ما بين آراء توماس بين وتوماس كون.

كتب توماس بين يقول: "إن عادة عدم التفكير في أن شيئًا ما خطأ، تضفي عليه صوابًا ظاهريًّا، وتحدث في بدايته ضجة كبيرة دفاعًا عن العادة، لكن سرعان ما تهدأ الجلبة، كما أن مرور الوقت أكثر فاعلية في جذب المؤيدين من التفكير العقلاني".

وبعد مرور قرنين على ما كتبه توماس بين، جاء توماس كون ليقول: "إن هدفه الرئيس هو الحث على إحداث تغيير في فهم البيانات المألوفة وإدراكها وتقييمها".

كان توماس بين في كتيبه الصادر عام 1776 بعنوان "الفطرة السليمة" Common Sense يؤيد استقلال المستعمرات الأمريكية عن بريطانيا العظمى. بينما وصف توماس كون في كتابه الذي صدر عام 1962، بعنوان "بنية الثورات العلمية" The Structure of Scientific Revolutions، كيف يمضي العلم في إطار محدد إلى أن يتطلب تفسير الظواهر الشاذة تحوُّل النموذج الفكري، وهو ما أصبح الآن عبارة شهيرة تشير إلى إحداث تغيُّر مرتقب في منظور رؤية الأمور.

استشهد المذيع الرياضي براين كيني في كتابه الجديد "السبق إلى التغيير" Ahead of the Curve بالتوماسين وأفكارهما الإبداعية المؤثرة، إذ قال لقرائه إن كتاب البيسبول الذي بين أيديكم ليس كتابًا عن البيسبول في عهد أجدادكم، إلا إذا كان أحد هؤلاء الأجداد هو أسطورة البيسبول برانش ريكي.

ولكن، كما كان يقول كُتّابُ الأعمدة في عهد ريكي في بعض الأحيان، أيها القارئ العزيز لا تخف؛ فإنني لن أشرح الإحصائيات ذات الطراز الجديد الخاصة بلعبة البيسبول، مثل إحصائيات الالتزام والدفع في الملعب ومعدل ضربات الكرة في الملعب وتقديم الفوز على الاستبدال (فقد تولى كتاب كيني هذه المهمة وشرحها بوضوح، إذا كنت مهتمًّا). بدلًا من ذلك، أود الحديث عن وصف كيني لتوافر المعلومات واتخاذ القرارات في مجال لعبة البيسبول باعتبارها عالمًا صغيرًا يمثل المشكلة الكبرى التي تواجه مجموعة كبيرة من المؤسسات الإنسانية، ألا وهي: إصرار المرء على الغباء في وقت يكون التحلي فيه بالذكاء أحد الخيارات.

إن أكثر ما يذكِّرنا ببرانش ريكي في الوقت الحالي هو أنه ضم جاكي روبينسون لفريق بروكلين دودجرز في عام 1947. لكن ريكي نشر مقالًا في مجلة "لايف" Life في عام 1954 تحدّث فيها عن الحاجة إلى مزيد من الإحصائيات ذات المغزى، ورغم ذلك فقد مر نصف قرن آخر قبل أن تبدأ الفِرَق بتطبيق هذه المعلومات بجدية (لن تتحول الأساليب الدفاعية دون تحوُّل النموذج الفكري).

لماذا الانتظار الطويل؟ اقتبس كيني مقولة الاقتصادي دانيال كانمان الحائز على جائزة نوبل (بل إنه حتى كتاب لا يتناسب مع جيل آبائنا) فيما يتعلق بموضوع الحماقة المتأصلة. ويقول كانمان: "يمكن أن يحتفظ المرء بإيمان لا يتزعزع في أي موضوع، مهما بلغت سخافته، إذا ظل محاطًا بدائرة ممن يفكرون بنفس طريقته".

ثم جاء بعد ذلك بيل جيمس -الذي كان يعمل من قبل حارسًا للأمن في مصنع معلبات للحوم والبقوليات- والذي صرح في كتاباته التي تطرح أفكارًا مبتكرة بحقيقة قيمة الرؤية التحليلية العميقة للعبة البيسبول، والتي جاءت في كلمات واضحة وحازمة، حتى إنها حظيت في النهاية بموافقة بعض أفراد مجتمع البيسبول. وفي ذلك الإطار، اقتبس كيني مقولة جيمس: "يبالغ الأشخاص بقوة في تقييم مدى فهمهم للعالم، ولكن مستوى تعقيد العالم يفوق فهمنا بمليارات المرات، ونظرًا لأننا نتوق بشدة لفهم العالم، فنحن نستسهل قبول تلك التفسيرات التي تُوهِمنا بأننا فهمناه".

وهذا الأمر يقودنا إلى الرئيس الأمريكي المنتخب الجديد. فلقد كان جمهور الناخبين الأكثر وعيًا سينزعج بشدة من تصريح السيد ترامب المثير للغضب الذي ألقاه في مارس 2016 والذي انتقد فيه مالكي فريق "شيكاغو كابز" بأن أداءهم "سيئ للغاية". بيد أن الواقع يشهد أن مسيرة الفريق شهدت تصاعدًا قويًّا على مدار الأعوام الأربعة السابقة، فيما يُعَد نتيجة مباشرة للاستعانة بمفكرين جدد ذوي خبرة ومهارة في التحليل العلمي الحديث للبيسبول. وفي نوفمبر الماضي فاز الفريق ببطولة World Series للبيسبول بعد غياب عن منصة التتويج دام 108 أعوام.

لذا، كيف استطاع السيد ترامب -المُضلَّل تضليلًا واضحًا- الاحتفاظ بهذه القاعدة الشعبية الكبيرة من "المؤمنين بنفس الفكر؟"، تكمن الإجابة هنا في أفعال بعضهم بعد أول مناظرة رئاسية؛ إذ إن قلة من أنصار ترامب استاءوا من أداء المذيع ليستر هولت الذي أدار المناظرة، وبالتالي كتبوا تغريدات على موقع "تويتر" بتعليقات مسيئة عن جون ليستر لاعب فريق كابز. نعم، فهؤلاء المهرجون اختاروا مضايقة أي شخص يحمل اسم ليستر بدلًا من الوقوف مكتوفي الأيدي.

اختتم ريكي مقاله في مجلة "لايف" قائلًا: "إن من أصعب الأشياء في العالم إقناع كبرى فرق البيسبول بإجراء أي تغيير، لكنهم في نهاية المطاف سيقبلون بهذه التفسيرات الجديدة لإحصائيات لعبة البيسبول. سيتحتم عليهم ذلك في نهاية المطاف". لأن الجهل المتعمد في ملعب ريجلي أو أي ملعب آخر لم يعد استراتيجية مجدية على المدى الطويل.