الوقت هو أثمن ما يمكن للإنسان أن ينفقه.

ثيوفراستوس (371-287 ق.م)

كان الفلاسفة القدماء بعيدين كل البعد عن التفرُّد في تأملاتهم عن الوقت. في عام 1944، كتب الكاتب المسرحي تينيسي وليامز أن الوقت هو أطول مسافة بين مكانين. وقد أثبتت الأعوام صحة مقولته. فالسفر السريع والاتصالات الفورية والتوصيل السريع بين قطبي العالم يعني -أكثر من أي وقت مضى- أن الوقت ليس أمرًا نسبيًّا فقط، بل هو أيضًا ضرب من الوهم.

ولكن الوقت يعني أيضًا المال، أو هكذا يبدو الأمر بديهيًّا. فمن المؤكد أن الوقت والمال ثمينان، يتوفران بقدر محدود، وقد يكونان شديدي الارتباط ببعضهما البعض. هل كنت يومًا تتوق إلى عطلة ولكن الحاجة إلى المال أو الوقت حالت دون قضاء عطلتك المثالية؟ من المدهش أننا لَحَظنا خلال أسفارنا، أن المطارات هي المكان المفضل لعرض الساعات الراقية. يبدو الأمر كما لو كان من الشائع أن يقرر المسافر قبل الإقلاع الوشيك لطائراته، إما الإسراع إلى كشك الجرائد لشراء بعض العِلك ونسخة من مجلة ساينتفك أمريكان، أو التوقف أمام واجهة عرض المجوهرات المجاورة لشراء ساعة رولكس بعشرة آلاف دولار. من يختار الثانية؟ للأسف، لا يمكننا اختيارها؛ على الرغم من أننا نحب التنقل بين واجهات العرض. عندما تفعل ذلك في المرة القادمة، انظر بعناية إلى واجهات العرض الخاصة بالساعات، وتأمل. هل تَلحظ شيئًا غريبًا؟ ربما ترى كيف يستغل مصمِّمو الإعلانات تقاطع الأوقات والإيهام من أجل بيع منتجاتهم؟!

إنها تنجح مرتين يوميًّا

ابحث عن "صور ساعات" على الإنترنت، وستجد شيئًا غريبًا، كل الساعات تقريبًا مضبوطة على 10:10! فما هي الفكرة، وما هي النظرة الثاقبة، وما هي الآلية المشتركة لعمل المخ التي قد تجعل رجال المبيعات يثبِّتون ساعاتهم على هذا الوضع؟ هل لأن المتسوقين يفضلون الشراء بعد شاي الصباح مباشرة؟ أم، كما تُرجِّح نظرية المؤامرة، لأن 10:10 هو الوقت الذي اغتيل فيه كل من جون كينيدي ومارتن لوثر كنج وإبراهام لنكولن وجون لينون؟ أم لأنه الوقت الذي أحرق فيه "الولد الصغير" و"الرجل السمين" سماءَي هيروشيما وناجازاكي؟ كلّا. كل هذه الافتراضات غير صحيح.

لكلا الوقتين 10:10 و 8:20 صورة بصرية تجذب المخ (الأسفل). ولكن،أحدهما أكثر شيوعًا بكثير عن الآخر. لماذا؟

وفق صحيفة نيويورك تايمز، فإن "هاميلتون ووتش" كانت من بين أولى الشركات التي تضبط منتجاتها على الساعة 10:10، وذلك في عشرينيات القرن الماضي، بعدما كان الضبط السابق على 8:20. ويفترض بعض المديرين التنفيذين حاليًّا أن هذا التحول كان الغرض منه قلب "العبوس" الذي ترسمه عقارب الساعة المضبوطة على 8:20، إلى "ابتسامة".

ولكن بالنسبة إلى أمثالنا من علماء الأعصاب، فإن هذه التكهنات تطرح سؤالًا، ألا وهو لماذا تم ضبط عقارب الساعة على الوضعين المائلين 8:20/10:10 في المقام الأول؟ يبدو من غير المحتمل أن يكون صانعو الساعات فيما قبل عام 1920، قد أرادوا رسم العبوس على ساعاتهم! أحد الاحتمالات، أن الوضع المائل لعقارب الساعة هو الأفضل كي لا تغطي شعار الشركة. ولكن، إذا كان الأمر كذلك، ألم تكن الأوضاع الأفقية مثل 9:15 أو 2:45 هي الأفضل على الإطلاق من أجل تحقيق هذا الغرض؟ ولأن ضبط عقارب الساعة في وضع أفقي لم يكن شائعًا قَط في إعلانات الساعات، فإنه يمكننا استبعاد هذا الافتراض.

هل من الممكن إذن أن يكون توجيه عقارب الساعة بشكل مائل، قد أدى إلى مبيعات أعلى من توجيهها نحو الجهات الأصلية، أو بشكل رأسي أو أفقي؟ قد تكون الإجابة نعم، وربما يفسرها علم أعصاب المعرفة والإدراك. إذ يعرف العلماء منذ فترة طويلة أنه يمكننا اكتشاف الوضعيات الموجَّهة نحو الاتجاهات الأصلية بسهولة أكثر من الوضعيات المائلة. هذا بالإضافة إلى أن القشرة البصرية تستجيب بشكل أضعف إلى الوضعيات المائلة، وكأن لها تباينًا أقل من الوضعيات الأصلية، وإن تساوت في سطوعها الفيزيائي. علاوة على ذلك، فإن عدد الخلايا العصبية ذات الحساسية للوضعيات المائلة أقل منها بالنسبة للوضعيات الأصلية. ومن ثَمَّ فإن توجيه عقارب الساعة بشكل مائل، يُصعِّب الرؤية علينا قليلًا.

قد تبدو هذه الحقيقة -في البداية- خبرًا مزعجًا لمسوِّقي الساعات، وبخاصة إذا كنت تعتقد أنه ينبغي أن تكون عقارب الساعة واضحة في الإعلانات قدر الإمكان. ولكن علم الأعصاب يشير إلى أنه إذا كانت رؤية عقارب الساعة أصعب قليلًا، فإن هذا قد يكون في مصلحة بائعي الساعات. فإنك إن أردت الوصول إلى الحد الأقصى من فرص الشراء، فعليك جذب انتباه العملاء إلى منتجاتك، وهذا التحدي البصري المتمثل في الوضعية المائلة لعقارب الساعة كفيل بجذب انتباههم.

إن الانتباه البصري له تأثير في تعزيز إدراك عناصر الصورة الصعبة. ومما لا شك فيه أن انتباهك يكون أقوى إذا كان موضع اهتمامك صعب الرؤية، تمامًا مثل عقارب الساعة الموجهة بشكل مائل.

لم تكن صناعة الساعات أول من استخدم 10:10 كضبط مثالي لمنتجاتها. إليك هذا المثال من مجموعة لوحات الفنان مارك شاجال عن الساعات.

إذا كان مصمِّمو الإعلانات في الدراما التليفزيونية Mad Men قد أدركوا بشكل فطري أن الخطوط الموجهة بشكل مائل جاذبة للانتباه، فإن أصحاب المجالات الأخرى قد توصلوا إلى نفس الاستنتاجات. لقد بحثنا بين أبرز رسومات الساعات في لوحات الفن التشكيلي، وكما توقعنا. استخدم مارك شاجال الوقت 10:10 في سلسلته الشهيرة من لوحات الساعات، والتي يرجع تاريخها إلى عام 1914؛ أي قبل تبنّي صناعة الساعات لوقتها المفضل 10:10.

سهم الوقت

لم يكن صانعو الساعات وحدهم مَن تلاعبوا بالتفاعل بين الوقت والوهم في إعلاناتهم التجارية. فعندما تستخدم خدمات الشحن التي تقدمها شركة "فيديكس" من أجل كسب بعض الوقت، قد لا تنتبه إلى الوهم الذكي المخبَّأ في شعار الشركة الشهير؛ إنه سهم الوقت، والذي يشير تجاه المستقبل. يمكنك فقط أن ترى إما السهم الأبيض وإما حروف كلمة "فيديكس"، ولكن ليس كليهما معًا؛ وذلك لأن أحدهما دائمًا ما يكون خلفية للآخر.

لقد جرى نحت الشعار الحالي "فيديكس" من الكلمتين المكونتين لاسم الشركة "فيدرال إكسبريس"، مع إضفاء لمسة تصميمية جديدة، أنيقة وموهمة. إنه السهم الذي يظهر في الخلفية بين الحرفين "ك" و "س". فهل عملت الشركة على اختصار الاسم من أجل تقليل كمية الطلاء اللازم لوضع الشعار على طائراتها وشاحناتها؟ هذا التفسير ليس له أي معنى، إلا إذا استخدم الرسامون نفس حجم خط الكتابة القديم. ولكن بمجرد اختصار الاسم، أمكنهم كتابة الحروف بحجم أكبر لتشغل نفس المساحة، وبنفس كمية الطلاء تقريبًا. بل إنه في الواقع، ووفق ما ذكره الفنان الذي صمَّم الشعار الجديد، ليندن ليدر، طلب المدير التنفيذي لشركة "فيديكس" على وجه التحديد، أن يكون الشعار على كل شاحنة يمكن قراءته بسهولة من مسافة خمس بنايات.

ومن هنا كان التغيير نتاج تحليل دقيق لقيمة اسم الشركة في السوق. ولكن، لماذا قد يكون الشعار الجديد أكثر تأثيرًا؟ أحد الأسباب هو أن السهم -وهو الرمز الذي يمثل معنى خاصًّا للنظام المعرفي لدينا- يساعد على جذب الانتباه إلى الشعار ككل. يشير السهم إلى ما يسميه العلماء "الحركة الضمنية". فكما أظهر عالِما الأعصاب البصري "أنجا شلاك" و"توماس ألبرايت" من معهد سالك للدراسات البيولوجية، أن الخلايا العصبية التي تستجيب بشكل أفضل لاتجاهات محددة الحركة في الواقع، يتم تنشيطها أيضًا بواسطة الأسهم التي تشير إلى نفس الاتجاهات، حتى وإن كانت هذه الأسهم غير متحركة ولكنها مجرد تمثيل لمفهوم الحركة.

أدمجت فيديكس سهمًا يشير إلى الأمام في شعارها الغامض (انظر إلى الفراغ الأبيض بين الحروف). في اللغات التي تُقرأ من اليسار إلى اليمين، يشير السهم إلى اليمين (أعلى يسار الصورة)، بينما يشير السهم إلى اليسار في اللغات التي تُقرأ من اليمين إلى اليسار، كالعربية (الشاحنة). 

يرمز سهم فيديكس -الذي يشير إلى اليمين- إلى الحركة نحو المستقبل، لأولئك الذين يكتبون باللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات التي تُكتب من اليسار إلى اليمين. علاوة على ذلك، ولأن الخلايا العصبية الحساسة للحركة تفضل أيضًا الاتجاهات الأصلية بدلًا من الاتجاهات المائلة، فإن السهم يتنافس بقوة مع اسم فيديكس نفسه؛ ومن ثَم فإن إدراكنا للشعار يتأرجح بين قيمة اسم "فيديكس" والقوة الدافعة نحو المستقبل. أما في اللغات التي تُقرأ من اليمين إلى اليسار، فإن سهم فيديكس يشير تجاه اليسار -كما في النسخة العربية للشعار- مما يتّسق مع التمثيل المعرفي لسهم الوقت.

ويعكس الاتجاه الحركي من اليمين لليسار نظامًا وقتيًّا من الصور التوضيحية المجمعة في متواليات، مثل الصورة الشهيرة التي التي تعبر عن نظرية التطور البشري؛ من الإنسان البوهيمي إلى الإنسان العاقل. قد يكون اتجاه هذه المتتالية بهذا التسلسل تعسُّفيًّا بالأساس، و لكن إن تم تجميعها في الاتجاه الخطأ؛ سيبدو وكأنه عكس لسير الوقت.

الوقت قد ينطلق كالسهم ، ولكن انتباهك إلى الوقت هو ما يهم مصممي الإعلانات.

تم نشر هذا المقال لأول مرة تحت عنوان "الدعاية ذات التوقيت المثالي".