في شهر مايو من العام الحالي، عاد إلى صدارة عناوين الصحف ذلك الجدل بين معارضي الإجهاض المساندين للحق في الحياة ومؤيدي الإجهاض المناصرين للحق في الاختيار، وذلك عندما وافقت أيرلندا بأغلبية ساحقة على إجراء استفتاء لإنهاء الحظر الدستوري المفروض على الإجهاض. وفي الوقت نفسه تقريبًا، اقترحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حجب التمويل الفيدرالي الخاص ببرنامج التخطيط الأُسَري "تايتل إكس" Title X عن عيادات الإجهاض كوسيلة للحد من عمليات الإجهاض، في إستراتيجية شبيهة بالإستراتيجية التي اتبعتها ولاية تكساس وعدد من الولايات الأخرى لإغلاق هذه العيادات عبر إغراقها في كمٍّ هائل من اللوائح التنظيمية التي سبق للمحكمة العليا بالولايات المتحدة إبطالها في عام 2016 باعتبارها عبئًا غير مسوَّغ يتم فرضه على النساء اللاتي يحاولن الحصول على حق مكفول لهن بموجب الدستور. وإذا كان الهدف هو الحد من حالات الإجهاض، فإن الإستراتيجية الأفضل هي تقليل حالات الحمل غير المرغوب فيه. وقد تم اقتراح طريقتين، ألا وهما: التعفُّف وتحديد النسل.

إن التعفف من شأنه أن يمنع حدوث حالات إجهاض إذا كان للتجويع أن يَحُول دون حدوث السمنة. ثمة سبب وراء عدم اقتراح التعفف كحل للاكتظاظ السكاني؛ فالزهد الجنسي لا يجدي نفعًا، لأن الرغبة الجسدية تكاد تكون عنصرًا أساسيًّا للبقاء والنمو، مثلها مثل الغذاء. توصلت دراسة أُجريت عام 2008 ونُشرت نتائجها في مجلة "چورنال أوڨ أدوليسنت هيلث" Journal of Adolescent Health تحت عنوان "التثقيف الجنسي المُقتصِر على التعفف والتثقيف الجنسي الشامل، وبدء ممارسة النشاط الجنسي، وحمل المراهقات" إلى أنه بين المراهقين الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و19 سنة، "لم يحد التثقيف المُقتصِر على التعفف من احتمالية ممارسة الجماع المهبلي"، وأن "المراهقين الذين تلقوا تثقيفًا جنسيًّا شاملًا أظهروا احتمالية أقل لحدوث الحمل، بالمقارنة بالمراهقين الذين تلقوا تثقيفًا مُقتصرًا على التعفف أو تثقيفًا يرتكز على التجنب الكامل للعلاقات الجنسية". وخلصت ورقة بحثية نُشرت عام 2011 في دورية "بلوس ون" PLOS One –وهي ورقة حللّت "التثقيف المُقتصر على التعفف ومعدلات الحمل لدى المراهقات" في 48 ولاية أمريكية– إلى أن "التركيز المتزايد على تثقيف التعفف يرتبط ارتباطًا إيجابيًّا بمعدلات الحمل والولادة لدى المراهقات"، وذلك مع مراعاة استخدام مجموعات مرجعية فيما يتعلق بالحالة الاجتماعية والاقتصادية، ومستوى التعليم، والأصل العرقي.

وكانت أكثر الدراسات وضوحًا هي دراسة نُشرت عام 2013 في دورية "بي إم چيه" BMJ تحت عنوان "مثل (الأم) العذراء: تحليل لبيانات مستقاة من دراسة استقصائية طولية لعينة ممثلة لسكان الولايات المتحدة". أفادت هذه الدراسة أن 45 من أصل 7,870 امرأة أمريكية شملتها الدراسة بين عامي 1995 و2009 قلن إنهن أصبحن حوامل من دون أن يمارسن الجنس. مَن هن هؤلاء النسوة اللاتي ظهر عليهن الحمل وهن عذراوات مُحصنات وكأنهن السيدة العذراء؟ إنهن النسوة اللاتي كانت احتمالات توقعيهن على تعهُّد بالعفة ضعف احتمالات توقيع غيرهن من الحوامل، وكُنَّ الأكثر احتمالًا بكثير لأن يفِدْن بأن آباءهن كانوا يواجهون صعوبة في مناقشة الموضوعات المتعلقة بالجنس أو تحديد النسل معهن.

عندما يتم تثقيف النساء ويتاح لهن الحصول على تقنيات تحديد النسل، ستنخفض حالات الحمل، ومن ثَم حالات الإجهاض. خلصت دراسة أُجريت في عام 2003 عن "العلاقات التي تربط بين وسائل منع الحمل والإجهاض"، ونُشرت نتائجها في مجلة "إنترناشيونال فاميلي بلانينج بريسبيكتيڨز" International Family Planning Perspectives، إلى أن معدلات الإجهاض تراجعت مع ارتفاع معدلات استخدام وسائل منع الحمل في سبعة بلدان هي: كازاخستان، وقيرغيزستان، وأوزبكستان، وبلغاريا، وتركيا، وتونس، وسويسرا. وفي ستة بلدان أخرى –كوبا والدنمارك وهولندا وسنغافورة وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة– ارتفعت معدلات استخدام وسائل منع الحمل ومعدلات الإجهاض بشكل متزامن، غير أن المستويات العامة للخصوبة شهدت تراجُعًا خلال مدة الدراسة. وبعد استقرار مستويات الخصوبة، استمرت معدلات استخدام وسائل منع الحمل في الارتفاع، وتراجعت معدلات الإجهاض.

بين عامي 1988 و1998، حدث شيء مشابه في تركيا؛ فقد انخفضت معدلات الإجهاض بمقدار النصف تقريبًا عندما جرى إحلال تكنولوجيات أكثر حداثة (الواقيات الذكرية، على سبيل المثال) محل طرق غير موثوق بها في منع الحمل (إحداها كانت طريقة التنظيم الطبيعي للنسل Rhythm Method). وقد أفادت بينار سينليت، مستشارة الصحة العامة التي أجرت الدراسة المنشورة عام 2001 في مجلة "إنترناشيونال فاميلي بلانينج بريسبيكتيڨز"، وكذا أفاد زملاؤها، أنّه "تم تحقيق انخفاضات ملحوظة في عدد حالات الإجهاض في تركيا من خلال الاستخدام المُحسَّن لوسائل منع الحمل بدلًا من الاستخدام المتزايد لهذه الوسائل".

ولكي نكون منصفين، يجب الاعتراف بأن شبكة الارتباطات متعددة المتغيرات في جميع هذه الدراسات تجعل استنباط روابط سببية مباشرة أمرًا صعبًا بالنسبة لعلماء الاجتماع. ولكنني حينما أقرأ الأبحاث، أجد أن النساء اللاتي يتلقين تثقيفًا جنسيًّا محدودًا ولا يحصلن على وسائل لمنع الحمل يَكُنَّ أكثر عرضةً لأن يُصبحن حوامل، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الإجهاض. أما عندما يتم تثقيف النساء بشأن وسائل منع الحمل الفعالة ويتم تمكينهن من الحصول عليها -بالإضافة إلى تثقيفهن بشأن الإجهاض القانوني المأمون طبيًّا وتوفيره لهن- فإنهن سيستخدمن كلا الإستراتيجيتين في البداية للتحكم في حجم الأسرة، وبعد ذلك غالبًا ما تكون وسائل منع الحمل وحدها هي كل ما ستحتاج إليه هاته النسوة، وستقل معدلات الإجهاض.

من المُسَلَّم به أن هناك قضايا أخلاقية خلافية تدخل في هذا الموضوع؛ فالإجهاض يضع بالفعل حدًّا لحياة إنسان، ولذا فإنه لا ينبغي أن يتم من دون أن نضع في اعتبارنا بشكل جاد ما ينطوي عليه الأمر من مخاطر، وذلك على غرار ما نفعله قبل إصدار عقوبة الإعدام أو اتخاذ قرار بخوض الحرب. وبالمثل، يجب أن تعترف جميع الشعوب المُحِبة للحرية بالمساواة في الحقوق، وخاصةً الحق في الإنجاب. بيد أن التقدم في حياة البشر كافةً يمكن تحقيقه بسهولة أكبر إذا كان لنا أن نتعامل مع الإجهاض باعتباره مشكلةً يجب حلها، وليس قضية أخلاقية نتبادل الاتهامات بشأنها فيما بيننا. وإذا كان الغضب دفاعًا عن الأخلاقيات يبعث على الشعور بالرضا، فإن أثره في تقريب مؤشر الأخلاق نحو العدالة يُعَد أثرًا محدودًا.

نُشر هذا المقال في الأصل تحت عنوان "حقائق الإجهاض".