الأرض. تنشأ جسيمات الملوِّثات -كجسيمات الرصاص والكادميوم والكبريت- من مداخن المصانع ومحطات توليد الطاقة وأنابيب عوادم المركبات وعمليات التعدين والصهر ومصادر أخرى.

"تستطيع العينات الجليدية الجوفية أن تعيد بناء الأهباء الجوية على نحوٍ يعكس تركيزها من شهر إلى شهر في بعض الحالات، ولهذا لا بد من أن تظهر الإشارات الدالة على كوفيد-19"، هذا ما يقوله كريستو بازرت، عالِم المناخ القديم في جامعة ولاية أرويجون، والمتخصص في دراسة العينات الجليدية الجوفية والتغيرات المناخية الفجائية. ومع الإغلاق الذي تشهده أجزاء كبرى من العالم الصناعي، والذي امتد ليصل إلى شهرين أو ثلاثة، واستمرار التباطؤ الاقتصادي العالمي، فإن انخفاضًا في ترسبات الكبريت أو الكادميوم في العينات الجليدية الجوفية يبدو محتملًا.

من أنواع الأهباء الجوية الأخرى، التي يقول بازرت إنها يمكن أن تظهر في العينات الجليدية الجوفية، السناج، وبالتحديد تلك الجسيمات المعلقة التي يبلغ قطر الواحدة منها 2.5 ميكرون أو أقل، والمعروفة باسم الجسيمات المعلقة 2.5 (PM2.5). تنشأ هذه الجسيمات أساسًا من محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم والغاز الطبيعي، وأيضًا من أنابيب عوادم المركبات ومداخن مواقد الطهي. وتسبب هذه الجسيمات أضرارًا على صحة الإنسان في العالم كله. وقد انخفضت مستويات PM2.5 فوق مدينة ووهان بالصين، التي يُعتقد أنها بؤرة ظهور الجائحة، بنسبة 44% في أثناء إغلاق المدينة. وفي الوقت نفسه، شهدت مدينة دلهي انخفاضًا قدره 60%، وفي لوس أنجلِس بلغ الانخفاض 31%.

لنفترض أن ثَمة عالمًا متخصصًا في المناخ القديم يعيش في عام 2120، فإنه من الراجح أن يعثر على دلائل للجائحة في حلقات جذوع الأشجار. ففي أثناء نمو الأشجار، تمتص الكبريت وأكاسيد النيتروجين والمعادن -مثل الكادميوم- التي تسقط من الغلاف الجوي لتترسب في التربة والماء. يستطيع العلماء باستخدام أجهزة القياس الطيفي للكتلة أن يحللوا كيف تتفاوت مستويات تلك المواد من عام إلى العام الذي يليه. ربما توفر حلقات جذوع الأشجار سجلًّا أفضل مما توفره العينات الجليدية الجوفية، وذلك لأن الأشجار توجد في أماكن أقرب كثيرًا إلى المدن والمراكز الصناعية بخلاف الكتل الجليدية. وتشير الدراسات إلى أنه حتى الجسيمات التي لا تظل عالقةً في الهواء إلا لفترات قصيرة من الوقت يمكنها أن تنتشر إلى مسافات بعيدة نوعًا ما، فعلى سبيل المثال يُعد احتراق الوقود الأحفوري في الولايات المتحدة وأوروبا مصدرًا أساسيًّا لحبيبات السناج التي تغطي الثلج والجليد في المنطقة القطبية الشمالية.

في الواقع يمكن أن تشمل العلامات الأخرى الدالة على الجائحة مستويات أعلى من المتوسط -لا أدنى منه- من مواد معينة. تعتقد كيم كوب -المتخصصة في المناخ القديم في معهد جيورجيا للتكنولوجيا- أن معدات الوقاية الشخصية (PPE) المصنوعة من البلاستيك التي نتخلص منها، والتي تمثل جبلًا متناميًا من البلاستيك، يمكن أن تظهر في الطبقات المترسبة في المجاري المائية. "من المحتمل أن تُشاهَد هذه الأدوات في دلتا الأنهار، وفي التسلسلات الرسوبية الساحلية، وفي بعض أنظمة البحيرات فيما أتصور، خصوصًا إذا كانت مجاورة للمدن الكبيرة"، هذا ما تقوله كوب. إن الأطنان الكثيرة من الأدوات البلاستيكية تجد طريقها بالفعل إلى هذه الرواسب، لكن إضافة مليارات القفازات والأقنعة والأشياء الأخرى التي تستخدم لمرة واحدة يمكن أن تشكل قفزة، مكونةً طبقةً أكثر سُمكًا -وربما أكثر تميزًا- دالةً على جائحة صاحَبَها إفراط في استخدام البلاستيك. وتضيف كوب: "ستصير هذه الطبقة علامة مميزة دالة على حقبة زمنية، وهو ما سيمثل أمرًا مبهرًا بالنسبة لعلماء الجيولوجيا في المستقبل".

لعل باحثًا جسورًا يعيش في عام 3020 يستطيع تمييز هذه الطبقة، بالنظر إلى الوقت الطويل الذي يستغرقه البلاستيك حتى يتحلل، وربما يجد باحث مختص بتحديد عمر الأشجار ضالَّته في دراسة سجل الأهباء الجوية في بعض الأشجار المعمرة. أما العينات الجليدية الجوفية فيمكنها بالتأكيد أن تحتفظ بعلاماتها، إذا قُدِّر لقليل من الكتل والصفائح الجليدية أن يظل موجودًا.

يمكن للجليد أن يروي الحكاية نفسها بعد مئة ألف سنة من الآن. إن أقدم العينات الجليدية الجوفية التي تكشف عن مناخنا القديم تمتد زمنيًّا لملايين السنين. يقول مايِسكي معلقًا: "العينات الجليدية الجوفية لا تكذب. إنها تسجل -على أفضل وجه ممكن- كل ما ينتقل في الغلاف الجوي".

غير أنه سيكون من الصعب رصد التغيرات ذات الصلة بالجائحة، في معدلات انبعاث ثاني أكسيد الكربون في كل هذه السجلات؛ فالغازات يجري تبادلها بين الغلاف الجوي والثلوج، إلى أن يتم ضغطها داخل الجليد. فإذا لم يستمر تناقص الانبعاثات سوى بضعة أشهر قبل أن تعاود الارتفاع، فمن المحتمل ألا تمثل هذه الفترة زمنًا كافيًا لإحداث تَغيُّر يمكن ملاحظته. أما إذا امتدت الجائحة وقتًا أطول مما نأمل، فسوف يتمكن الجليد بطبيعة الحال من تسجيل هذا التراجع.

ربما يتسنى للبشرية أن ترى في تقليل استخدام أنواع الوقود الأحفوري في أثناء هذه الجائحة فرصةً للتوقف بالفعل عن استخدام تلك الأنواع من الوقود، ومن ثم تصبح فرصة للتخفيف من آثار التغير المناخي بدرجة كبيرة. إذا صدرت هذه الاستجابة من جانبنا فربما يصبح عام 2020 في نهاية المطاف نقطة تحوُّل إلى حدٍّ ما. تقول كوب إنها تتخيل تصورًا مستقبليًّا "يمثل فيه عام 2020، بعد مرور آلاف السنين من الآن، العام الذي شهد ذروة الانبعاثات -ومن ثم الذروة في تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الجو- لأننا أدركنا قيمة العلم وأهمية مسؤوليتنا الجماعية تجاه بعضنا الآخر على هذا الكوكب الصغير".