في خمسينيات القرن العشرين، كان دون نيومان، الذي كان آنذاك عالمًا في الرياضيات في ريعان الشباب، يُدرّس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، جنبًا إلى جنب مع النابغة جون ناش الذي حصل على جائزة نوبل بعد ذلك. وكان نيومان في ذلك الوقت يعتصر ذهنه بحثًا عن حل لمسألة رياضية تؤرقه بشدة، فيتذكر ذلك الوقت قائلًا: "كنت أحاول التوصل إلى حل لها، وحاولت مرارًا وتكرارًا ولكني لم أتوصل إلى شيء".

وفي إحدى الليالي، رأى نيومان منامًا أنه كان يفكر في المسألة عندما ظهر جون ناش، فما كان من نيومان إلا أن أخبر ناش في الحلم باللغز الذي يقض مضجعه وسأله عما إذا كان يعرف الحل، فشرح له ناش كيف يحله. فاستيقظ نيومان من نومه وقد توصل إلى الحل، وقضى الأسابيع التالية لتلك الليلة في تحويل هذه الفكرة إلى ورقة بحثية رسمية، نُشرت بعد ذلك في إحدى الدوريات العلمية الرياضية.

ولم يكن نيومان وحده هو الذي نجح في تحقيق اكتشاف هائل في أثناء نومه، بل يزخر التاريخ بأمثلة مشابهة. ففي الحلم أيضًا توصل فريدريك أوجست كيكولى إلى البنية الكيميائية للبنزين، واستحضر ديميتري مندليف الشكل النهائي للجدول الدوري للعناصر، وفكر أوتو لوفي في تجربة علم الأعصاب التي أهلته للفوز بجائزة نوبل في الطب.

وفي الحلم أيضًا، وُلد في ذهن المهندسين بول هورويتز وآلان هوانج تصميم أجهزة التحكم في تلسكوب الليزر وحساب موجات الليزر على التوالي. وثمة عدد لا حصر له من الفنانين والمخرجين جاءهم الإلهام بأبرز أعمالهم وهم نائمون؛ فقد حلمت الكاتبة ماري شيلي بالمشهدين الرئيسيين اللذَين أسفرا في النهاية عن رواية "فرانكنشتاين"، وهكذا كان الحال مع الكاتب روبرت لويس ستيفنسون مع رواية "الدكتور جيكل والسيد هايد". وقد استيقظ كلٌّ من لودفيج فان بيتهوفن وبول مكارتني وبيلي جويل من نومهم على ألحان موسيقية جديدة تتردد في أذهانهم. ليس هذا فحسب، بل إن دعوة المهاتما غاندي إلى المظاهرات السلمية ضد الحكم البريطاني على الهند جاء إلهامها في حلم.

غير أن الأحلام غالبًا ما تبدو غريبة وغير مترابطة، بل وفي بعض الأحيان تافهة. فترى نفسك في أحد الأحلام تبحث بلهفة عن شقيقك في متاهة لا تنتهي من الممرات لأنك يجب أن تعطيه علبة صفراء، وعندما تصل إليه، تكتشف أنك قد نسيت تلك العلبة، التي من المؤكد أنك لم تعد تحملها، بل وإن مَن تراه ليس شقيقك وإنما هو أحد جيرانك. وبعض الأحلام الأخرى تكون قصيرةً للغاية وتتلاشى بسرعة، فتجد نفسك تستيقظ من نومك تفكر في صندوق أصفر اللون، ولكنك لا تتذكر شيئًا آخر غير هذا.

على مدار عقود، كانت فكرة كيف يمكن أن يكون للأحلام هذه السمات المتنوعة تثير حيرة العلماء. وتشير الأبحاث الآن إلى أن الأحلام هي ببساطة أفكار ولكن في حالة كيميائية عضوية مختلفة. إن المتطلبات الفسيولوجية للنوم تغير الطريقة التي يعمل بها الدماغ؛ وقد تبدو الأحلام غريبة أو غير منطقية لأن كيمياء الدماغ النائم تؤثر على الطريقة التي ندرك بها أفكارنا، ولكننا رغم ذلك نستمر في التركيز على الموضوعات نفسها التي تشغل تفكيرنا في أثناء اليقظة. وهذه الحالة الغريبة من الوعي غالبًا ما تكون فرصة ذهبية لحل المشكلات؛ إذ إنها تساعدنا على التوصل إلى حلول بعيدة عن أنماط التفكير العادية. ومن خلال اتباع بعض الخطوات البسيطة، يمكن للإنسان أن يتحكم في زمام هذه القوة الكامنة ويحث الدماغ النائم على التفكير مليًّا في بعض الأمور المحددة التي تشغله.

البنية التشريحية للأحلام

كثيرًا ما يتردد على مسامعنا السؤال: "ما وظيفة الأحلام أو فائدتها؟"، ولكن لن يطرح أحد أبدًا هذا التساؤل المفرط في التبسيط عن التفكير في أثناء اليقظة؛ فالأحلام لها وظائف وفوائد جمة.

ورغم ذلك، كان المُنظِّرون على مدار فترة طويلة من الزمن يقدمون تفسيرات أحادية الوظيفة للأحلام. فقد كان سيجموند فرويد يرى أن الأحلام في الأساس تعبر عن الرغبات المكبوتة، بالتحديد الرغبات الجنسية والعدوانية الطفولية. في حين رأى محللون نفسيون آخرون أن الأحلام ترتبط أكثر بالصراعات النرجسية أو التعويض عن مشاعر النقص. وحديثًا، افترض علماء النفس أن الأحلام تحاكي التهديدات أو تساعد على تعزيز الذكريات. كل هذه النظريات تعكس خصائص بعض الأحلام، ولكن لا يمكن لأيٍّ منها تفسير كل نوع من الأحلام. بالضبط مثلما أن أفكار اليقظة يمكن أن تتنوع بين استعادة ذكريات الماضي والتخطيط للمستقبل والتفكر والتدبر وغيرها، فإن الأحلام يبدو أنها تشمل العديد من أنماط التفكير.

وقد افترض معظم المُنظِّرين الأوائل أن الأحلام التي نتذكرها تشكل "كافة" الأحلام. وقد قالت العديد من الفرضيات بأن الأشخاص يرون أحلامًا عندما يثير موقفٌ معين مجموعةً من المشاعر المميزة، على سبيل المثال الرغبة في ممارسة الجنس أو الإساءة إلى مشاعر المرء وإحساسه بذاته. ولكن في خمسينيات القرن العشرين، كشفت سلسلة من الدراسات الرائدة أجراها يوجين أسيرينسكي وناثانيال كلايتمان -وكان كلاهما آنذاك يعمل في جامعة شيكاغو- أن الإنسان يرى أحلامًا أكثر بكثير مما يتذكر. وقد اكتشف الباحثان المتخصصان في أبحاث النوم أن نوم الإنسان يتكون تقريبًا من دورات مدة كلٍّ منها 90 دقيقة، كلٌّ منها يتضمن فترة من نوم حركة العين السريعة ونشاط شديد للدماغ، يضاهي تقريبًا نشاط الدماغ في أثناء اليقظة. وعندما كان العلماء يوقظون المشاركين في التجارب بالقرب من نهاية كل فترة من نوم حركة العين السريعة، كان المشاركون يحكون عن رؤية متوسط خمسة أحلام تقريبًا في الليلة. والتضارب بين ما يقوله المشاركون عندما يجري إيقاظهم بعد فترة نوم حركة العين السريعة مباشرة في مقابل إيقاظهم في وقت لاحق، دفع العلماء إلى استنباط أن الأحلام تصاحب هذه المرحلة من النوم دائمًا تقريبًا، حتى ولو لم يتذكروا أيًّا منها في الصباح.

ربما تولد بذرة الأفكار الثورية وأبرز الأعمال الفنية في الأحلام: من أبرز الأمثلة على ذلك رواية "فرانكنشتاين" للكاتبة ماري شيلي؛ وتصميم الجدول الدوري للعناصر على يد ديميتري مندليف؛ واكتشاف فريدريك أوجست كيكولي لبنية البنزلين؛ وتصور المهندسة المعمارية سولانج فابيو لمتحف مدينة المحيط في مدينة بياريتز في فرنسا.
 
Credit: Getty Images (وحش فرانكنشتاين);
Mark J. Winter Science Source (تركيب البنزين);
 Christopher Cooper Getty Images (الجدول الدوري);
 © Paul Raftery age fotostock ((المبنى
يرى الإنسان الأحلام في مرحلة نوم حركة العين السريعة والتي يكون فيها الدماغ نشطًا بقدر نشاطه في أثناء اليقظة. وفي هذه الصورة يُظهر التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني الدماغ في مرحلة نوم حركة العين السريعة (إلى اليسار) وفي أثناء اليقظة (إلى اليمين). ويتحدد النشاط من خلال طيف الألوان، إذ يشير اللون الأحمر إلى المناطق الأكثر نشاطًا واللون الأزرق إلى الأماكن الأقل نشاطًا.. Credit: Hank Morgan Science Source

على مدار العقدين الماضيين أتاح التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني رؤية المناطق الدماغية المشتركة في الأحلام. فقد كانت أجزاء من القشرة الدماغية المرتبطة بالتصوير البصري وإدراك الحركة أكثر نشاطًا بصورة ملحوظة حتى لدى المقارنة بأوقات اليقظة، وكذلك بعض المناطق الدماغية البعيدة المرتبطة بالعواطف. وعلى النقيض، كانت القشرة الأمام جبهية الظهرانية الجانبية أقل نشاطًا في أثناء الأحلام، وهذه المنطقة مرتبطة بالأفعال الإرادية وتقييم الأمور المنطقية والمقبولة اجتماعيًّا. وتتوافق نتائج التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني مع خصائص الأحلام تمامًا، فدائمًا ما تتضمن الأحلام صورًا بصرية وغالبًا ما تتضمن حركة. كما تتناسب أيضًا النتائج الخاصة بالقشرة الأمام جبهية الظهرانية الجانبية مع حقيقة أن الأحلام ارتبطت على مدار وقت طويل بغياب "الرقابة"؛ ليس فقط فيما يتعلق بالرغبات الجنسية والعدوانية التي لا تعرف قيودًا وفقًا للمفهوم الفرويدي، لكن أيضًا فيما يتعلق بحذف السيناريوهات غير المنطقية أو غير الطبيعية. وسنعود إلى مناقشة هذه النقطة مرة أخرى عندما نتحدث عن أساليب حل المشكلات؛ ففي بعض الأحيان ربما يؤدي التعامل مع أحد الألغاز بطريقة "خطأ" إلى أفكار ثاقبة مدهشة.

وسرعان ما أشار علماء النفس التطوريون إلى أن هذه الصورة التي يرسمها التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني للدماغ في حالة الحلم تبدو منطقية نظرًا لأن مثل هذه الأنشطة من شأنها أن تدعم قدرة الإنسان على البقاء؛ فبعض مناطق الدماغ يكون تشغيلها وإيقاف تشغيلها في أثناء النوم أكثرَ أمانًا من بعض المناطق الأخرى. ويقول دونالد سايمونز -عالِم الأنثروبولوجيا بجامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، في الورقة البحثية التي نشرها في عام 1993 بعنوان "الأشياء التي لا تتكون منها الأحلام" بأن النائمين يجب أن يراقبوا بيئتهم بحواس معينة، حتى يتسنى لهم أن يشموا رائحة الدخان أو يسمعوا أصوات الدخلاء ويحسوا بتغيرات درجة الحرارة ويشعروا بالألم. كما أن الهلوسة بقوة في هذه الأنماط الحسية قد تؤدي إلى الاستيقاظ بصورة متكررة في حالة من الذعر غير المبرر، أو الأسوأ من ذلك، قد يطور الإنسان بمرور الوقت مستوى من الاعتياد على هذه الأصوات وتقبُّلها يجعله يتجاهل التحذيرات الحقيقية. فالعين تُغلَق لأن الإنسان لا يحتاج إلى مراقبة البيئة المرئية في أثناء نومه، ويمكن أن يتوقف الجسد عن الحركة، كما هو معتاد في أثناء نوم حركة العين السريعة؛ لأننا لا نحتاج إلى التحرك، بل في الواقع يجب ألا يتحرك الإنسان إلى أن يستيقظ.

ومن ثم، فإن التطور قد يساعد على تفسير السبب في أن بعض المناطق الدماغية بعينها تكون أكثر نشاطًا، أو أقل نشاطًا، في أثناء النوم. ويفسر نمط النشاط لماذا تتسم الأحلام بالخصائص التي تميزها وهي أنها ثرية في العوامل البصرية لكنها تفتقر إلى التماسك المنطقي. في البداية، أدت هذه الاكتشافات الفسيولوجية المثيرة للاهتمام إلى انتشار نظريات تقول بأن الأحلام ليست إلا ظاهرة ثانوية، أو آثار جانبية، للأنماط الدماغية في أثناء النوم. وغالبًا ما يشير الباحثون المتخصصون في أبحاث النوم إلى نشاط حركة العين السريعة على أنه نشاط "عشوائي" على الرغم من عدم وجود أدلة تشير إلى أنه أكثر عشوائية من النشاط الدماغي في أثناء اليقظة. وهكذا اندفع العديد من المُنظِّرين وأعلنوا أن الأحلام "قد فُسِّرَت".

وأود هنا أن أكرر مرة أخرى أننا لن نسارع إلى تنحية دراسة أفكار اليقظة جانبًا بهذه الصورة؛ فمعرفة أن القشرة الأمام جبهية تنشط عند الإنسان عندما يواجه موقفًا محظورًا اجتماعيًّا لا تفسر الجدال الذاتي الذي يمر به عندما يقرر كيفية التعامل مع هذا الموقف. وبالمثل، فإن وصف محتوى الأحلام أو النشاط الدماغي المرتبط بها لا يجيب عن السؤال المتعلق بالغرض منها. وقد أدرك الباحثون المتخصصون في دراسة الدماغ أخيرًا هذه الحقيقة بعد حالة من الركود استمرت لعقدين من الزمن، وعادوا مرة أخرى خلال الأعوام الماضية إلى دراسة الأحلام دراسة جدية مرة أخرى.

النوم قد يكون السبيل إلى الحل!

بحلول تسعينيات القرن العشرين، أشار كثير من البحوث إلى أن النوم عامل مهم لترسيخ تعلم المهارات والأشياء الجديدة، بل أوضحت الدراسات المبكرة أن النوم لبعض الوقت بعد تعلم شيء جديد يؤدي إلى تذكره بصورة أفضل من قضاء الفترة نفسها من الوقت في يقظة. كما تشير بعض الأبحاث الأحدث إلى أن نوم حركة العين السريعة يؤدي دورًا خاصًّا في ترسيخ الذكريات. وتوصلت الدراسات التي أجريت على فئران تتعلم كيفية التنقل في المتاهات إلى أنه في أثناء نوم حركة العين السريعة، يحاكي نشاط الدماغ نشاط الفأر في أثناء استيقاظه وتدرُّبه على حفظ طرقات المتاهة، وهو ما يشير إلى أن الدوائر الدماغية ربما تحصل على تعزيزات في أثناء نوم حركة العين السريعة. وفي البشر أيضًا، تدعم الأبحاث دور نوم حركة العين السريعة في التأثير على الذاكرة؛ فكلما حصل المشاركون في التجارب على فترات من نوم حركة العين السريعة بعد التعلم، كان تذكُّرهم أفضل للتجارب المشحونة بالانفعالات.

في عام 2009، فحص علماء نفس بجامعة كاليفورنيا بسان دييجو، ما إذا كان نوم حركة العين السريعة يسهل ما هو أكثر من الذاكرة في أثناء التعلم. فأخضعوا المشاركين في التجربة لاختبار يتطلب أسلوبًا إبداعيًّا في حل المشكلات ثم تركوا لهم بعض الإشارات حول الحلول. بعد ذلك قضى المشاركون في التجربة بعض الوقت إما مستيقظين، أو نائمين في مرحلة نوم حركة العين غير السريعة، أو نائمين في مرحلة نوم حركة العين السريعة قبل الخضوع للاختبار مرة أخرى. وقد أظهرت المجموعة التي قضت الوقت في نوم حركة العين السريعة التحسن الأكبر في التوصل إلى الحلول الإبداعية للمشكلات التي عُرضَت عليهم من قبل.

وفي العام نفسه في مختبر روبرت ستيكجولد بجامعة هارفارد، جعل فريق بحثي بقيادة إينا دجونلاجيك -التي كانت آنذاك باحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراة- المشاركين في التجربة يتعلمون نظامًا معقدًا من التنبؤ بالطقس. فعُرض على الطلاب المشاركين مجموعة من الصور يمثل كلٌّ منها احتمالية لسطوع الشمس أو هطول الأمطار، ولم يكن الطلاب يعرفون معنى تلك الصور، ولكنهم حاولوا اكتشافه من خلال التجربة والخطأ من خلال توقع فرصة سطوع الشمس أو سقوط الأمطار ومعرفة تقييم إجاباتهم. وقد وجد الباحثون أن الطلاب الذين خلدوا إلى النوم قبل تنفيذ المهمة مرة أخرى كانوا أكثر قدرة على اكتشاف القاعدة العامة وراء فهم معنى الصور من خلال الملاحظة الثاقبة مقارنة بأولئك الذين ظلوا مستيقظين. بالإضافة إلى ذلك، فإن تحسن الأداء -وكذلك القدرة على التعبير بوضوح عن أنهم فهموا القاعدة العامة لفهم الصور- كان مرتبطًا بمقدار ما حصلوا عليه من نوم حركة العين السريعة.

وتؤكد المزيد من الأبحاث أن نوم حركة العين السريعة يساعد في حل المشكلات. ففي سلسلة من الدراسات أُجريت في المعمل نفسه بجامعة هارفارد، طلبت إرين جيه. وامزلي -والتي كانت آنذاك باحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراة أيضًا- من المشاركين في التجربة تصفح متاهة افتراضية. وبعد التدرب لبعض الوقت، حصلوا على فترة راحة يقضونها إما مستيقظين، أو في نوم حركة العين السريعة، أو نوم حركة العين غير السريعة. وكما قالت وامزلي في مؤتمر أبحاث النوم الذي عُقد في عام 2011، فإن نوم حركة العين السريعة فقط نجح في تحسين أداء المشاركين. بالإضافة إلى ذلك، عندما أيقظتهم أو قاطعت نومهم لتسألهم عما يفكرون فيه أو يحلمون به، كانت المتاهة دائمًا في محور تفكيرهم، ولكن لم يتحسن أداء المشاركين في التعامل مع المتاهة إلا عندما كانت هذه الفكرة تسيطر على مرحلة نوم حركة العين السريعة.

ونظرًا لأن مرحلة نوم حركة العين السريعة هي المرحلة التي تحدث فيها الأحلام، فإن دراسات النوم تدل على أن الأحلام ربما تكون ذات علاقة بالتفكير الإبداعي في حل المشكلات، وثمة أدلة تجريبية متزايدة -وكذلك عدد لا حصري له من القصص حول ظهور الحل بشكل مفاجئ في أثناء الأحلام- تدعم هذه الفكرة.

وقد أجريت أول دراسة حول الأحلام وحل المشكلات بصورة موضوعية قبل أكثر من قرن من الزمان. ففي عام 1892، سأل تشارلز إم. تشايلد -من جامعة ويسليان- 186 طالبًا جامعيًّا عما إذا كان أحدهم قد قام بحل مشكلة ما من قبل في الأحلام، وقد جاءت إجابة ثلث الطلاب بالإيجاب. وقال الطلاب إنهم لعبوا مباريات شطرنج، وقاموا بحل مسألة جبر، واكتشفوا خطأ في العمليات الحسابية وترجموا قطعة من أعمال الشاعر الروماني القديم فيرجيل في أثناء النوم.

وجاءت الطفرة الكبرى التالية عندما قرر الباحثون محاولة غرس مشكلات معينة في أحلام بعض الأشخاص. ففي عام 1972، طلب ويليام ديمنت -الباحث المتخصص في أبحاث النوم في جامعة ستانفورد- من 500 من طلابه أن يقضوا 15 دقيقة ليلًا في محاولة حل مشكلة صعبة تتحدى قدراتهم الذهنية، على أن يحرصوا على أن يغلبهم النعاس وهم يفكرون في مسألة غير محلولة، وقد جاء في تقارير الطلاب رؤية 87 حلمًا، سبعة منها تمثل حلًّا للمشكلة المستعصية.

ومثل هذه الألغاز تمثل أداة مفيدة لاختبار القدرة الإبداعية على حل المشكلات؛ لأنه غالبًا ما يمر الأشخاص بمرحلة من توقف القدرة على التفكير قبل الوصول إلى لحظة اشتعال مصباح الفهم. ولكن تلك المسائل المستعصية ربما كانت تفوق قدرة بعض المشاركين في التجربة، كما أنها ربما كانت غير ذات أهمية شخصية كبيرة بالنسبة لهم. وفي الدراسة التي أجراها ديمنت، والتي استمرت ثلاث ليالٍ، جاءت كافة الإجابات الصحيحة في أثناء الليلة الأولى؛ وقد افترض ديمنت أن الطلاب قد فقدوا الحماسة بسرعة في التفكير في المشكلات التي لا تتعلق كثيرًا بحياتهم. ولذا، في البحث الذي أجريته في عام 1996، انتهجتُ نهجًا مختلفًا، فقد طلبتُ من الطلاب اختيار مشكلة موضوعية، وقاموا بتسجيل أحلامهم لمدة أسبوع ودونوا ملحوظات بالأحلام التي يرون أنها مرتبطة بالمشكلة أو تحتوي على حل مناسب لها. وكان هناك أيضًا مساعدا أبحاث يُقيِّمان ما إذا كانت الأحلام تركز على المشكلات أو تقدم حلولًا لها

اختار معظم المشاركين في تجربتي مشكلات تبدو أبسط من المعضلات في تجربة ديمنت، وقد رأى نصف المشاركين في التجربة أحلامًا يرون أنها تمس مشكلاتهم، وحلم ثلثهم بحلول لمشكلاتهم. وجاء تقييم المساعدين للأحلام التي تخص المشكلات أو تقدم حلولًا لها أقل بنسبة ضئيلة للغاية. وعلى الرغم من أن عددًا من المشكلات كان مرتبطًا بالفروض المنزلية أو مهام بسيطة مثل إعادة ترتيب أثاث المنزل، فقد جاء بعض أكثر الحلول المثيرة للاهتمام في أحلام حول قرارات مصيرية. على سبيل المثال، المشكلة التالية قيَّمها كلٌّ من الطالب ومساعدَي الأبحاث بأنها حُلت في الحلم:

المشكلة: تقدمتُ لدراسة برنامجين في علم النفس الإكلينيكي واثنين في علم النفس الصناعي لأنني لا يمكنني اتخاذ قرار فيما يتعلق بأي المجالين أرغبُ في استكمال دراستي فيه.

الحلم: ثمة خريطة للولايات المتحدة، وأنا على متن طائرة تحلق فوق هذه الخريطة، ويقول الطيار إننا نواجه مشكلة في المحرك ويجب أن نهبط بالطائرة، فنبحث عن مكان آمن على الخريطة، وهو مكان محدد بالضوء. فسألتُ عن ماساتشوستس التي نحلق فوقها مباشرة، ولكنه قال إن ماساتشوستس كلها شديدة الخطورة، وتبدو الأضواء أبعد تجاه الغرب.

الحل: استيقظتُ من النوم وأنا أدرك أن برنامجي علم النفس الإكلينيكي اللذَين تقدمت لدراستهما في ماساتشوستس التي قضيت فيها حياتي بالكامل ويعيش فيها والداي، في حين أن البرنامجين الآخرين في علم النفس الصناعي بعيدان في تكساس وكاليفورنيا. ويرجع هذا في الأساس إلى أني كنت أسعى للبقاء بالقرب من عائلتي، وليس بالجوار برامج جيدة في علم النفس الصناعي. وأدركت أن ثمة خطأً فادحًا في المكوث في المكان الذي اعتدت عليه، وعلى الرغم من أن الأمر يبدو مضحكًا فقد توصلت إلى أن الابتعاد ربما يكون أكثر أهمية من اتخاذ القرار حول البرنامج الذي أرغب في دراسته.

بوابة إلى عالم الإبداع

يوضح المثال الأشهر على مدار التاريخ في هذا السياق –وهو إدراك كيكولي أن بنية البنزين عبارة عن حلقة مغلقة بعد أن حلم بثعبان مكون من ذرات يضع ذيله في فمه– الخاصيتين المميزتين لحل المشكلات في الأحلام. تذكر أن المناطق الدماغية التي عادةً ما تقيد التفكير في إطار الأمور المنطقية والمعتادة تكون أقل نشاطًا بنسبة كبيرة في أثناء مرحلة نوم حركة العين السريعة. وتشير العديد من الدراسات حول الإبداع إلى أن إيقاف هذا التقييد أو التثبيط عنصر أساسي للتفكير الإبداعي (للاطلاع على كيف يتيح إيقاف التثبيط الإدراكي للأفكار الجديدة الخروج إلى السطح، انظر المقال بعنوان "The Unleashed Mind" بقلم شيلي كارسون). بالمثل، فإن النشاط الشديد في المناطق البصرية للدماغ النائم يتيح تصور الحلول بصورة أكثر سهولة ووضوحًا من التفكير في أثناء اليقظة. كان كيكولى حائرًا نظرًا لأن جميع الجزيئات المعروفة كانت خطوطًا مستقيمة وفيها سلسلة جانبية، وقد افترض أن البنزين سيكون مثلها، غير أن هذا الافتراض لم يكن صحيحًا.

ويؤكد البحث الذي أجريته أن الحلول التي تطرق ذهن صاحبها في هيئة حلم غالبًا ما يكون لها خصائص مرئية غير تقليدية. في نهاية تسعينيات القرن العشرين، بحثت في الكتابات والأعمال الموجودة حول الأحلام، وكذلك في السير الذاتية المهنية وكتب التاريخ، عن أمثلة على الأحلام التي حلت مشكلات لأصحابها، بالإضافة إلى أني سألت بعض الأشخاص العاملين في مجالات معينة عما إذا كانوا قد رأوا أحلامًا مفيدة لعملهم. وقد أظهر هذا البحث أنماطًا معينة؛ فأكثر من نصف الفنانين في الفنون المرئية قالوا إنهم استخدموا ما رأوه في الأحلام في عملهم، وكذلك ما يقرب من نصف كتاب الأدب القصصي والروايات، ولكن انخفضت هذه النسبة سريعًا بالنسبة للعاملين في المجالات النظرية. وفي المجالات العلمية، ازدادت احتمالية الحديث عن أحلام مفيدة في العمل بين المخترعين والمهندسين وغيرهم ممن يستفيدون من تصور المشكلات في أشكال ثلاثية الأبعاد. بل إن بعض الأشخاص لديهم عدة أمثلة من الاستيقاظ وحلول مشكلاتهم تداعب أذهانهم، حتى إنهم وضعوا لأنفسهم روتينًا واضحًا للتفكير في المشكلات في وقت النوم بحثًا عن حل.

في دراسة تحدثتُ عن نتائجها المبدئية في يونيو 2011 في مؤتمر الجمعية الدولية لدراسة الأحلام، شرعتُ في فحص كيف يمكن لحل المشكلات القائم على الأحلام أن يفيد الرجال والنساء في عملهم بصورة أوسع نطاقًا. فكان المهنيون المحترفون الذين تتراوح أعمالهم بين 21 و69 سنة يحاولون حل مشكلات حقيقية تتعلق بعملهم في أثناء نومهم. وقد بدا أن هؤلاء الأفراد يرون أحلامًا متعلقة بمشكلاتهم بنفس وتيرة طلاب الجامعة الذين أجريت عليهم دراسة عام 1996، ولكن كانت الحلول التي توصلوا إليها أقل من نصف ما توصل إليه الطلاب. ربما تكون مشكلات العمل أكثر صعوبة وتعقيدًا من المشكلات التي تقض مضاجع الطلاب، وربما أيضًا لأن هذه المجموعة كانت أكبر سنًّا فربما كان لديها مشكلة في تذكُّر كل الأحلام. بيد أن عددًا ليس بالقليل منهم قال إنه رأى أحلامًا مفيدة بعد التدرب لمدة أسبوع واحد على أسلوب التفكير في المشكلات وقت النوم (انظر الجزء بعنوان "كيف تدرب أحلامك على حل مشكلاتك" فيما يلي).

الأحلام ملكية خاصة

بعد وقت قصير من نشر كتابي الذي يحمل عنوان "لجنة النوم" The Committee of Sleep في عام 2011، سمعت نيومان يروي قصته في برنامج عُرض على محطة الشبكة التليفزيونية الأمريكية PBS حول جون ناش وفيلم "عقل جميل" A Beautiful Mind، وبعد عام، وبالصدفة، كنت أجلس إلى جوار ناش في حفل عشاء. فسألته عن تلك الواقعة التي تذكرها جيدها، وقد أجابني ضاحكًا: "لقد كتب دون نيومان ملحوظة في ورقته البحثية يشكرني فيها، بل وظل ممتنًّا كما لو أنني ساعدته حقًا، في حين أن هذا كان حلمه هو". وقد صادفتُ هذه الملحوظة كثيرًا في الأبحاث التي أجريتها، فالحلول غالبًا ما تأتي من شخصية في الحلم –فقد كان أحد مبرمجي الكمبيوتر يتلقى دروسًا ليلية متكررة من ألبرت أينشتاين– وكثيرًا ما يعاني الأشخاص من مشكلة في تقبل فكرة أن الفضل يرجع لأنفسهم بالكامل فيما يتوصل إليه دماغهم في أثناء النوم. وهذه النزعة تناسب النتائج المتعلقة بالدماغ بالنسبة لنوم حركة العين السريعة، التي تكون فيها القشرة الأمام جبهية الظهرانية الجانبية المرتبطة بإدراك الإرادة أقل نشاطًا من أجزاء الدماغ المرتبطة بإدراك الصور البصرية والحركة والمشاعر.

ولكن هذا لا يعني أننا يجب أن نجلس مكتوفي الأيدي في انتظار لحظة الإلهام التي تحل مشكلاتنا؛ فالإنسان يقضي ثلث حياته تقريبًا نائمًا، وثلث هذا الوقت تقريبًا يقضيه في الأحلام. وتشير أبحاثي إلى أن الإنسان بإمكانه في فترة قصيرة من الوقت أن يتعلم تركيز أحلامه على المشكلات الصغيرة وينجح في حلها غالبًا. وبالنسبة للمشكلات الأكثر تعقيدًا، تشير الدراسات إلى أن الستار قد يُزاح عن جميع أنواع الألغاز في أثناء الأحلام؛ فالأفكار التي أدت إلى فوز شخصين بجائزة نوبل وُلدت في الأحلام. أما إذا كنت تفضل أن تترك دماغك النائم وشأنه، فانتبه لأنه بعد أن تغط أنت في سبات عميق يظل دماغك يعمل بجد في حالة مختلفة من الوعي.

كيف تدرب أحلامك على حل مشكلاتك؟

إن المحاولات المتعمدة لرؤية أحلام حول مشكلة بعينها تزيد من فرصة التوصل إلى حل، ويُعرف هذا النهج باسم "تحضير الأحلام"، وهو مستوحى من ممارسات إغريقية قديمة في معابد آسكليبيوس، إله الطب عند الإغريق القدماء، إذ كان المريض يذهب إلى هناك ويحاول أن يرى أحلامًا تنبئه بعلاج مرضه. وفيما يلي الخطوات التي نتبعها في علم النفس من أجل التحكم في أحلامنا:

دوّن المشكلة في عبارة مختصرة وضعها إلى جوار فراشك، واترك معها أيضًا قلمًا وورقة وربما مصباحًا كهربائيًّا.

راجع المشكلة لدقائق قليلة قبل أن تذهب إلى الفراش.

بمجرد أن تنام على الفراش، تصور المشكلة كما لو أنها صورة مجسدة إذا كان ذلك ممكنًا.

أخبر نفسك أنك تود أن ترى حلمًا يتعلق بالمشكلة عندما يبدأ النعاس في التسلل إلى جفنيك.

عندما تستيقظ، امكث قليلًا بهدوء في فراشك قبل أن تنهض، ولاحظ هل تتذكر أي أثر من حلم؟ وحاول أن تسترجع المزيد من أجزاء الحلم إلى ذاكرتك، ثم اكتب ما تتذكره.

إذا أردت خطوات أكثر تفصيلًا، يمكنك إضافة الخطوتين التاليتين إلى روتين تحضير الأحلام:

في وقت النوم، تخيل نفسك تحلم بهذه المشكلة، وتستيقظ وتكتب ما تحلم به في مفكرة بجوار فراشك.

ضع أشياءً مرتبطة بالمشكلة التي تفكر بها على المنضدة التي تجلس إليها ليلًا، أو علقها على الحائط المقابل لفراشك.