بعد مرور أكثر من 30 عامًا على اكتشاف العلماء أن فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) هو السبب في الإصابة بمرض الإيدز، لم نستطع بعدُ التوصل إلى لقاح فعال لمحاربة ذلك الفيروس. ثمة مجموعة من العقاقير التي بإمكانها إبقاء العدوى تحت السيطرة لعدة عقود من الزمان، ولكن سيظل التوصل إلى لقاح يمنع الإصابة بالفيروس من الأساس هو السلاح الأفضل –ولا سيما في الدول النامية، حيث إن تكاليف الأدوية وغيرها من العوامل يمكن أن تجعل العلاج الفعال بعيدًا عن متناول الكثيرين. من دون علاج، عادةً ما تعمل الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية في صمت، وتتحول تدريجيًّا إلى الإيدز وتتسبب في الوفاة على مدار عدة سنوات.

لم يكن التأخر الطويل في تطوير اللقاح بسبب قلة المحاولات أو حتى بسبب نقص التمويل. المشكلة هي أن فيروس نقص المناعة البشرية لا يشبه أيًّا من الفيروسات الأخرى التي سبق للعلماء التصدي لها في أي وقت مضى. لكي يعمل أي لقاح مضاد للفيروسات، فإنه يتعين عليه تحفيز الجهاز المناعي لمهاجمة الفيروس وتدميره قبل أن يغزو الخلايا وينتشر في جميع أنحاء الجسم. بيد أن فيروس نقص المناعة البشرية قد طور العديد من الدفاعات ضد الجهاز المناعي البشري؛ إذ يعمل على قتل أو إتلاف الخلايا المناعية الأساسية التي من المفترض أن تنسق استجابة الجسم ضدها. كما أن هذا الفيروس يجيد التخفي والتنكر بشكل لا يضاهيه فيه أي فيروس آخر، حتى أنه إلى اليوم أحبط جهود مصنعي اللقاحات لتعليم الجسم كيفية التعرف على أشكاله المختلفة بسرعة ومنعها من إصابة البشر.

مؤخرًا، تمكنَّا نحن الثلاثة وزملاؤنا بعد قرابة عقدين من المحاولات، من تخليق بروتين اصطناعي من شأنه أن يساعد في التغلب على الصعوبات التي واجهت مصنعي اللقاحات في الماضي. ولقد أثبتنا أن هذا الجزيء يمكن أن يثير استجابة قوية لفيروس نقص المناعة البشرية في الحيوانات. وليكون هذا الجزيء بمنزلة الأساس لإنتاج لقاح للبشر، سوف يحتاج إلى تعديل لكي يصبح أكثر قوة، وقادرًا على منع الإصابة بطائفة أكبر من السلالات الفيروسية. وهذا العمل سيستغرق بعض الوقت، غير أن المختبر الذي نعمل به وغيره من المختبرات تسعى بالفعل للتعامل مع ما تبقى من التحديات للتغلب عليها، ونشعر بالتفاؤل بأننا على الدرب الصحيح أخيرًا.

الرؤية

يعمل البروتين الذي قمنا بتصنيعه على محاكاة بروتين الفيروس الذي يُسمى "الغلاف" (Env) بكفاءة وإتقان أكثر مما كان ممكنًا في أي وقت مضى. يرتفع غلاف الفيروس من سطح فيروس نقص المناعة البشرية مثل الشوكة، ويمكِّن الفيروس من الدخول إلى خلايا الجهاز المناعي المعروفة باسم الخلايا الليمفاوية التائية +CD4. تتواصل هذه الخلايا التائية عادةً مع أجزاء أخرى من الجهاز المناعي من خلال بروتينات مختلفة –تتضمن بروتينين يُطلق عليهما CD4 وCCR5– تومض أسطحها الخارجية مثل أبراج الإشارات على سور حصن. وعندما يحاول فيروس نقص المناعة البشرية اقتحام الخلايا المناعية، يعلق أحد بروتينات الغلاف الخاصة به أولًا على بروتين CD4، مما يسمح له بعدئذٍ بالارتباط ببروتين CCR5 كذلك. وبعد ذلك، يلتفُّ بروتين الغلاف ويعيد ترتيب نفسه بحيث تلتحم الأغشية الخارجية للفيروس والخلية المناعية معًا. وبينما تلتحم الأغشية، يطلق الفيروس جيناته في الخلية، وهو ما يؤدي إلى إنتاج مليارات النسخ من الفيروس؛ وهذه الجسيمات الفيروسية بدورها تنطلق إلى خارج الخلية وتنتشر إلى خلايا أخرى، حيث تتكرر عملية العدوى.

لطالما حلم الباحثون بمنع الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية من خلال منع مناورات بروتين الغلاف. ويتمثل النهج الأكثر منطقية في "تعليم" الجهاز المناعي في الجسم إنتاج جزيئات تسمى الأجسام المضادة، من شأنها أن تتعرف -على وجه التحديد- بروتينَ الغلاف على فيروس نقص المناعة البشرية وتلتصق به. ومن الناحية النظرية، سوف يكون لهذه الأجسام المضادة تأثيران إيجابيان؛ إذ إنها ستشكل حاجزًا يمنع فيروس نقص المناعة البشرية من الالتصاق بالبروتينين CD4 وCCR5 وبالتالي من الدخول إلى خلايا +CD4 التائية، وتكفل تدمير الفيروس أو إزالته بواسطة الأجزاء المختلفة من الجهاز المناعي. يعمل النهج نفسه على نحو جيد في حالة اللقاحات ضد الفيروسات الأخرى، مثل التهاب الكبد الوبائي ب؛ إذ يجري إنتاج بروتين من سطح الفيروس في المختبر عن طريق الهندسة الوراثية، وعندما يُحقن في جسم شخص ما، فإن مثل هذه البروتينات لا يمكنها أن تسبب المرض بنفسها (نظرًا لعدم وجود بقية أجزاء الفيروس)، ولكن يمكنها تحفيز الجهاز المناعي لزيادة الأجسام المضادة التي سوف تتوجه إلى أي فيروس غازي يُظهر نفس البروتينات أو بروتينات متشابهة وتدمره.

ولسوء الحظ، لا يجدي النهج القياسي في تطوير اللقاحات نفعًا مع فيروس نقص المناعة البشرية؛ لأن بروتينات الغلاف لديه تنهار بمجرد فصلها عن الفيروسات السليمة. ويشمل هذا الوحدة الفرعية جليكوبروتين 120 (gp120) (وهي ذلك الجزء من بروتين الغلاف الذي يلتصق بخلايا CD4) والوحدة الفرعية جليكوبروتين 41 (gp41)، التي تثبت بروتين الغلاف في الغشاء الفيروسي، وبعد ذلك تسهل اندماج الأغشية الفيروسية وأغشية الخلايا المناعية.

قد تعتقد أن نزوع بروتين الغلاف إلى الانهيار لن يمثل مشكلة كبيرة. ففي نهاية المطاف، لا يمكن أن يصيب الفيروس خلية دون أن يلتصق الجليكوبروتين 120 ببروتين إشارة خلية CD4، ويمكن للجهاز المناعي تكوين أجسام مضادة ضد جزيئات الجليكوبروتين 120 المنفردة، وهو ما يفعله حقًّا. في الواقع، حاول الباحثون على مدار سنوات إنتاج لقاح للفيروس باستخدام الوحدات الفرعية جليكوبروتين 120 دون أن تكلل محاولاتهم بالنجاح (ولا يزال البعض يحاول حتى الآن). وقد تبين أن الأجسام المضادة التي تُكوَّن لمواجهة بروتينات الجليكوبروتين 120 المنفردة لا تحفز استجابة مناعية قوية ضد الفيروس الذي يصيب البشر. على النقيض من ذلك، تشير الدراسات الخاصة بجميع بروتينات الغلاف إلى أن الأجسام المضادة لها أكثر فاعلية بكثير في استهداف فيروس نقص المناعة البشرية من أجل تدميره.

وأخيرًا، في عام 1998، قرر أحدنا (جون بي. مور) أن إنتاج لقاح ناجح سيتطلب على الأرجح التخلي عن طريق الجليكوبروتين 120، والتركيز على صنع لقاح قائم على بروتين الغلاف الكامل. والحقيقة أن صناعة مثل هذا اللقاح ستكون صعبة للعديد من الأسباب، أبرزها أن كل بروتين غلاف معقد؛ إذ إنه ثلاثي الوحدات يتألف من ثلاث نسخ من مكونات الجليكوبروتين 120 والجليكوبروتين 41. ثم انضم ساندرز إلى مور في محاولاته بعد ذلك بوقت قصير، تلاه بعد فترة وجيزة المؤلف المشارك الآخر ويلسون.

 

 

تحديات متعددة

لمنع الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، فإن أي لقاح -بما في ذلك اللقاح القائم على أبحاثنا- سيتعين عليه التصدي للعديد من التحديات. مبدئيًّا، سينبغي عليه أن يحفز الجهاز المناعي لإنتاج أنواع معينة من الأجسام المضادة. والأجسام المضادة الأكثر فاعلية هي تلك التي تتعرف على الفيروس السليم (في حالة فيروس نقص المناعة البشرية، على وجه التحديد عن طريق التوجه صوب بروتين الغلاف) والتي ترتبط به بطريقة تمنع ذلك الفيروس من دخول الخلية. يُطلق الباحثون على هذه الجزيئات الدفاعية الجوهرية الأجسام المضادة المعادلة؛ لأنها تبطل قدرة الفيروس على العدوى.

وعلى أية حال، لمنع العدوى في جميع أنحاء العالم، فإننا لا نستطيع إثارة أي نوع قديم من الأجسام المضادة المعادلة؛ بل إننا بحاجة إلى أجسام مضادة معادلة "نشطة على نطاق واسع"؛ أي قادرة على تعرُّف العديد من الأشكال المختلفة من بروتينات الغلاف ومنعها من استخدام خلايا CD4 وCCR5 لدخول الخلايا المناعية. من المفترض أن تكون الأجسام المضادة المعادلة المثالية موجهة نحو أجزاء من بروتين الغلاف لا تختلف كثيرًا بين السلالات الفيروسية. وإذا أمكن ذلك، فإن إنتاج أجسام مضادة معادلة نشطة على نطاق واسع ضد عدة أجزاء مختلفة من الغلاف سيكون استراتيجية أفضل.

كما يريد الباحثون أيضًا أن تتفاعل الأجسام المضادة التي يثيرها اللقاح مع بروتين الغلاف، رغم أنه مغطى بطبقة سميكة على نحو غير معتاد من السكريات التي تحجب فيروس نقص المناعة البشرية عن أعين الجهاز المناعي. وفي حالة الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية وعدم تلقي علاج، ينجح الجهاز المناعي في إثارة استجابة (تتضمن تكوين أجسام مضادة معادلة) تحد من تكاثر الفيروس لسنوات، لكن هذه الاستجابة تكون أبطأ وأضعف من أن تؤدي إلى القضاء على فيروس نقص المناعة البشرية تمامًا. ويمكن أن يستغرق الجسم شهورًا أو سنوات لمعرفة كيف يمكنه تصنيع الأجسام المضادة المعادلة التي تتجاوز أو تتعرف على سكريات تمويه فيروس نقص المناعة البشرية. وفي غضون ذلك، فإن الفيروس يدمر المزيد والمزيد من الخلايا المناعية التي لا يستطيع الجسم أن يتحمل فقدها.

التجربة والخطأ

استغرق الأمر من فريقنا عدة محاولات –وما يقرب من عقدين- لصنع بروتين ثلاثي الوحدات يفي باثنين من معاييرنا الرئيسية –أنه لن يتفكك، ومن شأنه أن يُطلق الأجسام المضادة المعادلة ضد سلالات فيروس نقص المناعة البشرية ذات الصلة– (وكانت جميع المحاولات بتمويل من معاهد الصحة الوطنية الأمريكية).

بدأنا بعزل جينات الغلاف من سلالة معينة من فيروس نقص المناعة البشرية، واستخدامها لتخليق بروتينات الغلاف. ولفعل ذلك، عملنا على إزالة الجزء الذي عادة ما يثبت بروتين الغلاف على سطح فيروس نقص المناعة البشرية. وقد أسفرت محاولتنا الأولى عن بروتين لا يزال ينهار. وقد حاولت عدة مجموعات أخرى من العلماء الالتفاف حول هذه المشكلة عن طريق هندسة بروتين الغلاف وراثيًّا بطريقة تضمن عمليًّا أن تبقى المكونات معًا. وكما هو متوقع، فإن الجزيئات الناتجة لم تصل إلى الانهيار التام، ولكن كانت بنيتها تختلف كثيرًا عن بنية بروتينات الغلاف الموجودة على فيروس نقص المناعة البشرية، حتى إنها أثبتت أنها غير قادرة على استثارة الأجسام المضادة اللازمة.

وهنا، وجدنا أن الوقت قد حان للبحث عن أفكار في فيروسات أخرى لديها بعض أوجه التشابه البنيوي مع فيروس نقص المناعة البشرية. أدركنا أن البروتينات السطحية على بعض هذه الفيروسات لديها نوع من الدعامات الكيميائية التي تربط ما يعادل الجلوكوبروتين 120 و41 لدى تلك الفيروسات مع زوجين من ذرات الكبريت. فبدأنا البحث عن أماكن يمكننا فيها إضافة هذه الدعامات الكبريتية إلى بروتينات غلاف فيروس نقص المناعة البشرية التي كنا نقوم بتخليقها، واستخدمنا ما نعرفه بالفعل عن كيفية تركيب مكونات الجلوكوبروتين 120 و41 من البروتين ثلاثي الوحدات لفيروس نقص المناعة البشرية معًا لوضع بعض التخمينات المبنية على دراسات حول أماكن وضع الدعامات الكبريتية لربط كل العناصر معًا بقوة أكبر. ومن خلال التجربة والخطأ، وجدنا الأماكن الصحيحة، ولكن البروتين ثلاثي الوحدات الناتج لم يتمكن من التماسك وانهار، لكن بطريقة مختلفة عن محاولاتنا السابقة.

ثم أجرينا بعد ذلك تعديلًا طفيفًا على مكون الجلوكوبروتين 41. تتكون جميع البروتينات من أحماض أمينية مختلفة، تتسبب شحناتها الكهربائية -من بين أمور أخرى– في جعل البروتينات تتخذ أشكالًا مميزة. قرر ساندرز دفع جزء الجلوكوبروتين 41 من البروتين ثلاثي الوحدات الاصطناعي الخاص بنا لاتخاذ أشكال مختلفة قليلًا من خلال إجراء عمليات استبدال لأحماض أمينية محددة. وفي نهاية المطاف، توصل إلى تكوين بديل واحد (استخدام البرولين بدلًا من الإيزوليوسين) الذي سمح للبروتين ثلاثي الوحدات بالتماسك. وقد أطلقنا على البروتين الذي توصلنا إليه اسم SOSIP تكريمًا للمناورتين اللتين جعلتا التوصل لهذا البروتين ممكنًا: تشير الأحرف الثلاثة الأولى (SOS) إلى الدعامات الكبريتية، ويشير الحرفان الأخيران (IP) إلى التغيير الرئيسي الذي أدخلناه على الجلوكوبروتين 41.

ثم توقفت مسيرة العمل عند هذه النقطة لعدة سنوات. كانت البروتينات ثلاثية الوحدات الخاصة بنا مستقرة، ولكن عندما نضعها في السائل، كما يلزم لأي لقاح، فإنها تتجمع معًا، مما يجعلها عديمة الفائدة.

وأخيرًا، حدث تطوران حاسمان ساعدا على إحراز تقدم جديد. أولًا، انضم أندرو وارد، من معهد سكريبس للأبحاث –والذي كان آنذاك أستاذًا مساعدًا- إلى الجهود الرامية إلى تحديد البنية الفيزيائية لبروتين الغلاف ثلاثي الوحدات. فصنع وارد صورًا شديدة التفصيل لبروتين  SOSIP بالمجهر الإلكتروني، وأظهر أنه جذب كريات دهنية، أو دهونًا، وهذا ما جعله لزجًا للغاية، مما يسبب تجمده وتحجره مثل العلكة. وفي حين أن بعضًا من البروتينات الاصطناعية ثلاثية الوحدات الخاصة بنا يشبه بروتينات الغلاف الفيروسية، فقد اتخذ البعض الآخر أشكالًا غريبة جدًّا في الواقع. فكان من الواضح أننا لم نكن نصنع بصورة متسقة البروتينات ثلاثية الوحدات التي تحاكي عمل الشوكة التي كنا نسعى خلفها.

ومن خلال الاسترشاد بصور المجهر الإلكتروني، توصلنا إلى طريقة لقطع جزء في نهاية البروتينات ثلاثية الوحدات المهندسة وراثيًّا، والذي كان يمتص جزيئات الدهون المتطفلة، ثم أطلقنا على المنتج النهائي SOSIP.664 نسبة إلى مكان قطعها؛ إذ إن كل ثلث من البروتين ثلاثي الوحدات يتكون من سلسلة طويلة من الأحماض الأمينية، ونحن نقطعها عند الحمض الأميني رقم 664 في السلسلة. بالنظر إلى هذه البروتينات الأقصر قليلاً من خلال المجهر الإلكتروني، رأى وارد أنها جميعًا تشبه عن كثب الجزء المرئي من البنى الشوكية الموجودة على سلالات فيروس نقص المناعة البشرية المُعدية.

في الوقت الحالي، يتمتع بروتين SOSIP.664 بتركيبة الأحماض الأمينية لبروتين الغلاف من شكل واحد من سلالة واحدة من فيروس نقص المناعة البشرية، لكننا كنا نريد تصنيع بروتين ثلاثي الوحدات يمكنه على الأرجح تحفيز إنتاج الأجسام المضادة المعادلة التي لديها نشاط واسع النطاق في مواجهة العديد من السلالات.

لا أحد يعرف حقًّا حتى الآن بالضبط كيفية صنع بروتين ثلاثي الوحدات من شأنه تحفيز الأجسام المضادة المعادلة على نطاق واسع في البشر. ولكن أفضل فرصة لدينا لعمل ذلك هي التأكد –على الأقل- من أن البروتين ثلاثي الوحدات يمكن التعرف عليه –أي الارتباط به– في الاختبارات المعملية مع مجموعة من الأجسام المضادة المعادلة على نطاق واسع، والتي جرى جمعها من بعض الأشخاص المصابين لسنوات عديدة بسلالات مختلفة من فيروس نقص المناعة البشرية. بعبارة أخرى، لكي ترتبط الأجسام المضادة المعادلة على نطاق واسع ببروتين محدد ثلاثي الوحدات في المقام الأول، فإنه يجب أن يظهر مشابهًا لدرجة كبيرة –من منظور كيميائي حيوي– لبروتينات الغلاف الموجودة بصورة طبيعية. ومن ثم، فإن حقن مثل هذه البروتينات ثلاثية الوحدات المتطابقة إلى حد بعيد في البشر الأصحاء قد يحفز الجهاز المناعي لإنتاج أجسام مضادة قوية مماثلة.

ونظرًا لأننا لم يكن بإمكاننا التنبؤ بأي تكوين من الأحماض الأمينية لبروتين الغلاف سيمنحنا الخصائص التي أردناها، لم يكن لدينا خيار سوى فحص بروتينات الغلاف من حوالي 100 سلالة فيروسية مختلفة من مرضى في جميع أنحاء العالم. ثم قمنا بعد ذلك بتصنيع بروتينات SOSIP من كلٍّ منها للبحث عن البديل الذي يحاكي عمل الشوكة تحت المجهر الإلكتروني، ويمكنه أن يرتبط في اختباراتنا المعملية بأجسام مضادة معادلة على نطاق واسع مأخوذة من الناس.

في نهاية المطاف، وجدنا ما كنا نبحث عنه في العينات التي أُخذت من رضيع عمره ستة أسابيع –أُعطي الاسم الرمزي BG505– وُلد مصابًا بفيروس نقص المناعة البشرية في نيروبي بكينيا. وقد قامت جولي أوفربوه -من مركز فريد هاتشينسون لأبحاث السرطان في سياتل- وزملاؤها في جامعة نيروبي بعزل هذه السلالة الفيروسية المميزة، وتم تمرير المعلومات عن تسلسلها الجيني -وبالتالي تكوين الأحماض الأمينية لبروتيناتها– إلينا لفحصها من خلال المبادرة الدولية للقاح الإيدز (IAVI).

وكان التطور الثاني هو اختراع وسيلة لصناعة الكثير من البروتين ثلاثي الوحدات المميز هذا، الذي أسميناه BG505 SOSIP.664 في أكثر شكل نقي ممكن. وقد تمخض هذا الإنجاز عن العديد من النتائج، من بينها أنه أتاح لنا بناء بلورات بمادة يمكننا من خلالها إطلاق أشعة سينية لتحديد بنيانها الجزيئي. ويعني ذلك أيضًا أنه يمكننا أن ننتج ما يكفي منه لاختباره على الحيوانات، ثم اختباره على البشر في نهاية المطاف. فعلى الرغم من أن الاختبارات المعملية للبروتين ثلاثي الوحدات الخاص بنا تبدو واعدة، لا نزال بحاجة لاختبار النتائج على الحيوانات أولًا.

فقمنا بحقن البروتين ثلاثي الوحدات BG505 في الأرانب والقردة، وجمعنا الأجسام المضادة لفيروس نقص المناعة البشرية التي أنتجها الجسم. وعندما أضفنا الأجسام المضادة لمزارع الأنسجة التي تتكون من خلايا بشرية، وجدنا أنها نجحت بالفعل في حماية تلك الخلايا من الإصابة بفيروس BG505 ولكن ليس من الإصابة بالسلالات الأخرى. على الرغم من أن الأجسام المضادة لم يكن لديها اتساع النشاط المعادل الذي سنحتاج إليه في النهاية، إلا أن هذه الخطوة تمثل بداية جيدة.

ومن بين الخطوات القادمة المزمَع اتخاذها تكرار هذه التجارب على البشر. وقد حظي الكثير من أبحاث إنتاج البروتين التي أجريناها حتى الآن بدعم من قِبل مؤسسة بيل وميليندا جيتس والمبادرة الدولية للقاح الإيدز. كما أننا في خضم محادثات مع المبادرة الدولية للقاح الإيدز ومعاهد الصحة الوطنية الأمريكية حول تصميم وتمويل تجربة إكلينيكية استكشافية، ستشمل تقريبًا 50 متطوعًا. ولن نقوم بتطوير لقاح وقائي فورًا من هذا البروتين ثلاثي الوحدات الاصطناعي الأول، على الأقل في بنيته وتركيبته الحالية. وعلى الرغم من أن النتائج من حيوانات التجارب تتنبأ إلى حد مقبول بما يحدث في البشر، فإنها ليست معصومة من الخطأ. وسوف تخبرنا التجارب الإكلينيكية على البشر كيف يستجيب الجهاز المناعي البشري للبروتين ثلاثي الوحدات الاصطناعي الذي قمنا بتخليقه. هذا النوع من المعلومات –بالإضافة إلى البيانات من مختبر ويلسون عن مدى تشابه البروتينات ثلاثية الوحدات وبروتينات الغلاف الموجودة بصورة طبيعية– ينبغي أن يساعدنا على إعادة تصميم البروتينات الخاصة بنا لتطوير لقاح وقائي. وسيتعين علينا إدخال تعديلات على ما نقوم بتصنيعه، وربما أكثر من مرة. وسوف نسخِّر أيضًا التطورات الأخيرة في فهم كيف يصنع الجهاز المناعي البشري أجسامًا مضادة معادلة على نطاق واسع لتحسين كيفية إعطاء البروتينات ثلاثية الوحدات الحالية والجديدة للبشر.

لقد تمخض عملنا في جوهره عن إنشاء نموذج أولي ناجح من الجيل الأول، يمكننا تعديله بطرق مختلفة لتحديد البنية والتركيب الذي سيكون مناسبًا على الأرجح لإنتاج الأجسام المضادة الأكثر فاعلية. ولكن لا يزال هدفنا النهائي –الذي يتمثل في تصنيع لقاح يحفز الأجسام المضادة المعادلة على نطاق واسع ضد السلالات الأكثر انتشارًا من فيروس نقص المناعة البشرية– بعيدًا عن كونه مضمونًا أو في أيدينا. ولكن النتائج الجيدة التي حققناها حتى الآن باستخدام نهجنا في الحيوانات والاختبارات الخلوية تشير إلى أن المشكلة ليست مستحيلة الحل.

والآن أصبح لدى الأوساط البحثية مجموعة أدوات SOSIP وطرق للمساعدة على تخليق أفضل البروتينات الممكنة للاستخدام كلقاح. وتعمل العديد من المجموعات البحثية المختلفة حاليًّا على النسخ الخاصة بها من هذه البروتينات ثلاثية الوحدات التي تحاكى عمل الشوكة لاختبار تصميمات اللقاحات المختلفة. وأخيرًا، ينبغي أن تكون السنوات القادمة سنوات مثمرة للحقل العلمي الذي كان يسعى جاهدًا على مدار سنوات طويلة للتغلب على هذه المشكلة شديدة الصعوبة.