لأكثر من عشر سنوات، حاول الباحثون تعزيز دفاعات جسم الإنسان ضد السرطان باستخدام اللقاحات. وهي ليست لقاحات مصممة للوقاية من السرطان قبل أن يتمكن من الجسم، ولكنها تزوّد الجهاز المناعي للمريض بمعلومات عن شكل عدوه– أي خلايا السرطان.

وعادةً لا يختلف مظهر الخلايا السرطانية عن الخلايا الطبيعية بما يكفي لتحفيز الجهاز المناعي على التصدي لها، ولكننا تمكنّا من إيجاد طرق لتسليط الضوء على بعض البروتينات المميّزة لهذه الخلايا الخبيثة واستهدافها.

ويغطي الخلايا البشرية "بروتينات ذاتية" تعمل بمنزلة علامات تعريف للجهاز المناعي. وكبطاقة الهوية الشخصية، تسمح هذه البروتينات للجسم أن يتعرف على المواد التي تنتمي إليه فلا يهاجمها.

ولكن لسوء الحظ، فإن السطح الخارجي للخلايا السرطانية يكون مغطى أيضًا بهذه البروتينات. وربما تكون الجهود التي بذلها فريقنا وغيره من الفرق فيما مضى لإنتاج لقاح للسرطان، قد باءت بالفشل لأنها سعت لحثّ الجهاز المناعي على البحث عن بروتينات موجودة في نوعَي الخلايا، وإن تم ذلك بمعدلات مختلفة.

إلا أن فريقنا تمكن في الآونة الأخيرة من التعرف على بروتينات مميزة للأورام الخبيثة عن طريق تسجيل التسلسلات الجينومية (البصمة الوراثية) لنسيج سليم وآخر سرطاني لأحد المرضى؛ بغرض تحديد البروتينات الخاصة بالسرطان حصرًا. ونتقصى فيما بعد عن البروتينات الخاصة بالسرطان التي تتمكن من إطلاق تفاعل قوي من الجزيئات المناعية المسؤولة عن توجيه تجاوب الجسم نحو المواد الغريبة، والتي تُدعى جزيئات معقّد التوافق النسيجي الرئيسة (MHCs). وباستخدام تلك المعلومات، يمكننا ابتكار لقاحات خاصة بكل مريض على حدة، تتضمن خلايا المريض المتغصنة التي تحتوي على معقد التوافق النسيجي الرئيسي، بحيث تحمل هذه اللقاحات البروتينات السرطانية وتقدمها إلى الجهاز المناعي. سيساعد هذا التحفيز على توليد استجابة من الخلايا المناعية التائية المضادة للورم ويركزعلى الخلايا السرطانية التي تحمل هذه البروتينات المعينة لكي يدمرها.

حاولنا تطبيق هذه الطريقة في العام الماضي مع ثلاثة من مرضى سرطان الخلايا الصبغية (الميلانوما). وكما كتبنا في دورية ساينس Science، فقد وجدنا سبعة بروتينات خاصة بالسرطان يمكنها الارتباط بكلٍّ من جزيئات معقد التوافق النسيجي الكبير الخاصة بالمريض. وقد سرَّتنا ملاحظة الاستجابة لدى المرضى الثلاثة: فقد تم التعرّف على ثلاثة من البروتينات السبعة من قِبل الخلايا التائية لدى المريض، التي عملت على مهاجمة خلايا المريض السرطانية.

بعد مرور سنة، استمر الجهاز المناعي للمريض بإنتاج خلايا تائية مضادة للورم في الدم، مما يشير إلى أن لقاحاتنا تمكنت من مكافحة ظهور الورم من جديد. (ثمة ورمان لدى مرضانا انكمشا أو استقرا، ولكن نظرًا لأن المرضى تلقوا علاجات أخرى أيضًا، فإننا لا نعرف بالتحديد ما الذي ساعد على ذلك). وحتى اليوم، لا يزال المرضى الثلاثة على قيد الحياة وحالتهم مستقرة، ولم تظهر عليهم أعراض جانبية سلبية بسبب اللقاح.

ما زال عملنا في بداياته. ولقد اخترنا الميلانوما لعلاجها أولاً لأنها سرطان يتميز بالعديد من الطفرات والأهداف البروتينية، ولكننا نعتزم اختبار هذه الطريقة في علاج أنواع أخرى من السرطان. وقبل أن تصبح طريقتنا علاجًا روتينيًّا لهذا المرض، سنحتاج إلى دراسة تأثير هذه الطريقة في العلاج على الأورام مع المدى الطويل، وأن نسرّع عملية إنتاج اللقاح. ونودّ بالتالي أن نستخدم هذه اللقاحات لإكمال علاجات السرطان المناعية الأخرى. ونأمل في النهاية أن تمنح اللقاحات المرضى خيارًا جيدًا ضد السرطان.