ليس العلاج النفسي سريعَ المفعول كما يتصور أغلب الناس. فمنذ جذوره الفرويدية الأولى، اتخذ شكل جلسات تتراوح مدة الواحدة منها بين 50 و60 دقيقة تتكرر أسبوعيًّا (أو بوتيرة أكبر) على مدار شهور بل وحتى سنوات. وفيما يتصل بالعلاج السلوكي المعرفي الحديث، عادةً ما تتراوح مدة العلاج بين 10 جلسات إلى 20 جلسة أسبوعية. لكن هل ينبغي أن يكون الأمر على هذا النحو؟ يتساءل توماس أولينديك مدير مركز دراسة الطفل في جامعة فرجينيا للتقنية: "مَن الذي أنبأنا أن جلسةً أسبوعيةً لمدة 50 دقيقة هي الطريقة المُثلى لمساعدة الناس في التغلب على مشكلاتهم؟".

على مدار نحو 20 عامًا، عكف أولينديك على اختبار أشكال من العلاج السلوكي المعرفي أقصر مدةً وأكثر تكثيفًا؛ بهدف التعامل مع اضطرابات القلق لدى الأطفال، وقد توصل إلى نتائج تنسجم إلى حدٍّ بعيد مع صور من هذا العلاج أبطأ وتيرةً. وغالبًا ما يكون لدى مركزه قائمة انتظار لعلاجات تشمل علاجًا مدته أربعة أيام لاضطراب الوسواس القهري وتدخُّلًا مدته ثلاث ساعات لعلاج أنواع معينة من الرُّهاب (مثل الخوف من الطيران أو المرتفعات أو الكلاب). وبدأت تشتهر علاجات قصيرة المدة لاضطرابات القلق في أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا، مما تمخض عنه ظهور حركة ناشئة في علم نفس الأطفال والبالغين على حدٍّ سواء.

بدأت الفكرة لدى عالِم النفس السويدي لارس-جوران أوست، وهو حاليًّا أستاذ فخري بجامعة ستوكهولم. فقبل نحو 40 عامًا تبلور لدى أوست انطباعٌ بأنه ليس كل مرضى الرُّهاب الذين يأتونه يحتاجون إلى عدة أسابيع من العلاج، وقرر أن يسألهم إذا ما كانوا يرغبون في تجربة جلسة مفردة مدتها ثلاث ساعات. كان أول مَن استفاد من تلك الجلسة امرأة تبلغ 35 عامًا تعاني رُهابًا من العناكب. يتذكر أوست قائلًا: "كانت تستغرق خمس ساعات من مسكنها للوصول إليَّ، ومن ثَمَّ أسعدها أن يجري علاجها خلال جلسة واحدة فقط". أثبت أوست لاحقًا فاعلية هذا النهج في تجربة سريرية، بالرغم من أنه استغرق أربع سنوات في إقناع 20 مشاركًا. ويشرح قائلًا: "الأشخاص الذين لديهم نوع معين من الرهاب نادرًا ما يطلبون العلاج. إنهم يُأقلمون حياتهم [من خلال تجنُّب العناكب مثلًا] أو يظنون أن علاجهم ليس ممكنًا". مضى أوست قدمًا للعمل مع فريق في مدينة بيرجن بالنرويج، لاختبار علاج مكثف لاضطراب الوسواس القهري عُرف باسم علاج بيرجن لأربعة أيام. ومع بدايات الألفية الجديدة، أخذ أولينديك يُعدِّل علاجاته القصيرة لتتناسب مع المراهقين والأطفال.

ورغم تبايُن تفاصيل العلاجات السريعة، فإن لها خصائص مشتركة. فهي تبدأ على وجه العموم بما يُطلق عليه "التربية النفسية"، حيث يفهم المريض حالته والأفكار الكارثية التي تُبقيها على وضعها. في مدينة بيرجن، يتم هذا في مجموعة صغيرة. أما بالنسبة للأطفال، فقد تكون الدروس عمليةً ومحسوسةً على نحو أكبر. على سبيل المثال، قد يساعد أولينديك طفلًا يعاني رهابًا من الثعابين على فهم السبب في تحرُّك هذا الكائن بهذه الطريقة الزاحفة المريبة بأن يطلب من الطفل الرقود على الأرض ومحاولة التحرك إلى الأمام دون استخدام أيٍّ من أطرافه.

الجزء الثاني غالبًا ما يتضمن "التعرُّض ومنع الاستجابة"، حيث يواجِه المرضى -بخطوات تدريجية- الأشياءَ التي من شأنها أن تستثير قلقهم: ربما التسوق في حالة المصابين برهاب الميادين، أو اتساخ الأيدي في حالة مَن يعانون اضطراب الوسواس القهري. وبدعم من المعالج، يتعلمون تحمُّل الأمر والنظر إليه على أنه أقل تهديدًا وخطورةً مما يظنون. ويغادر المرضى العيادة بواجب منزلي يهدف إلى تعزيز استيعابهم للدروس. وفي بعض الأحيان، يُوجَّه الآباء بشأن الكيفية التي يدعمون بها تقدُّم أطفالهم.

ما مدى فاعلية مثل هذه الأساليب؟ التحليل الشامل الذي أجراه أوست وأولينيديك عام 2017 تناول بالفحص 23 دراسةً عشوائيةً محكومة، ووجد أن نتائج العلاجات "القصيرة والمكثفة والمركزة" لاضطرابات القلق لدى الأطفال كانت مماثلةً لنتائج العلاج السلوكي المعرفي النمطي. فمع العلاجات السريعة، تحسَّن 54% من المرضى مباشرةً بعد العلاج، وهذه النسبة ارتفعت إلى 64% في المتابعات، ربما يكون السبب في ذلك أنهم استمروا في ممارسة ما تعلموه وتطبيقه. أما في حالة العلاجات النمطية، تحسَّن 57% بعد الجلسة الأخيرة و63% في المتابعات. ولم تتأثر النتائج على ما يبدو بحدة الأعراض أو بما إذا كان المريض يتناول أيضًا عقاقير مضادة للقلق أم لا.

من بين المزايا الواضحة للعلاجات السريعة أنها تُعجِّل الشفاء. فعلى سبيل المثال، قد يرفض الأطفال المصابون باضطراب الهلع مغادرة المنزل خوفًا من أن يتسبب ذلك في نوبة من ضيق التنفس وتسارُع النبض والغثيان. تقول دونا بينكوس، أستاذ علم نفس الطفل بجامعة بوسطن: "هؤلاء الأطفال يبدؤون في تجنُّب أماكن مثل مراكز التسوق والسينما وحفلات الرقص المدرسية". قامت بينكوس بابتكار علاج مدته ثمانية أيام لهذا الاضطراب، بديلًا للعلاج السلوكي المعرفي الذي يستغرق ثلاثة أشهر، والذي تعتبره "وقتًا طويلًا تمتنع فيه عن الذهاب إلى المدرسة وتتجنَّب عمل أشياء ممتعة وصحية".

إتاحة هذه العلاجات القصيرة على نطاقات أوسع من شأنها أن تساعد في مواجهة الحقيقة المحزنة القائلة بأنه لا يحصل سوى نحو ثلث مرضى اضطرابات القلق على نوع من العلاج. فالعلاج الذي يستغرق أسبوعًا يمكن تلقِّيه خلال عطلات المدرسة أو العمل. والمرضى المقيمون في المناطق الريفية والذين لا يجدون العلاج السلوكي المعرفي على مقربة منهم يمكنهم تلقِّي العلاج خلال إقامة قصيرة خارج بلداتهم. وتتطلب هذه الطريقة المكثفة تدريبًا خاصًّا للمعالجين يُعَد تحولًا كبيرًا بالنسبة لهم، وكذلك الحال بالنسبة لجهات التأمين الصحي؛ إذ اعتادوا جميعًا على جلسات الـ 50 دقيقة التقليدية. لكن هل هناك حقًّا قدسية من أي نوع في ذلك؟

هذه المقالة نُشرت في الأصل بعنوان "العلاج النفسي السريع" في ساينتفك أمريكان 320, 4, 20 (أبريل 2019) doi:10.1038/scientificamerican0419-20