هل يمكن لتلسكوب فضائي بتكنولوجيا الجيل القادم تابع لوكالة ناسا أن يلتقط صورًا لكواكب أخرى شبيهة بالأرض؟ لطالما حلم علماء الفلك بالتقاط هذه الصور، والتي سوف تتيح لهم دراسة عوالم خارج المجموعة الشمسية بحثًا عن دلالات على صلاحيتها للسكنى ووجود حياة عليها. لكن كلما حلم علماء الفلك بذلك، كانت التكنولوجيا التي يمكنها تحقيق هذا تبدو على بُعد عقود من الزمن. الآن، ورغم ذلك، يعتقد عدد متزايد من الخبراء أن "تلسكوب المسح الاستكشافي واسع النطاق بالأشعة تحت الحمراء" Wide-Field Infrared Survey Telescope (WFIRST) -أو "وفرست"- التابع لوكالة ناسا يمكنه التقاط صور لكواكب أخرى مماثلة لكوكب الأرض، ومن المتوقع أن يحدث هذا قريبًا. بدأت الوكالة في العمل على المرصد رسميًّا في فبراير 2016، ومن المخطط إطلاقه في عام 2025.

عندما يتم إطلاق التلسكوب الجديد، سوف يحمل معه مرآة بقطر 2.4 متر، تَعِدُ هذه المرآة بتقديم رؤية بانورامية للسماء، وسوف يستخدم عينه الواسعة لدراسة الطاقة المظلمة، تلك القوة الغامضة التي تحرك التمدُّد الكوني المتسارع. لكن بدأ موضوع ساخن آخر -وهو السعي الوجودي لمعرفة ما إذا كنا وحدنا في هذا الكون- في التأثير على المهمة بالفعل.

لقد اكتشف الباحثون أكثر من 3000 كوكب تدور حول نجوم أخرى، ويتوقعون العثور على عشرات الآلاف الإضافية خلال العقد المقبل. وتشير الإحصائيات التقريبية إلى أن كل نجم في السماء يتبعه على الأقل كوكب، وأنه ربما يحمل واحد من كل خمسة نجوم شبيهة بالشمس جرمًا سماويًّا صخريًّا في "منطقة صالحة للحياة" ليست بشديدة الحرارة ولا شديدة البرودة، بحيث يمكن وجود المياه السائلة. والوسيلة المُثلى لمعرفة ما إذا كان أيٌّ من هذه العوالم شبيهًا بالأرض هو رصدها، ولكن التقاط صورة لكوكب على بُعد العديد من السنوات الضوئية أمرٌ أبعد ما يكون عن السهولة. سوف يبدو أي عالم صالح للسكنى كنقطة خافتة ضائعة وسط الوهج الغامر لنجمه الأكبر، الذي يبلغ سطوعه 10 مليارات ضعف.

كما يمثل الغلاف الجوي المضطرب لكوكب الأرض، والذي يحجب ضوء النجوم، عقبة شديدة أمام تصوير الكواكب البعيدة من المراصد الأرضية، ويتفق معظم الخبراء على أن الحل هو استخدام التلسكوبات الفضائية. لكن لا تلسكوب هابل الفضائي التابع لناسا ولا خليفته الأكبر حجمًا، تلسكوب جيمس ويب الفضائي المقرر إطلاقه في عام 2018، يقترب من قوة التبايُن المطلوبة لهذه المهمة. وللمساعدة في التقاط صور للكواكب، سوف يحتوي تلسكوب "وفرست" على كرونوجراف متقدم لتصوير الكواكب، وهو أداة داخل التلسكوب تقوم بترشيح ضوء النجم باستخدام سلسلة معقدة من الأقنعة والمرايا والعدسات. لكن هذه الأداة كانت إضافة متأخرة للتلسكوب الذي لم يكن مجهزًا لإضافة الكرونوجراف، ومن ثَم، يتنبأ معظم الخبراء بألا يبلغ الكرونوجراف قوة التبايُن المطلوبة لتصوير الكواكب الشبيهة بالأرض. في الواقع، إن التقاط صور كتلك يُعَد تحديًا، لدرجة أن خطط ناسا المؤقتة تدعو إلى تأجيله لمدة 20 عامًا أو أكثر، بينما تعمل الوكالة على تطوير التكنولوجيا وتوفير الميزانية المطلوبة لبناء تلسكوب فضائي جديد بالكامل بعد "وفرست".

 

توضح هذه الصور المتتالية كيف يمكن استخدام "مظلة نجمية" مع تلسكوب فضائي مستقبلي. في البدء تكون المظلة مطوية لإطلاقها في الفضاء (1)، ثم تنفصل المظلة النجمية وتنفتح (2)، ثم تحلق بعيدًا (3) إلى موقعها على بُعد عشرات الآلاف من الكيلومترات أمام التلسكوب.
CREDIT: COURTESY OF NASA/JPL-CALTECH

لكن ثمة جهازًا يُطلَق عليه "المظلة النجمية" بإمكانه أن يقدم طريقًا مختصرًا لبلوغ هذا الهدف. والمظلة النجمية عبارة عن ساتر على شكل زهرة عباد الشمس، وسُمكها يساوي سُمك ورقة ويبلغ حجمها نصف حجم ملعب كرة قدم، إذ تطفو مباشرة على مسافة عشرات الآلاف من الكيلومترات أمام التلسكوب "وفرست"، فتحجب ضوء النجم المستهدَف بنفس الطريقة التي قد يحجب بها المرء أشعة الشمس في السماء باستخدام يده. ونظرًا لأن المظلات النجمية تصلح عمليًّا للعمل مع أي تلسكوب، يمكن لأحدها على متن "وفرست" أن يلقي ظلًّا أعمق ويساعد على رؤية كواكب أقل وضوحًا من تلك التي يمكن أن يلتقطها "الكرونوجراف". وبالعمل معًا، يمكن للمظلة النجمية والتلسكوب أن يلتقطا صورًا لنحو 40 كوكبًا، تتضمن عددًا قليلًا من الكواكب المماثلة للأرض من حيث الحجم والمدار. ويقول جيريمي كاسدين -الأستاذ بجامعة برنستون، والعالِم الرئيسي المسؤول عن "كرونوجراف" التلسكوب "وفرست"-: "إذا كان لدى "وفرست" مظلة نجمية، يمكنه أن يعطينا صورًا لبضعة كواكب واضحة الزُّرقة من الكواكب الشبيهة بالأرض بحلول أواخر العقد المقبل بدلًا من الانتظار 20 عامًا أخرى، ولكن هذا فقط إذا كان مزودًا بمظلة نجمية. وهذه فرصة حقيقية للعثور على كوكب مماثل للأرض على نحو أسرع وبتكلفة أقل قبل ضخ استثمارات ضخمة في التلسكوب الفضائي الضخم القادم الذي تصنعه وكالة ناسا".

وعلى الرغم من أن "وفرست" لا يزال أمامه عقد تقريبًا قبل إطلاقه، فإن قرار البدء في التجهيز للمظلة النجمية لا بد أن يُتخذ عن قريب؛ لأنه سيتوجب إجراء تعديلات طفيفة على التلسكوب لتتيح له المزامنة مع مظلة نجمية تطفو أمامه في الفضاء على مسافة عشرات الآلاف من الكيلومترات. وبهذا الشكل لا توجد بعثة رسمية للمظلة النجمية. بدلًا من ذلك، يقول بول هيرتز -مدير قسم الفيزياء الفلكية بوكالة ناسا-: "إن الوكالة في وضع "عدم استبعاد" استخدام مظلة نجمية". وحتى الآن تشبه حالة "عدم الاستبعاد" هذه إلى حد كبير بذل جهود متضافرة لبناء واحدة، وعندما أعلنت ناسا في بادئ الأمر البداية الرسمية للعمل على تلسكوب "وفرست"، أكدت أيضًا أن التلسكوب سينطلق إلى مدار على بُعد 1.5 مليون كيلومتر من الأرض، حيث تتوفر ظروف هادئة بما يكفي لعمل المظلة النجمية. بالإضافة إلى ذلك، شكلت الوكالة مؤخرًا "فريق عمل إعداد المظلة النجمية"، كما صنفت المظلة النجمية رسميًّا على أنها "نشاط تطوير تكنولوجي" -وهي خطوات من شأنها تسريع خطى الوكالة في هذا السياق.

في الواقع، في الطابق السفلي من جامعة برنستون في "معمل فريك الكيميائي" المترامي الأطراف؛ يعمل كاسدين بالفعل على طبقة تجريبية، وهذه الطبقة عبارة عن أنبوب بعرض متر وطول 75 مترًا ومزود بكاميرا عند أحد طرفيه، وجهاز ليزر عند الطرف الآخر، وبينهما مظلة نجمية يقل حجمها بتدرُّج تنازلي. ويتوقع كاسدين أنه بحلول نهاية الصيف ستكون الطبقة التجريبية قد بينت نسبة التبايُن الضرورية التي يمكنها -عند زيادتها إلى الحجم الكامل- إتاحة تصوير الكواكب الشبيهة بالأرض. وفي هذه الأثناء، عملت شركة "نورثروب جرومان" العاملة في صناعة الفضاء على اختبار مظلات نجمية مصغرة فوق قاع بحيرة جافة في نيفادا، وعلى تلسكوب شمسي عملاق في أريزونا. وفي مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا، يوضح الباحثون كيفية صناعة بتلات حساسة لمظلة نجمية أكبر نطاقًا، وكيفية طي الهيكل بأكمله داخل صاروخ، وكيفية انتشاره وفتحه ليصل حجمه إلى حجم ملعب بيسبول.

ولكن ليست كل العقبات التي تقف في وجه المظلة النجمية عقبات تكنولوجية الطابع. فتزويد "وفرست" بواحدة سيكلف ما لا يقل عن مليار دولار -وهذا مبلغ إضافي أضخم من أن تتحمله ميزانية التلسكوب. ومن ثَم، سيتوجب أولًا اقتراح الأمر والموافقة عليه كمشروع مستقل بميزانية خاصة من تمويل ناسا. وهذه عقبة هائلة يصعب على تكنولوجيا لا تزال وليدة تخطِّيها، غير أن العائد قد يكون تاريخيًّا؛ فإن توفير أول صورة لكوكب آخر مماثل للأرض حَدَثٌ يمكن أن يقع مرة واحدة فقط، فهل ينبغي علينا محاولة تحقيقه بأقصى سرعة ممكنة أم تأجيله لعقود أخرى؟ يجب أن تتخذ ناسا والمجتمع الفلكي قرارًا سريعًا في هذا الشأن.