يزداد انتشار مزارع الرياح حول العالم، وفي الولايات المتحدة وحدها ازدادت الطاقة المستمدة من الرياح ثلاثة أضعاف خلال العقد الأخير. ورغم أن هذا المنحى يُعدّ خبرًا سارًا للجهود الرامية إلى الحد من الانبعاثات الضارة والتغيّر المناخي، فإن بحوثًا متنامية تشير إلى أن توربينات الهواء تُحدث اختلالًا لا يستهان به في بيئتها المحلية، فقد سجَّل العلماء -على سبيل المثال- أن التوربينات تقتل مئات الآلاف من الطيور والخفافيش.

واكتشفت دراسة جديدة أن لطاقة الرياح تأثيرًا غير مباشر كذلك على النظم البيئية، عبر التغيّرات التي تسري خلال الشبكة الغذائية؛ فمثل النمور والقروش البيضاء الكبيرة والبشر، تستطيع توربينات الهواء أن تعمل عمل المفترسات القِمِّيَّة.

لكن الباحثين يُشدّدون على وجوب الاستمرار في استخدام طاقة الرياح رغم تأثيراتها البيئية، فعلى أي حال تتسبب أنواع الوقود الأحفوري في إرباك أعظم بكثير للبيئة، ويقول العلماء المعنيون إن أبحاثهم لا تهدف إلى انتقاد طاقة الرياح بل مساعدة الناس على اتخاذ قرارات مبنية على معرفة أفضل، فيما يتعلق بكيف وأين يستخدمون الطاقة النظيفة.

مفترسات القمة

تعمل مزارع الرياح في سلسلة جبال غاتس الغربية، وهو موقع زاخر بالتنوع الحيوي في الهند، طوال عقدين من الزمن تقريبًا. كان هذا الموقع بالنسبة للباحثة ماريا ثاكر وزملائها مكانًا ممتازًا لدراسة كيف تؤثّر التوربينات على النظام البيئي المحلي، وتوصلت دراستهم، التي نشرت الأسبوع الماضي في مجلة "نيتشر إيكولوجي آند إيفوليوشن" (Nature Ecology & Evolution)، إلى أن عدد الطيور قلَّ بمقدار أربع مرّات، وقلَّت كذلك معدلات بحثها عن الغذاء،  في المناطق التي توجد بها مزارع رياح مقارنة مع المناطق التي لا توجد بها تلك المزارع، لكن هذا لم يكن ناجمًا عن موت الطيور إثر اصطدامها بأذرع التوربينات بينما تحلّق، على حد قول الباحثين "أمكننا أن نشاهد الطيور وهي تأتي إلى حافة مزرعة الرياح ثم تطير مبتعدة"، هكذا صرَّحت ثاكر، أستاذة علم البيئة بمركز العلوم البيئية التابع للمعهد الهندي للعلوم، مضيفةً: "إنه فعلٌ يُقصَد به التجَنُّب مباشرةً".

تأثَّرت صحة عشيرة السحلية مروحية الحلق وحجمها، بسبب غياب الطيور قرب توربينات الرياح. Credit: Maria Thaker

قدَّرت ثاكر وفريقها بعد ذلك أعداد نوع معين من السحالي التي تتخذها الطيور عادةً فرائس. وتولّى أعضاء الفريق إحصاء السحالي، وأخْذ عينات من دمائها لقياس مستويات الضغوط التي تتعرض لها، وتحليل حالة الجسم وتَلوُّن الجلد. (تتمتع الذكور بثنية جلدية زاهية اللون تتدلى أسفل الفكين، وتستخدم في التواصل الجنسي). سجَّل العلماء أيضًا حساسية تلك السحالي للمفترسات، والتي تقاس بالمسافة التي يمكن للباحثين أن يقتربوا منها دون أن تفرّ مبتعدة.

كما كان متوقعًا، وجد الباحثون أعدادًا أكبر من السحالي في المناطق التي توجد فيها توربينات هوائية، لأن تلك المناطق تحوي عددًا أقل من الطيور "كنا نتوقع بالفعل أنه عند وجود نقص في مفترسات القمة، ستزداد كثافة الفرائس"، حسبما صرّحت ثاكر. كانت هذه السحالي أيضًا أقل حذرًا تجاه المفترسات، ومستويات الضغوط عندها أقل من نظيراتها خارج نطاق التوربينات.

غير أن بقية نتائج الفريق لم تكن متوقعة، فعلى الرغم من أن السحالي التي تعيش في منطقة التوربينات تعرَّضت لضغط أقل من المفترسات، كانت أجسامها أكثر نحولًا وألوانها أقل لمعانًا مقارنة بالسحالي من نوعها التي تعيش في مناطق أخرى. ربما يبدو ذلك مجافيًا للمنطق، لكن ثاكر تزعم أنه معقول من الناحية البيئية، مشيرة إلى أن "المنافسة الشديدة على الغذاء تؤدي بالفعل إلى تدني نوعية الحيوان الفرد"، ثم أضافت: "ذلك هو الفارق الدقيق الناتج عن إبعاد المفترس القِمِّي".

وبعيدًا عن كيف تؤثر توربينات الرياح على هذا النوع من السحالي، تتطرق الدراسة إلى نقطة أهم، فهي تشير إلى أن مزارع الرياح يمكن أن تخلق سلسلة من التأثيرات غير المقصودة داخل نظام بيئي، عبر اضطلاعها بدور يشبه دور المفترسات القِمِّية.

تقول ثاكر: "لقد أزاح هذا الكيان الذي صنعه البشر طبقة من الشبكة الغذائية، وذلك ما يفعله المفترس القِمِّي، إذ يزيح الطبقة الواقعة تحته في الشبكة"، ثم تضيف: "تؤدِّي إزاحة المفترس القمّي للطبقة الواقعة تحته إلى تحرير الطبقة الواقعة أسفل الطبقة المزاحة من الضغوط".

يمكن لهذا التأثير، في حالة سلسلة جبال غاتس الغربية، أن يتفاقم متجاوزًا السحالي، فيصل إلى الحشرات التي تتغذَّى عليها تلك السحالي والنباتات المرتبطة بالشبكة الغذائية المحلية. وتقول ثاكر إن توربينات الرياح يحتمل كونها قادرة على إحداث هذه التأثير المتسلسل في أنظمة بيئية أخرى في أنحاء كوكب الأرض، خصوصًا الأنظمة البيئية ذات الشبكات الغذائية الأبسط.

تبعات الطاقة النظيفة

هذه التأثيرات البيئية ليست سوى طريقة واحدة يمكن بها لمزَارع الرياح أن تُربِك البيئة، وأوضح العلامات الدالة على الاضطراب، والتي ظهرت قبل سنوات، هي الأعداد الضخمة من الطيور والخفافيش التي قتلها التصادم مع توربينات الرياح أو تغيرات ضغط الهواء المصاحبة لعمل التوربينات.

ويُعتقد أن التوربينات تقتل ما بين 140 ألفًا و500 ألف طائر كل عام في الولايات المتحدة، أما التقديرات الخاصة بالخفافيش فأعلى، إذ قَدّرت إحدى الدراسات إجمالي وفيات الخفافيش، على امتداد الولايات المتحدة، بما يتراوح بين 651 ألفًا و888 ألفًا سنويًا، تبدو هذه الأرقام صغيرة نسبيًّا بالتأكيد إذا قورنت بعدد الطيور التي تموت إثر اصطدامها بالمباني، الذي يتراوح بين 365 مليونًا و988 مليونًا تقريبًا كل عام في الولايات المتحدة وحدها. وطبقًا لإحدى الدراسات فإن محطات توليد الطاقة التي تعمل بالوقود الأحفوري تقتل قرابة 24 مليون طائر سنويًّا.

إضافة إلى الاصطدامات المباشرة، لاحظ العلماء أيضًا تأثيرات أخرى غير مباشرة، مثل طرد عدة أنواع من الطيور من أماكن معيشتها إلى أماكن أخرى بفعل توربينات الرياح. وحسبما تُصرّح ثاكر، توجد كذلك أدلة على أن بعض الثدييات تتجنَّب المناطق التي توجد بها توربينات رياح أو تعاني من مستويات ضغوط أعلى بالقرب منها.

ويقول سكوت لوس، الأستاذ المساعد في مجال علم بيئة وإدارة التغيرات العالمية بجامعة ولاية أوكلاهوما، والذي لم يشارك في الدراسة: "نعلم بوجود طائفة عريضة من التأثيرات الضارة أو السلبية لمزَارع الرياح على الحياة البرية". وقد تمتدّ تلك التأثيرات أيضًا على نطاق بيئي أوسع، إذ ينوه تود كاتسنر، الباحث المتخصص في بيولوجيا الحياة البرية لدى هيئة المسح الجيولوجي بالولايات المتحدة، والذي لم يشارك في الدراسة، بأنّ "توربينات الرياح تُجزّئ (الأراضي)، وتغيّر المشهد الصوتي والحيز الهوائي، ويمكن أن تُغيّر مقدار النشاط البشري، وكل هذه الأمور يمكن أن تُغيّر البيئة الطبيعية". كذلك توصّلت دراسات إلى أن التوربينات يمكن أن تغيّر درجة الحرارة المحلية، عبر خلط طبقات الغلاف الجوي.

لكن بعض الخبراء يقولون إن الدراسة الأخيرة التي أجرتها ثاكر وفريقها تدفع البحوث الخاصة بتأثيرات طاقة الرياح إلى اتجاه جديد ومثير. يقول لوس: "هذه الدراسة رائعة حقًّا من حيث كونها الأولى بحسب علمي، التي تشير إلى تأثير يمتد عبر أكثر من مستوى (في السلسلة الغذائية)". يُؤَمِّن كاتسنر على رأي لوس، قائلًا: "يلفت هؤلاء الباحثون النظر إلى موضوع مهم حقًّا، لا نعرف عنه  الكثير". ويضيف: "يمكن أن تكون لهذه الدراسة تبعات مهمة على فهمنا لتأثيرات طاقة الرياح على الأنواع المنفردة، وعلى ديناميكيات العشائر على مستوى المجتمعات الحيوية".

لكن ثاكر تُشدّد، ومعها الخبراء من خارج فريقها، أنَّ هذه النتائج لا ينبغي أن تدفعنا إلى شَيطِنة طاقة الرياح، أو الاستغناء عنها. وينوّه كاتسنر بأن "كل أنواع استخلاص الطاقة لها تبعاتها البيئية". كذلك فإن طاقة الرياح لها فوائد بيئية مهمة، فعلى سبيل المثال: لا يحتاج تشغيل التوربينات إلى الماء ولا تصاحبه انبعاث الغازات الدفيئة.

وتقول ثاكر إنها لا تزال تدعم الطاقة النظيفة في مقابل أنواع الوقود الأحفوري، لأن التغيّر المناخي يمثل تهديدًا للأنواع والأنظمة البيئية حول العالم "لا أقترح بأي حال التوقف عن استخدام الطاقة النظيفة"، هذا ما تقوله ثاكر، والتي تضيف: "هذه ليست رسالة بحثي".

تقترح ثاكر، بدلًا من ذلك، أن يأخذ صنّاع القرار في اعتبارهم جِديًّا التأثيرات البيئية لطاقة الرياح عندما يحدّدون مكان إقامة التوربينات: "يجب أن تُبنى مزَارع الرياح الجديدة تحديدًا في بيئات ليست فريدة من نوعها، وليست ثرية في تنوعها الحيوي، ومن ثمَّ يمكننا تقليل التأثيرات الضارة إلى أقل مستوى". وتضيف: "يجب ألا نتعامى عن حقيقة وجود تأثيرات سلبية لطاقة الرياح".