ملاحظة من المحرر (بتاريخ 3/1/2019): في الثالث من يناير، هبطت مركبة الإنزال "تشانج إي-4" Chang’e-4 بالقرب من مركز فوهة "فون كارمان" Von Kármán على الجانب البعيد من القمر، ثم أرسلت مركبتها الجوَّالة، التي تٌدعى "يوتو 2" Yutu 2. وبنجاح إطلاق مركبة "يوتو 2"، يكون لدى الصين الآن مركبتان فضائيتان تعملان على القمر، إذ إن مركبة الإنزال "تشانج إي 3" Chang’e-3 لا تزال تعمل على الجانب القريب من القمر.

تقف الصين مرة أخرى على أعتاب سبق تاريخي في استكشافها لقمر الأرض بخطى سريعة.

بعد أن أرسلت الصين ثلاث بعثات سابقة إلى القمر بداية من عام 2007 -بما فيها البعثة التي حملت أول مركبة إنزال ومركبة جوالة لها على الإطلاق- بدأت الصين آخر غزواتها القمرية في الساعات الأولى يوم 8 من ديسمبر عام 2018، عندما انطلق صاروخ من نوع "لونج مارش-3 بي" Long March-3B من "مركز إطلاق الأقمار الصناعية سيتشانج" Xichang Satellite Launch Center الواقع في جنوب غرب مقاطعة سيتشوان الصينية، حاملًا على متنه مركبة الفضاء "تشانج إي-4" Chang’e-4 -المكونة من مركبة إنزال ومركبة جوالة- مستهدفة الجانب البعيد من القمر، وهو نصف القمر الذي لا يواجه الأرض مطلقًا.

لم تحقق أي مركبة فضائية هبوطًا سلسًا هناك من قبل، رغم أن مسبار وكالة الفضاء الأمريكية ناسا المسمّى "رينجر 4" تحطَّم على ذلك الجانب البعيد عام 1962.

بعد إطلاق المركبة وقضاء أربعة أيام ونصف في رحلتها إلى القمر، دفعت مركبة "تشانج إي-4" نفسها في مدار بيضاوي حول القمر في انتظار موعدها مع القدر، لم يعلن المسؤولون الصينيون موعد محاولة "تشانج إي-4" الهبوط، ولكن أغلب الخبراء يعتقدون أن الهبوط لن يحدث قبل بدايات شهر يناير عام 2019، بالتزامن مع بداية فترة زمنية مقدارها 14 يومًا تقريبًا يتعرّض خلالها الجانب البعيد من القمر لقدر وافر من أشعة الشمس اللازمة للمصفوفات الشمسية الموجودة على متن المركبة الفضائية.

وفوّهة "فون كارمان" هي الموقع المزمع لهبوط المركبة، وهي عبارة عن فوهة صدمية تقع بداخل فوهة صدمية أكبر حجمًا تٌدعى "حوض أيتكين في القطب الجنوبي" على الجانب البعيد للقمر، وهذا الحوض أقدم وأكبر أثر تصادمي على سطح القمر.

التحليل العلمي للجانب البعيد

يقول مارك روبينسون، وهو عالم في مجال علوم الكواكب بجامعة ولاية أريزونا والباحث الرئيسي في مهمة "كاميرا مستكشف القمر المداري" Lunar Reconnaissance Orbiter Camera (LROC)  التابعة لناسا: "مقارنة بالجانب القريب، نحن لا نعلم إلا أقلّ القليل عن الجانب البعيد للقمر من نواح عديدة".

يراود روبينسون -والعديد من علماء القمر في الولايات المتحدة- أملٌ في أن يحالف "تشانج إي-4" الحظ بما يكفي للهبوط بالقرب من منطقة "البحار" Mare الغامضة على الجانب البعيد من القمر، وهي منطقة من الترسّبات الغنية بالبازلت، تتألّف من حِمم قديمة بردت درجة حرارتها وتوجد بوفرة في الجانب القريب من القمر، وإن كانت أقل كثيرًا في الجانب البعيد منه، ويأتي اسمها Mare من الكلمة اللاتينية التي تعني "البحر"، وكان الفلكيون منذ قرون مضت يظنّون أنّها بحار، نظرًا إلى لونها الداكن.

صرَّح روبينسون لساينتفك أمريكان قائلًا: "ليست لدينا عيّنة موثّقة لبحر قمري على الجانب البعيد، لذا ستكون هذه نظرة أُولى"، وأضاف أن البازلت في بحار القمر يقدم لنا أفضل نظرة لتكوين القمر بوجه عام وعلى وشاحه الغامض أيضًا -الطبقة الواقعة بين اللب والقشرة- لذا فإن الوصف التفصيلي لبحار الجانب البعيد من القمر يمكن أن يسمح للعلماء بمعرفة السبب الذي يجعل الجانبين -القريب والبعيد للقمر- يبدوان مختلفين تمام الاختلاف، إضافة إلى أمور أخرى.

يقول روبينسون إنه بعد هبوط "تشانج إي-4" ستكون كاميرا مستكشف القمر المداري LROC التابعة لوكالة ناسا قادرة على تحديد موقع المركبة الفضائية الصينية بوضوح بعد الهبوط، ويضيف: "سوف نكون قادرين على التعرف إلى مركبة الإنزال وآثار المركبة الجوالة، إن لم يكن المركبة ذاتها".

القوة الناعمة

يقول جيم هيد -عالم كواكب بارز في جامعة براون في بروفيدنس، روج آيلاند- إن بعثة "تشانج إي-4"  دليل آخر على نظرة الصين إلى القمر، ليس فقط باعتباره جسمًا مثيرًا للاهتمام العلمي، ولكن أيضًا كأحد الأصول الاستراتيجية المهمة في مسيرة الصين الطويلة لتصبح قوة عظمى عالمية جديدة.

يقول هيد: "جميع الدول التي ترتاد الفضاء تُوجِّه أنظارها نحو القمر، لأسباب تتعلق بالفخر الوطني –أي كيف ينظرون إلى أنفسهم كدولة- والمكانة -كيف ينظر إليهم الآخرون- علاوة على ذلك، كما حدث في سباق الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، فإن النجاح في استكشاف الفضاء يٌعد دليلًا واضحًا على "القوة الناعمة"، وهى القدرة على إظهار البراعة والقيادة التكنولوجية بطريقة سلمية لا تنطوي على تهديد".

ويضيف: "من الواضح أن الصين أصبحت في طليعة الاهتمام الدولي المتجدد بالاستكشاف الآلي والبشري للقمر".

في حالة الصين، يتمثل جزء من قوتها التكنولوجية المرتبطة بغزو الجانب البعيد من القمر في قمرها الصناعي Queqiao، والذي أُطلِقَ في مايو عام 2018 ليعمل كمحطة اتصال للمركبة "تشانج إي-4"، فنظرًا إلى أن جسم القمر يحجب الإشارات الراديوية الأرضية من وإلى الجانب البعيد، فإن قمرًا صناعيًا مثل Queqiao سيكون الوحيد القادر على نقل البيانات في الوقت الحقيقي تقريبًا بين المركبة الفضائية ووحدات التحكم الأرضية الخاصة بها. يقول هيد إنه ينبغي ألا ننظر إلى Queqiao باعتباره بعثة دعم تُستخدم لمرة واحدة، وإنما كأوّل أجزاء "بنية تحتية عالمية للاتصالات ببعثات الاستكشاف القمرية".

أما فيما يتعلّق بما يتمنّى هيد أن تكتشفه بعثة "تشانج إي-4"، فإنه يشير إلى أن أي بعثة موجّهة إلى الجانب البعيد من القمر موجّهة في الأساس إلى منطقة "لونا إنكوجنيتا" المستترة المجهولة، ومن ثم فإنها ستؤدي حتمًا إلى اكتشافات جديدة.

يقول: "الاستكشاف هو تقصّي المجهول، وإثبات أننا قادرون على الهبوط على الجانب البعيد من القمر واستكشافه، خاصة "حوض أيتكين في القطب الجنوبي"، يٌعد انجازًا كبيرًا، وأولى الخطوات، وموطئ قدم للبشرية على "قارة" جديدة، إن التنبؤ بنتائج استكشاف المجهول أمر صعب، تمامًا كمحاولة التنبؤ بالمستقبل؛ وهذا هو السبب الذي يجعلنا نقوم بالاستكشاف".

وماذا بعد؟

إذا سار كلُّ شيء وفقًا للخطة الموضوعة، فإن بعثة "تشانج إي-5" سوف تتبع بعثة "تشانج إي-4"، ومن المزمع إطلاقها أواخر عام 2019، وستمثل "تشانج إي-5" ثاني بعثات الصين لاستكشاف الجانب القريب من القمر، وستحاول جلب عيناتٍ من منطقة "مونس رومكر" Mons Rümker الواقعة في "محيط العواصف" Oceanus Procellarum، وهي مساحة شاسعة من البحار القمرية تقع في الشمال الغربي من الجانب القريب من القمر.

في الوقت نفسه، تمتلك دول أخرى خططًا استكشافية خاصة بها، فمن المقرر إطلاق مركبة الإنزال القمرية الهندية "تشاندرايان-2" أوائل عام 2019، كما أعلنتْ روسيا نيَّتها إرسال بعثة آلية إلى القمر في غضون السنوات الخمس المقبلة.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وبتحفيز من إدارة ترامب المؤيدة لبعثات القمر، تخطط ناسا لإطلاق بعثة "البوابة" The Gateway، وهى محطة فضائية تدور حول القمر وعلى متنها رواد فضاء، إضافة إلى برنامج "خدمات الحمولات القمرية التجارية" Commercial Lunar Payload Services (CLPS) بالشراكة بين القطاعين العام والخاص من أجل الاعتماد على القطاع الخاص لتوفير خدمة نقل من وإلى سطح القمر لحمولات مختارة.

يقول هيد: "يوفِّر برنامج CLPS تحديدًا العديد من المنصات والإمكانات للوصول إلى القمر من خلال فرص وشراكات تجارية، وهي أساسية من أجل تسريع الابتكار ورحلات الفضاء، وسيكون من المثير للاهتمام مقارنة نتائج نهجي الولايات المتحدة والصين خلال السنوات القليلة القادمة".

التعاون أم المنافسة؟

يقول جون لوجسدون، الأستاذ الفخري للعلوم السياسية والشؤون الدولية في "معهد سياسات الفضاء" بجامعة جورج واشنطن، إن الوقت قد حان للتعاون وليس المنافسة، لإعطاء دفعة عالمية جديدة لاستكشاف القمر.

ويتابع: "مركبة الإنزال الصينية على الجانب البعيد من القمر هي الخطوة التالية في برنامج البلاد المخطط له منذ فترة طويلة لاستكشاف القمر، وبينما تعدّ الولايات المتحدة الأمريكية حملتها الخاصة لاستكشاف القمر، ليس من المنطقي من وجهة نظري أن تُستبعد الإنجازات الصينية من نهج متكامل لمعرفة المزيد عن القمر".

ويضيف: "بدلًا من رؤية بعثة "تشانج إي-4" على أنها منافسة وتهديد لزعامة الولايات المتحدة في هذا المجال، ربما كان على الكونجرس الجديد أن يسمح لناسا بالتعاون مع الصين، وكذلك غيرها من شركاء ارتياد الفضاء في جهود استكشافية عالمية بحق".

وجدير بالذكر أنه في عام 2011، أصدر الكونجرس تشريعات تحظر على ناسا أي تنسيق ثنائي مع الصين.

وفقًا لمارشا سميث، الخبيرة في سياسات الفضاء ورئيس تحرير موقع SpacePolicyOnline.com، من وجهة نظر علمية، فإن اهتمام الصين بدراسة القمر يتناغم مع الاهتمام المتجدد لوكالة ناسا بكل ما هو متعلق بالقمر.

وتشير مارشا إلى أن بعثة "تشانج إي-4" تضم عددًا من الشركاء الدوليين من هولندا وألمانيا والسويد والمملكة العربية السعودية، وتسعى ناسا أيضًا إلى ضم شركاء لبرنامجها القمري، ولكنها مضطرة لاستبعاد الصين نتيجة الحظر التشريعي الصادر من الكونجرس.

جيوبوليتيكا قمرية

تقول سميث: "من المؤكد أن الوضع الجيوبوليتيكي مع الصين حساس، لكن الشيء نفسه ينطبق على روسيا، ومع ذلك فإن ناسا وروسيا تتمتَّعان بتعاون فضائي واسع النطاق يعتبر استثناءً للعلاقة المتوترة على أصعدة أخرى".

لذا فإن السؤال المتعلِّق بسياسات القمر الأمريكية–الصينية الذي يلوح في الأفق هو: إذا كان مسموحًا لوكالة ناسا بالتعاون مع روسيا لتحقيق أهداف فضائية مدنية مشتركة، فلم لا يُسمح بهذا مع الصين أيضًا؟

تقول سميث: "تتوق وكالة ناسا إلى وضع عاكسات رجعية ليزرية على أي مركبة فضائية تهبط على القمر. وربما يكون وضع أحد هذه العاكسات على متن "تشانج إي-5" هو الخطوة الأولى".

وتشير سميث إلى أن حظر الكونجرس ليس كاملًا؛ فالصياغة اللغوية للقانون الذي يقيِّد التعاون الثنائي تنصّ على أن الكونجرس يجب أن يوافق مسبقًا على أي شيء تفعله ناسا بالتعاون مع الصين. تقول سميث: "لذا يمكن أن يكون الحل الوسط هو الحفاظ على صياغة القانون، ولكن مع تشجيع ناسا على اتخاذ الخطوة الأولى، مثل العاكسات الرجعية لليزر أو أي مشروع علمي صغير آخر، ولنرَ ماذا سيحدث".