قبل عقد تقريبًا، قررت مطورة البرمجيات لورنا هرف، المقيمة في لوس أنجلوس، أن تجرب الرسم الزيتي لأول مرة. لذا ركَّبت مع زوجها مايكل -وهو مبرمج أيضًا- مصابيح فلورسنت ساطعة في الدور العلوي من شقتهما، بحيث تستطيع الرسم في الليل ويكون بإمكانها أيضًا الإحساس بدقة بما ستبدو عليه الألوان على قماش اللوحة في ضوء النهار. وفي وقت متأخر من إحدى الليالي، نزلت لورنا إلى غرفة المعيشة حيث توجد شاشات كمبيوتر ساطعة الإضاءة. وبعد أن أصبحت لورنا معتادة على اختلافات الإضاءة، لاحظت مقدار تَضارُب الضوء الساطع الصادر عن شاشات الكمبيوتر مع الدفء المريح للمصابيح المتوهجة التي تحيط بها. وتذكرت فكرة أن الشاشات الإلكترونية بمنزلة "نوافذ صغيرة من ضوء نهار اصطناعي"، تُفسد جو الغرفة، الذي هو هادئ من دونها.

عمل الزوجان الخبيران بالتكنولوجيا على هندسة حل مبتكر لتقليل التضارُب إلى أدنى حد ممكن؛ فبدءا بكتابة كود لتغيير أعداد الفوتونات التي تنبعث من شاشات الكمبيوتر والطول الموجي لها مع تقدم الوقت بالنهار. وكان هدفهما هو محاكاة التغيرات الطبيعية في الضوء المحيط بأدق درجة ممكنة، مع الانتقال من الضوء الساطع ذي اللون الأبيض الضارب إلى الزرقة الذي يميز ضوء الصباح، وسطوع شمس بعد الظهيرة، إلى التوهج البرتقالي الخافت في المساء.

في البداية، كان هدفهما هو مجرد تحقيق التناسق في طريقة الإضاءة في منزلهما، لكنهما سرعان ما شعرا أن تطبيقهما الجديد –الذي أطلقا عليه f.lux- يمكن أن يقدم بعض الفوائد الصحية أيضًا. تقول لورنا: "بعد مدة من استخدامنا لهذا التطبيق، بدأنا نَلحظ أن الاسترخاء ليلًا أصبح أسهل"، وهو ما جعل الاستغراق في النوم أسهل بعد إطفاء الأجهزة الإلكترونية. ولم تكن لورنا وزوجها الوحيدين اللذين أدركا ذلك المفعول المهدِّئ؛ فمنذ أن أطلقا البرنامج مجانًا في عام 2009، جرى تنزيله أكثر من 20 مليون مرة.

عندما اتبع مايكل ولورنا حسهما الفني، قادتهما الصدفة إلى سمة مثيرة للاهتمام في الطريقة التي يتحكم بها الجسم في الكيفية التي ننام بها. منذ عدة عقود، أدرك الباحثون أن الضوء القوي مهما كان نوعه يعوق إفراز الميلاتونين، وهو الهرمون الذي يُنتِجه الدماغ ليلًا للحث على النعاس. بيد أن الدراسات الحديثة أثبتت أن الضوء الأزرق يمنع إفراز الميلاتونين بصورة أكثر كفاءة من أي طول موجي مرئي آخر، وهو ما يمكن أن يجعل الأشخاص أكثر يقظة بدلًا من الشعور بالنعاس.

وفي الواقع، أصبحت الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وكافة أنواع الشاشات الإلكترونية أشد سطوعًا وأكثر زرقة خلال العقدين المنصرمين؛ بسبب إضافة الصمامات الثنائية الباعثة للضوء الأزرق القوية. وفي أثناء النهار، عندما يكون الضوء الأزرق وفيرًا في الطبيعة، فإن التعرض الإضافي لقليل من الضوء الأزرق من الشاشات الإلكترونية لا يجب أن يؤدي إلى اختلاف كبير في فسيولوجيا جسم أي شخص. لكن المشكلة هي ازدياد تحديق الناس في الشاشات الساطعة في أثناء الليل. 

على سبيل المثال، أجمع كل المشاركين تقريبًا في استطلاع الرأي الذي أجرته المؤسسة الوطنية الأمريكية للنوم في عام 2011 على مشاهدتهم التليفزيون أو استخدامهم الكمبيوتر أو الهاتف المحمول أو أجهزة مشابهة خلال ساعة قبل الذهاب إلى النوم عدة ليالٍ في الأسبوع على الأقل. وفي عام 2014، قررت المؤسسة نفسها أن 89% من البالغين و75% من الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية لديهم جهاز إلكتروني واحد على الأقل في غرف نومهم، وأن عددًا كبيرًا منهم يستيقظ ليُرسِل رسائل نصية أو يرد على رسائل نصية بعد أن يكون قد غلبه النوم. وقد حفز هذا البحث الكثير من المهندسين والمبرمجين لتجربة حلول مختلفة لحماية المجتمع -الذي يعاني بالفعل حرمانًا من النوم- من فقد المزيد من ساعات النوم بسبب تلك الأجهزة الإلكترونية. وتتراوح الحلول المطروحة بين نظارات ملونة وأنظمة إضاءة شبيهة بالإضاءة الطبيعية للمنازل والمكاتب.

يقول كريستيان كيجوكن -رئيس مركز علم البيولوجيا الزمني بجامعة بازل بسويسرا-: "إذا استطاع الناس إيجاد طرق لمحاكاة التغيرات في ضوء الشمس على مدار اليوم، فسيكون هذا رائعًا. والوضع المثالي هو أن يكون لديك الضوء نفسه داخل المنزل وخارجه". لكن لا يزال علينا التأكد من فاعلية تلك الحلول، لا سيما عند مقارنتها بالحل الأبسط المتمثل في إطفاء الأجهزة الإلكترونية.

كفة المميزات ليست راجحة دائمًا!

لم يكن الضوء المنبعث من الأجهزة الإلكترونية دائمًا عقبة في وجه النوم الهادئ. فتعود جذور هذه المشكلة إلى عام 1992 في اليابان عندما اختُرعت الصمامات الثنائية الباعثة للضوء الأزرق شديد السطوع. وبالجمع بين الصمامات الثنائية الباعثة للضوء الأزرق الجديدة وسابقتها الخضراء والحمراء، أو عن طريق تغليف الصمامات الجديدة بكيماويات تعيد إطلاق أطوال موجية أخرى، استطاع مصنِّعو التكنولوجيا لأول مرة توليد ضوء أبيض كامل الطيف. ونظرًا لأن الصمامات الثنائية الباعثة للضوء تستهلك طاقة أقل بكثير من أسلافها من مصابيح الفلورسنت، سرعان ما انتشر استخدامها في أجهزة التليفزيون وشاشات الكمبيوتر والأجهزة اللوحية وبعض أجهزة القراءة الإلكترونية، مما جعل المكاتب والمنازل تعج بالضوء الأزرق شديد السطوع أكثر من أي وقت مضى.

لم يبدأ الباحثون في جمع أدلة ملموسة على أن الصمامات الثنائية الباعثة للضوء الأزرق يمكن أن تُحدث اضطرابات في النوم إلا قبل نحو 15 سنة، إلا أنه كانت لديهم فكرة جيدة عن الآلية المحتملة منذ مدة ليست بالقصيرة. فقد اكتشف العلماء في سبعينيات القرن العشرين أن منطقة دماغية صغيرة تُسمى "النواة فوق التصالبية" تساعد على التحكُّم في دورات النوم واليقظة ودرجة الحرارة والتغيرات اليومية الأخرى بالجسم. وقد أوضحت الدراسات أن النواة فوق التصالبية تحث الغدة الصنوبرية في الدماغ على إنتاج الميلاتونين كل مساء.

وفي وقت سابق من هذا القرن، اكتشف علماء البيولوجيا كيف تحدث عملية إطلاق تلك الإشارات بالضبط. وقد اتضح أن الحلقة المفقودة كانت نوعًا غير معروف من الخلايا الحساسة للضوء في عين الإنسان، تختلف عن العصي والمخاريط المألوفة المسؤولة عن الرؤية بالليل ورؤية الألوان. يتعقب هذا النوع الثالث من مستقبِلات الضوء مقدار الضوء الأزرق في البيئة المحيطة ويُرسل المعلومات إلى النواة فوق التصالبية. ومن ثم، عندما يكون هناك مقدار كبير من الضوء الأزرق (كما يحدث عندما تكون الشمس في كبد السماء)، تحث مستقبِلات الضوء هذه النواة فوق التصالبية على إخبار الغدة الصنوبرية ألا تُنتِج كمية كبيرة من الميلاتونين، وبالتالي نظل مستيقظين. وعندما تبدأ الشمس في الغروب، يتضاءل مقدار الضوء الأزرق، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات الميلاتونين التي تحثنا على النوم. 

ومن بين الدراسات التي تقدم دليلًا على أن الشاشات ذات الصمامات الثنائية الباعثة للضوء الأزرق يمكن أن تُربك الدماغ في الليل، دراسة استقصائية أجراها كيجوكن وزملاؤه في جامعة بازل في عام 2011. وفي تلك الدراسة، كان إفراز الميلاتونين أقل لدى المشاركين الذين استخدموا أجهزة كمبيوتر تعمل بالإضاءة الخلفية بالصمامات الثنائية الباعثة للضوء لمدة خمس ساعات في المساء، كما كانوا أقل شعورًا بالتعب وكان أداؤهم أفضل في اختبارات الانتباه من المشاركين الذين استخدموا شاشات مضاءة بالفلورسنت لها نفس الحجم ودرجة السطوع. وبالمثل، بالنسبة للمشاركين في الدراسة التي أجرتها ماريانا فيجويرو من معهد بوليتكنيك رينسلر في عام 2013، كان استخدام جهاز آيباد لمدة ساعتين فقط مساءً كافيًا لمنع الزيادة الليلية المعتادة في نسبة الميلاتونين. وفي تجربة استمرت لمدة أسبوعين في مستشفى بريجهام للنساء في بوسطن، ونُشرت في عام 2014، قال المتطوعون الذين قرأوا على جهاز آيباد لمدة أربع ساعات قبل الخلود إلى النوم إنهم شعروا برغبة أقل في النوم، واستغرقوا وقتًا أطول بمتوسط عشر دقائق قبل الاستغراق في النوم، وكان نومهم أقل عمقًا مقارنة بأولئك الذين قرأوا كتبًا ورقية في الليل. وقد أوضح كيجوكن وآخرون أن هذه الآثار تكون أكثر وضوحًا لدى المراهقين واليافعين لأسباب لا تزال غير معلومة.

حلول وبدائل

نظرًا للأدلة المتراكمة على أن الشاشات الصناعية عمومًا، وتلك التي تستخدم الضوء الأزرق على وجه الخصوص، تتسب في اضطرابات في النوم، بدأ العلماء في البحث عن حلول مختلفة. وقد أظهرت العديد من الدراسات أن ارتداء النظارات البلاستيكية الملونة باللون البرتقالي، والتي تُرشِّح الضوء الأزرق المنبعث من الأجهزة الإلكترونية، يساعد على منع كبح إفراز الميلاتونين. وثمة نظارات من هذا النوع متوفرة تجاريًّا في الوقت الحالي تبدأ أسعارها من 8 دولارات إلى 100 دولار أمريكي. وثمة خيار أعلى تكلفة يُسمى نظام الإضاءة الديناميكي، والذي يقوم بإعادة توليد "الطيف الكامل لضوء النهار الطبيعي في حيز داخلي"، والذي تتراوح تكلفته بين مئات وآلاف الدولارات الأمريكية، وفقًا لحجم المنزل أو المكتب.

أما الإجراء المضاد الأقل تكلفة فهو برامج الكمبيوتر، مثل f.lux. في شهر مارس الماضي، أدخلت شركة "أبل" خاصية تُسمى "نايت شيفت" Night Shift على أجهزة آيفون وآيباد، والتي تحاكي برنامج f.lux في إزاحة الضوء المنبعث من الشاشة "إلى الطرف الدافئ من الطيف الضوئي" في وقت غروب الشمس تقريبًا. حتى الآن، لم يختبر الباحثون برنامج f.lux أو خاصية "نايت شيفت" التي طرحتها "أبل" في دراسة محكمة، غير أن فيجويرو تقول إنها تنوي إجراء تجارب من هذا النوع، ويقول مايكل هرف إنه يتعاون مع علماء إحدى الجامعات لدراسة تأثير f.lux في بيئات الحياة اليومية خارج المختبر. ويُضيف هرف: "برأيي لا يزال برنامج f.lux فرضية. ونعتقد أنه على الأرجح يساعد الكثير من الأشخاص النشطين ليلًا، لكننا نحتاج إلى دعم هذه الفرضية بالبيانات".

لكن يؤكد الباحثون أن التخلص من الضوء الأزرق ليس حلًّا مضمونًا غير معرض للفشل. فحتى الشاشات برتقالية اللون الخافتة تُغري المرء بالبقاء مستيقظًا والقراءة أو مشاهدة الأفلام أو ممارسة بعض الألعاب ليلًا، وهو ما يجعل الدماغ يظل نشطًا في الوقت الذي يجب أن يسترخي فيه استعدادًا للنوم. وتفسر فيجويرو ذلك قائلة: "الأمر كما لو أنك تجلس في الظلام تمامًا، ولكنك تحتسي القهوة. فسيكون لها تأثير ولا شك".

في نهاية المطاف، يظل الحل الأفضل على الإطلاق هو الامتناع عن استخدام الإلكترونيات وإطفاء جميع الشاشات والأضواء الساطعة قبل بضع ساعات على الأقل من الخلود إلى النوم. فالحقيقة التي لا مفر منها هي أن البشر تطوروا بحيث يستيقظون وينامون مع الشمس. فتقول ديبرا سكين -المتخصصة في علم البيولوجيا الزمني في جامعة سري بإنجلترا-: "قبل أن تكون لدينا كل هذه التكنولوجيا، وقبل الكهرباء والإضاءة الصناعية، كان الإنسان يستيقظ في ضوء النهار، ويوقد قليلًا من النار في المساء، ثم يخلد إلى النوم". لقد كان للإضاءة الصناعية فوائد جمة عبر القرون، إلا أنه ثمة أوقات –لا سيما في آخر اليوم– قد تنقلب فيها الأوضاع ولا تصبح كفة المميزات هي الراجحة.