سيخبرك أي شخص لديه حيوان أليف أن الإنسان ليس الكائن الوحيد الذي يتمتع بشخصية مستقلة، ولا يتوقف الأمر على الكلاب والقطط فحسب. ففي السنوات الأخيرة، وجد العلماء أن أفراد الكثير من أنواع الكائنات -بدءًا من السلطعون الناسك ومرورًا بالفئران وحتى الأسماك- لديها طباع فريدة تدل على وجود اختلافات سلوكية بينها تتضح مع الوقت وعبر المواقف المختلفة.

ولكن كيف تؤثر المواقف الاجتماعية على شخصيات الأفراد؟ سعى كريستوس سي. إيوانو -عالِم الأحياء في جامعة بريستول- وزملاؤه إلى الإجابة عن هذا السؤال بدراسة سمكة صغيرة من أسماك أبو شوكة ثلاثي الشوكات، والتي تعيش في المياه الساحلية المالحة في نصف الكرة الأرضية الشمالي. ويقول إيوانو: "تعيش هذه الأسماك بصورة منفردة وفي أسراب في البرية"، مما يجعلها الخيار الأمثل لتقييم الشخصية في مختلف الأوضاع.

جمع الفريق البحثي ثمانين سمكة، ثم وضعوا كل واحدة منها تحت غطاءٍ واقٍ بأحد طرفي حوض سمك، ووضعوا في الطرف الآخر بعض الطعام. وكانت السباحة عبر الحوض للحصول على الطعام تبدو مجازفةً مَلأى بالمخاطر بالنسبة للأسماك؛ لأن المياه المفتوحة عادة ما تعرضها لخطر الافتراس.

تصرفت كل سمكة بنمط متسق على مدار عدة أيام؛ إذ كانت الأسماك الأكثر جرأة تترك المأوى الآمن بسرعة وتذهب للحصول على الطعام. في حين تستغرق الأسماك الخائفة وقتًا أطول للخروج وتسبح عبر الحوض بمزيد من الحذر. ولكن عندما وضع الفريق عشر سمكات معًا تحت الغطاء الواقي، ذابت شخصية كل واحدة منها في المجموعة. وكما يحدث في البشر، فإن الأسماك التي تتمتع بجرأة أكبر تولت قيادة المجموعة، مع التحلي ببعض الحذر. ويقول إيوانو: "خرج الأفراد الأوائل بسرعة نسبيًّا، ولكن يبدو أنهم أدركوا أن لا أحد يتبعهم فانتظروا حتى يلحق بهم الآخرون". وعندما فرَّق الفريق بين السمك في وقت لاحق، استعادت كل سمكة شخصيتها الأصلية. وقد نُشرت نتائج هذه الدراسة في عدد شهر سبتمبر من دورية "ساينس أدفانسز" Science Advances.

وتشير النتائج الجديدة إلى أن ديناميكية المجموعة تطغى على الشخصية المستقلة للحيوان، ويقول الباحثون إن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الربط بوضوح بين طمس الشخصية والسبب وراء ذلك: ألا وهو الحاجة إلى اتباع الجماعة عند مواجهة قرار محفوف بالمخاطر.

ويقول مايك ويبستر -الباحث المتخصص في سلوك الحيوان بجامعة سانت أندروز، والذي لم يشارك في الدراسة-: إن الباحثين المتخصصين في دراسة شخصية الحيوان ظلوا طويلًا يركزون على دراسة سلوك الحيوانات بشكل فردي مع تجاهل الطريقة التي تتصرف بها داخل المجموعات، في حين كان الباحثون المتخصصون في دراسة السلوك الجماعي يركزون على دراسة المجموعات مع عدم الاكتراث بالفروق الفردية. ويضيف: "ما نجحت هذه الدراسة في تحقيقه هو الجمع بين الاتجاهين البحثيين معًا"، مما أثبت أن شخصيات الحيوانات مرنة ولكنها في الوقت نفسه ثابتة أيضًا.