لعلّكم قد اجتمعتم سابقًا ببعض ممن يحبّون الشكوى والتأفّف بشكل دائم... ومن هؤلاء مَن ينتقد تلقائيًّا كل تقنية جديدة تظهر على الساحة. تجدونهم يقولون: "إن كل هذه الأجهزة التقنية الرائجة حديثًا تجعل أدمغتنا تتعفّن، كما أنها تفسد أولادنا".

لكن لا تعجبوا لقولهم، فكل جيل لا ينظر عادةً بعين الرضا إلى الجيل التالي له؛ هذا هو طبع البشر على مرّ الزمان. ولو كنا سنأخذ كلام هؤلاء المنتقدين على محمل الجدّ، لوجدنا أن الأجهزة الرقمية تفسد شبابنا اليوم، تمامًا كما أفسدت موسيقى "الروك أند رول" آباءهم بالأمس، ومثلما أفسد التلفاز أجدادهم من قبلهم، وكما أفسدت السيارات آباء أجدادهم، وهكذا، إلا أن التاريخ يؤكد أن تلك الفرضيات لم تكن صحيحة في يوم من الأيام.

هذه الظاهرة دفعتني إلى أن أتساءل: ما قول العلم في التأثيرات المُفسدة للتقنيات الحديثة؟

يعتمد جزء من الإجابة على هذا التساؤل على تعريفك لكلمة "مفسدة"، فمما لا يخفى على أحد أن الأمور اختلفت الآن؛ إذ لم يعد معظم الأطفال الأمريكيين "ينطلقون للعب خارج منازلهم" لهوًا لساعات طويلة دون رقيب. كما لم يعد الطلاّب بحاجة لحفظ أسماء رؤساء بلادهم أو حتى الجدول الدوري للعناصر عن ظَهر قلب، كما كان الحال يحتم علينا في السابق، لأن محرّك البحث "جوجل" موجود عند أطراف أناملهم، وحاضر دائمًا لتوفير الإجابة عن تساؤلاتهم. وفوق كل ذلك، فإننا نشهد خسارة المهارات القديمة أيضًا، إذ إن قلّة من الأولاد مَن يعرفون اليوم كيف يستعملون ورق الكربون (للنسخ)، أو كيف يرعون الخيل، وربما تكون مهارات الكتابة هي التالية في قائمة المهارات المهدّدة بالزوال.

مع ذلك، فإن التغيير لا يعني أنه الأسوأ، ولو بحثتم في المسألة لاكشتفتم -كما اكتشفت أنا- أنه من الصعب جدًّا أن يعثر المرء على دراساتٍ تربط بين الأجهزة الحديثة (مثل شاشات اللّمس والهواتف الذكية) وبين فساد بعض الشباب، ولكن علينا أن نذكر أن البحث العلمي يستغرق بعض الوقت، وأن عصر شاشات اللّمس ما زال في بدايته، إذ لم يُرَ جهاز آي-باد مثلًا قبل عام 2010.

إلا أن هناك بعض الدراسات المبكّرة التي ظهرت بالفعل؛ تلقي الضوء على تأثير هذه الأجهزة التي انتشرت انتشارًا واسعًا على أولادنا، فقد وجدت إحدى الدراسات، التي نُشرت في عدد فبراير 2015 من دوريّة "طب الأطفال Pediatrics" الأمريكية، أن الأطفال الذين ينامون على مقربة من إلكترونيّات بشاشات صغيرة يحظون بمعدّل نوم يقلّ 21 دقيقة عمّا يحظى به أولئك الذين ليس في غرفهم أجهزة من هذا النوع. (أما السبب، فيظّن الباحثون أنه سهر الأطفال لاستعمال هذه الأجهزة حتى وقت متأخر، أو أن الضوء الصادر عنها "يؤخّر إيقاع ساعاتهم البيولوجية" على حدّ قولهم).

ماذا عن المهارات الاجتماعية؟ في الخريف الماضي، أجرت جامعة كاليفورنيا بمدينة لوس آنجلوس دراسة اختبرت خلالها 51 طالبًا من طلاّب الصف السادس، أمضوا خمسة أيام بلا إلكترونيات في مخيّم مقام في أحضان الطبيعة، مقابل 54 آخرين لم يخضعوا لتلك التجربة. وقد انتهت التجربة إلى أن المجموعة الأولى كانت قادرة على قراءة المشاعر الإنسانية في عدد من الصور أكثر من المجموعة الثانية.

وهناك أيضًا دراسة أجرتها جامعة ستانفورد في عام 2009، وربطت بين عادات شباب اليوم الخاصّة بتعدّد المهام عند استعمال الحواسيب (والتي ظلّوا يمارسونها على ما يبدو عند استعمال الهواتف والحواسيب اللوحية) وبين فقدان القدرة على التركيز، وقد كانت نتيجة البحث مقلقة نوعًا ما.

حسنًا، وماذا عن سرطان الدماغ الناتج عن استعمال الهواتف الخلوية؟ لا شكّ في أن التصاق الهوائيّات اللّاقطة لأمواج الراديو برؤوس أولادنا طوال اليوم يؤذيهم. لكن في الواقع، إن مَن يتعامل مع أي أطفال لا يحتاج إلى بحثٍ علمي ليعلم أنه من النادر جدًّا أن يلصق الأطفال هواتفهم برؤوسهم، إذ إنهم يفضّلون كتابة الرسائل النصيّة على إجراء المكالمات الهاتفية. وعلى أي حال، فإن الدراسات لم تجد حتى الآن أي رابط بين الهواتف الخلوية والسرطان.

إذًا، هل حان وقت الشكوى والتأفّف؟ ليس بالضرورة؛ إذ لم تخرج جميع الدراسات بنتائج مقلقة. ففي عام 2012، وجدت مجموعة "كومن سينس ميديا" Common Sense Media، وهي مؤسسة غير ربحية لتقييم التقنيات، أن أكثر من نصف الشباب الأمريكيين يشعرون بأن مواقع التواصل الاجتماعي (والتي أصبح من الممكن دخولها من أي مكان بفضل شاشات اللّمس) قد عزّزت من روابط الصداقة بين الشباب (4% فقط من الشباب الذين شملتهم الدراسة ذكروا أن هذه المواقع أضرّت بصداقاتهم). وفي عام 2014، وجد الصندوق الوطني لمحو الأميّة في المملكة المتحدة أن معدل القراءة اليومية لدى الأطفال الفقراء يتضاعف على الأرجح، في حال كان لديهم في المنزل أجهزة إلكترونية مزودة بشاشات لمس. كما وجدت دراسة، نشرتها دورية "كومبيوترز إن هيومان بيهيفيور" Computers in Human Behavior (أي الحواسيب والسلوك البشري)، أن كتابة الرسائل النصيّة تفيد الصحة النفسية للشباب، وبخاصة الانطوائيين منهم.

 من الواضح أننا ما زلنا بحاجة إلى دراسات أوسع مدىً وأطول أمدًا قبل أن نبدأ موجةً جديدة من الثرثرة والشكوى والتأفّف، وهي في طريقها إلينا بالفعل ، فعلى سبيل المثال، سوف تصلنا في عام 2017 نتائج دراسة بريطانية ضخمة، تشمل 2500 طفل وتحمل اسم "سكامب" (SCAMP هي اختصار لعبارة إنجليزية تعني: دراسة الإدراك والمراهقين والهواتف المحمولة).

وإلى أن يحين ذلك الموعد، فإن أصوات أجراس الخطر التي تقرعها البحوث الأولى في هذا المجال ليست قويّة بما يكفي لتجعلنا نخطف شاشات اللّمس من أيدي أطفالنا، والانتقال إلى حياة بدائية تخلو تمامًا من أسباب الراحة والتقنيات الحديثة. إلا أن ما بين أيدينا من معلومات يكفي لأن نتبنّى مبدأً احترازيًّا قديمًا. ألَا وهو: «الاعتدال». فالمبالغة في استخدام أي شيء مؤذية للأطفال... سواء كان استعمال الإلكترونيات الحديثة أو مشاهدة التلفاز أو حتى ممارسة الألعاب الرياضية.

نشر هذا المقال في الأصل تحت عنوان: "جيل شاشة اللّمس".