علاوةً على ما نشهده في شهر مايو من براعم زهرية محببة للنفس، فإن هذا الشهر يشهد كذلك الاحتفال بعيد الأم. وهذا العيد هو الوقت الذي يحتفي فيه الأبناء بالأم؛ لأننا جميعًا كبراعم جئنا إلى هذا العالم عن طريق أمهاتنا. غير أن العلاقة بين الأم والأبناء عند البشر ما هي إلا جزء يسير مما نراه في الطبيعة على مدار تاريخها التطوري. يوضح الكتاب الجديد "أمهات متوحشات" Wild Moms بقلم عالِمة الأحياء والمؤلفة كارين بوندار السلوك العجيب (في نظرنا) لبعضٍ من الأمهات الأخريات، أمهات أغلبها من الثدييات، لكن هناك أمثلة عابرة من عوالِم الأسماك والزواحف والبرمائيات والطيور.

باختصار، يمكن للأمور هناك أن تسير وفقًا لشريعة الغاب.

على سبيل المثال، تُخصص بوندار قسمًا لـ"الثدييات ذات التربية التعاونية". في هذه الأنواع يتشارك أفراد المجموعة مهمة رعاية المواليد الجدد. ومن الحالات المتطرفة حيوان الميركات، وفأر الخُلد العاري، وبعض الرئيسيات المختارة التي تتبع نمط حياة يختزل دور غالبية الإناث إلى دور مُقدِّمات الرعاية، ويُعلي من شأن أنثى واحدة فقط لأداء وظيفة إنجاب الصغار.

وحيوانات الميركات –تلك الحيوانات التي تبدو كأبطال المسرحيات في انتصابها على نحوٍ مفاجئ (وهي ليست نوعًا من القطط، بل نوع من أنواع النُّمُوس)– لديها نظام يمكن فيه لواحدة تقريبًا من بين كل ست إناث أن ترتقي إلى منزلة الأم التي تحمل في بطنها صغار الميركات. وتُشَبِّه بوندار هذا الأمر بفيلم "فتيات دنيئات" Mean Girls، فيما عدا أنه لا توجد هنا في النهاية رقصة من رقصات "Spring Fling" يتصالح فيها الجميع.

إن أنثى حيوان الميركات البالغة التي لا تصير ملكة ينتهي بها الحال لأن تكون وصيفة الملكة. وكما تذكر بوندار، تقضي هذه الأنثى حياتها في "الطواف بحثًا عن الطعام، وبناء الأعشاش والبيوت، والدفاع عن المجموعة ضد الحيوانات المفترسة أو المنافسة، ومُجالسة الصغار، وتربية صغار الغير وإرضاعهم". ولذا من الرائع حقًّا أن تكون الأنثى ملكة.

والكثير من الوصيفات يَكُنَّ من القريبات اللصيقات للملكة، بما يشمل شقيقات الملكة وبناتها. ومن حين لآخر تخرق واحدة من تلك الإناث التابعات القواعد المتعارَف عليها ضمنًا في عُرف حيوان الميركات، فتختار لها وليفًا خلسة وتلد منه صغارًا. وهنا توضح بوندار أن الملكات –اللاتي "تظهر عليهن دفقة من النمو الإضافي بمجرد أن يَحُزْنَ مكانة التناسل، ومن ثم يَكُنَّ أكبر حجمًا إلى حدٍّ كبير من الإناث الخاضعات لهن"– يقتلن هؤلاء الصغار؛ رغم أنهم قد يكونون أحفادًا للملكة ذاتها. ونحن الذين كنا نظن أن أفراد العائلات الملكية في مؤلفات شكسبير كان بعضهم يسيئون معاملة بعض!

أما فئران الخُلد العاري فتفضل أن تعيش بعيدًا عن الأنظار بدرجة كبيرة، وذلك مقارنةً بحيوانات الميركات؛ إذ تعيش هذه الفئران في أنفاق تحت الأرض. وتتبع هذه المخلوقات –التي يُطلق عليها كُنية "النقانق سيفية الأسنان"– نمطًا أفضل للحياة بفضل الكيمياء؛ إذ تتجنب الملكات قتل صغار العائلة، وتكتفي بإنتاج هرمونات تُفرَز في بولها وتؤدي إلى إعاقة نمو الإناث الأخريات، فتجعلهنّ عاجزات عن الإنجاب.

وبهذا يمكن لهذه النقانق صاحبة السيادة أن تركز على الحمل، والولادة، والاعتناء بصغار كل بطن حتى مرحلة الفِطام. وخلال أول أسبوعين بعد الوضع، تتطلب منها هذه الرعاية أن تنتج ما يعادل نصف وزن جسدها لبنًا كل يوم. وقبل مضيِّ وقت طويل تكون قد بدأت في التجهيز لدُفعة جديدة من الصغار الذين ستنجبهم خلال حياتها والذين يتجاوز عددهم التسعمئة مولود. وبمتوسط يبلغ اثني عشر مولودًا في كل بطن، يعني هذا أن الملكة الواحدة ستمر بنحو 75 حالة حمل. حسنًا، ربما ليس من الرائع لهذه الدرجة أن تكون الأنثى ملكة.

في الوقت ذاته، وفي كبد السماء، تعيش الوطاويط حياةً أكثر مساواةً من تلك التي تعيشها حيوانات الميركات وفئران الخُلد؛ فليس لدى الوطاويط أم كبرى تمنع أي أنثى أخرى من التناسل، وتعتني الإناث بذرية بعضها البعض في مجاثم مشتركة. وقد تكون ديناميكا الهواء أحد أسباب هذا السلوك.

وكما هو الحال مع أنثى فأر الخُلد، قد تنتج أنثى الوطواط نصف وزنها لبنًا كل يوم. ولكن بخلاف أنثى فأر الخُلد، تحتاج أنثى الوطواط إلى الطيران للبحث عن الطعام. ولكي تستطيع الطيران من عليائها، يجب أن تمتلك جسدًا انسيابيًّا، وهو ما يعني ضرورة التخلُّص من اللبن الزائد. ولأن الوطاويط لم تخترع بعد مضخات صغيرة الحجم للبن الثدي، فإن أفضل خيار أمام الأم هو منح لبنها لصغار زميلاتها الأمهات على المجثم نفسه. ومن الناحية العملية يضمن هذا الترتيب أيضًا حصول صغارها هي على سعرات حرارية إضافية من الأمهات الأخريات. وينفذ البشر شكلًا من أشكال هذا الترتيب، لكنهم يستخدمون لبن الأبقار ويطلقون عليه الجمعيات التعاونية للألبان.

وبالحديث عن البشر، فلتتصل بوالدتك هاتفيًّا، إذا كان هذا ممكنًا، ولتشكرها على رعايتها لك، وكذلك على كونها أقل بريةً إلى حدٍّ بعيد من الكثير من أمهات الكائنات الأخرى.

نُشر هذا المقال في الأصل تحت عنوان "الأمومة على الطريقة البرية".