يكمن تراثنا الإنساني العريق والثمين في أكثر من 163 دولة مختلفة في أنحاء العالم، في 1000 منطقة تاريخية ثقافية وطبيعية، وهي ما تطلق عليه منظمة اليونسكو "مواقع التراث العالمي"؛ ويتنوع ذلك التراث ويمتد من "حديقة فيرونجا الوطنية" المعرضة للخطر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى مدينة "تدمر" السورية العريقة، وحتى "جبل راشمور" في الولايات المتحدة الأمريكية.

لكننا كل يوم نفقد جزءًا من ذلك التراث؛ بسبب الحروب والتغيرات المناخية والتلوث، وكذلك الرياح والأمطار. وقد فقدنا بالفعل بعضًا من هذا التراث، مثل تماثيل بوذا في باميان في أفغانستان (فجرتها جماعة طالبان بالديناميت في ٢٠٠١)، ومدينة "تدمر" (التي دمرتها داعش جزئيًّا عام ٢٠١٥). والمبلغ الذي حددته منظمة اليونسكو، الذي يبلغ 4 ملايين دولار سنويًّا، لعمليات الحفاظ على التراث، لا يكاد يكفي حتى لحماية المواقع الثمانية والأربعين التي تواجه خطرًا وشيكًا قد يؤدي إلى فنائها إلى الأبد. ولكن ثمة بديلًا يلوح في الأفق ويبث بعض الأمل؛ إذ يمكن أن تساعدنا التكنولوجيا الرقمية الجديدة في الحفاظ على التراث، افتراضيًّا على الأقل، من خلال المسح الضوئي الثلاثي الأبعاد والنمذجة والتخزين الرقمي. ويمكن أن تتحقق هذه المشروعات على أرض الواقع من خلال التعاون وتكوين شراكات بين الحكومات والجامعات وقطاع الصناعة والمؤسسات غير الهادفة للربح.

ولصناعة نموذج ثلاثي الأبعاد، يقذف جهاز المسح الضوئي -الذي يعمل بالليزر- الضوءَ على الجسم، ثم يقوم بتجميع سحب النقاط المكونة لتركيبه البنيوي. ولإعادة إنتاج كل ركن وشِقٍّ فيه، يلتقط الماسح الضوئي العديد من الصور المتداخلة للجسم من كافة الزوايا الممكنة؛ ثم يعمل الكمبيوتر بعد ذلك على تجميع هذه الصور في صورة سطحية كلية كبيرة ورسم خطوط من نقطة لأخرى لإنشاء نموذج إطار سلكي، ثم تضيف الكاميرات الرقمية عالية الجودة اللون والبنية؛ وحينما يتم تجميع النموذج كاملًا، يمكن حينئذٍ عرضه أو طباعته أو معالجته وإضفاء المزيد من اللمسات عليه.

وتقوم عمليات المسح الضوئي تلك بأكثر من مجرد الاحتفاظ بذكرى في قاعدة بيانات. فباستخدام قياسات بالغة الدقة، يمكن لعلماء الآثار العثور على الممرات الخفية أو اكتشاف سر الحِيَل الهندسية القديمة، ويمكن كذلك للتلاميذ في المدارس استكشاف أماكن كان من المستحيل من دون تلك التكنولوجيا أن يصلوا إليها. وإذا ما تعرض أحد المواقع الأثرية للتدمير، يمكن استخدام الماسحات الضوئية لإعادة بناء ما كان موجودًا؛ وهذا ما حدث بالفعل لأحد مواقع التراث العالمي، وهي "قبور كاسوبي" في أوغندا، والتي تم بناؤها من الخشب في ١٨٨٢ ثم دمرتها النيران في عام ٢٠١٠، وأُعيد بناؤها في عام ٢٠١٤، إلى حد بعيد بناءً على نماذج ثلاثية الأبعاد صُنعت في عام ٢٠٠٩. وقد تم حفظ نماذج ثلاثية الأبعاد لأكثر من 100 موقع من مواقع التراث العالمي، ويتسابق القائمون على برنامج حماية التراث العالمي لتسجيل أكبر عدد ممكن، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تمزقها الصراعات.

وفي عام 2003، شارك بن كيسيرا، وهو أمريكي من أصل عراقي ولد في الموصل، في تأسيس المنظمة غير الربحية "ساي آرك" CyArk؛ وهي الآن رائدة في الحفاظ الرقمي على التراث من خلال النماذج ثلاثية الأبعاد. وقد كوَّن كيسيرا ثروته من خلال تطوير وتسويق أول أنظمة محمولة للمسح الضوئي ثلاثي الأبعاد بالليزر في العالم؛ وكانت منظمته هي أول منظمة -والآن هي أكبر منظمة- تطبق تلك التكنولوجيا على نطاق واسع. ويهدف مشروع الخمسمئة الذي أطلقته منظمة "ساي آرك" إلى الحفاظ الرقمي على 500 موقع من مواقع التراث العالمي، مستفيدًا من الموارد المالية الحكومية والخاصة والدعم الحكومي والأبحاث المتطورة لجعل العمل على أكبر درجة ممكنة من الدقة والفائدة. ويتم تخزين جميع المشروعات على أجهزة "خادم" عامة وفي مخازن آمنة لقواعد البيانات.

ويحاول حماة التراث في جميع أنحاء العالم محاكاة الأساليب التي تتبعها منظمة "ساي آرك"، والتي قامت بتوفير العمالة والخبراء وجزء من التمويل اللازم لعملية مسح "جبل راشمور". كما أضافت "إدارة المتنزهات الوطنية" بالولايات المتحدة بعض التمويل ووفرت فريقًا فنيًّا من المتسلّقين للقيام بعملية المسح الضوئي لمناطق الأنف وأسفل الحواجب الخاصة بالنصُب التذكاري لتماثيل الرؤساء. وقد تمت استشارة شركة هندسية محلية وكذا قسم التعدين بإحدى الجامعات فيما يتعلق بالجوانب الجيولوجية للمنطقة. كما قامت هيئة "اسكتلندا التاريخية" Historic Scotland وهيئة "التراث الوطني الاسكتلندي" Scottish National Heritage وستوديو التصميم الرقمي التابع لكلية جلاسجو للفنون بجمع البيانات وعرضها، كأدوات للحفاظ على الجبل الأثري.

ويمكن أيضًا الحفاظ على المباني ذات الأهمية المحلية بهذه الطريقة. ونظرًا لأن بعض الشركات الهندسية والمعمارية وغيرها تستخدم تقنية المسح الضوئي ثلاثي الأبعاد في عملها، فثمة شركات محلية متخصصة في المسح الضوئي في العديد من المدن اليوم. ويقول تيم كراموند -مدير شركة "ليزر سكاننج أمريكا" Laser Scanning America ومقرها في بيتسبرج-: إن التكلفة تصل إلى ألف دولار يوميًّا للحصول على البيانات ومعالجتها؛ ويضيف: "على الرغم من أننا نتلقى العديد من الطلبات من جهات مهتمة باستخدام المسح الضوئي ثلاثي الأبعاد في عمليات حفظ التراث التاريخ، فإن التمويل يبدو غير متاح لهذا".

على الرغم من أن كل مشروع من مشروعات المسح الضوئي لمواقع التراث العالمي يتميز بأنه متفرد بذاته، فإن تكلفة المشروع الواحد في كل الأحوال تقارب الخمسين ألف دولار، أي أنه في مقابل 50 مليون دولار يمكن إنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد لجميع مواقع التراث العالمي التي يبلغ عددها ألفًا، والاحتفاظ بها للأبد. ومن ثم فإننا نناشد الحكومات والجامعات والمؤسسات غير الربحية أن تدعم عمليات الحفاظ الرقمي على التراث؛ بهدف حماية تاريخنا وتراثنا قبل ضياعه إلى الأبد.