ورغم أن الآباء يفرضون وجود فروق مميزة بين الجنسين حتى قبل ولادة أطفالهم، إلا أنهم يندهشون حين يرون مدى تحمس أولادهم مثلًا للعب بالعربات، أو إصرار بناتهم على ارتداء اللون الوردي فقط. ورغم أن الفروق بين الفتيان والفتيات شديدة الوضوح في كثير من الحالات، إلا أن القوالب النمطية لتلك الفروق لا تنطلي على الدراسة العلمية. فهل الفتيان على سبيل المثال أكثر عدوانية في مقابل كون الفتيات أكثر عاطفة؟ أم أننا نتوقع منهم فحسب أن يكونوا كذلك؟ وهل الفروق الحقيقية بين الجنسين تولد مع الطفل عند ولادته أم أنها تتشكل وفق البيئة المحيطة به، والتي تتمثل فينا؟ يُعَد المخ هو المكان الطبيعي للبحث عن إجابات لتلك الأسئلة. إذ لو كانت هناك فروق في التركيبة العصبية بين الجنسين، فربما تفسر الاختلافات السلوكية البارزة بينهما. ولكن المثير هو أن العلماء لم يجدوا سوى فروقًا ضئيلة بين أمخاخ الفتيان والفتيات؛ بل إن الاعتقاد الشائع بوجود تباين بين أمخاخ الرجال و النساء -كالقول بأن الاتصال بين الشقين الأيمن والأيسر من المخ لدى النساء أقوى منه لدى الرجال- لم تؤيده الأبحاث الدقيقة. صحيح أن أمخاخ (ورؤوس) الأولاد أكبر حجمًا منذ الولادة وحتى الشيخوخة، وأن أمخاخ البنات تسبقهم في النمو؛ ولكن تلك الفوارق المذكورة لا تعطي تفسيرًا لكون الفتيان أكثر نشاطًا، أو لتفوق الإناث على الذكور في طلاقة الحديث. ولا تبني أساسًا مقبولًا للتباين الدائم بين الجنسين في مهارات القراءة، والكتابة، وتحصيل الدرجات في الاختبارات العلمية التي يوليها الآباء والمدرسون الانتباه.

لا جدال في أن الفروق العقلية بيولوجية بالأساس، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أنها متأصلة وثابتة. والحقيقة التي كثيرًا ما يجري إغفالها، هي أن الخبرة المكتسبة تغير من تركيبة المخ وطريقة عمله، أو ما يصفه علماء الأعصاب بـ"عملية التشكيل"، والتي تشكل أساس كامل عملية التعلم والتطور العقلي لدى الأطفال. فمثلاً عملية الإبصارعلى بساطتها، تعتمد على الخبرة البصرية الطبيعية في المراحل الأولى من حياة الطفل، ومن دونها لا تتشكل منظومة الإبصار لدى الطفل بشكل سليم، بما يتسبب في إصابته بالعجز البصري الدائم.

إذًا، هل يؤدي النمو كفتى أو كفتاة إلى تشكُّل المخ في صورة معينة؟ فالفتيان والفتيات لا يولدون متطابقين من ناحية التركيبة الجينية والهرمونية، والاختلاف على هذين المستويين يدفع عملية تطور المخ لدى كل منهما إلى مسار مختلف. ولكننا بتنا ندرك الآن أن الخبرات المبكرة التي يكتسبها الأطفال في بداية حياتهم، تبدل بشكل دائم من التركيبة الكيميائية وطريقة عمل الجينات بداخل الخلايا، بشكل يترك تأثيرًا ملحوظًا على السلوك.

توصل عالِم الأعصاب مايكل.ج. ميني، وزملاؤه بجامعة ماكجيل وآخرون، إلى أن عناية الأم بطفلها تترك عدة آثارعصبية ونفسية؛ إذ تؤثر على إنتاج الخلايا الجديدة بالمخ، سواء بالسلب أو بالإيجاب. وردة الفعل تجاه الضغوط، وأداء الذاكرة. فطرق تربية الآباء للأبناء -على اختلافها- تترك بصمة على عملية نمو المخ لدى الأطفال. وتبدأ الفروق بين الجنسين في معظمها صغيرة، على هيئة تفضيلات بسيطة في التعبير عن الحالة المزاجية وأسلوب اللعب، ولكنها تأخذ في الازدياد حين تصطدم أمخاخ الفتيان والفتيات بثقافتنا المتشبعة بالتباينات النمطية بين الجنسين، وما تشملها من حفلات الشاي، ومباريات المصارعة، وساحات اللعب، والمواقف الدرامية التي تقع بين الأطفال وأقرانهم. ومع فهم تلك التأثيرات المحيطة بصورة أفضل، يصير بالإمكان إذابة الفوارق بين الأولاد والبنات فيما يتعلق بالتحصيل الدراسي، والاستعداد للمجازفة، والتحكم في النفس، والرغبة في المنافسة، والتعاطف، والإصرار.

 

البداية

يتفوق الأولاد على البنات من ناحية النشاط الجسدي في مرحلتي الرضاعة والطفولة، فتراهم لا يتوقفون عن الركل والجري في أنحاء المنزل، بعكس البنات، وهو ما يقر به آباؤهم المرهقون. وقد يبرز ذلك الفارق بين الأطفال قبل ولادتهم، على الرغم من أن بعض الدراسات المعتمدة على الموجات فوق الصوتية لم تفلح في رصد اختلاف في حركة الأجنة بين الجنسين. إلا أن الفارق يتجلى بشكل أوضح خلال العام الأول بعد الولادة، ويمتد خلال فترة الطفولة، وهو ما أكده تحليل لأكثر من مئة دراسة أجراها عالم النفس وارين إيتون وزملاؤه في جامعة مانيتوبا بكندا عام 1986. وخلصت تلك الدراسة إلى أن الولد العادي يفوق نشاطه ما تتمتع به 68% من البنات.

هذا الاختلاف قد يبدو معتدلًا؛ فهو وإن كان أكبر من الفروق في مهارات الكلام والرياضيات، يظل صغيرًا بما يكفي ليسمح ببعض الاستثناءات، أبرزها نسبة 31% من البنات اللاتي يفقن الأولاد العاديين نشاطًا. وقد تكون هرمونات النوع مسؤولة عن ميل الأولاد إلى الإفراط في الحركة، خاصة هرمون التستوستيرون الذي يوجد بوفرة نسبية في الرحم في أثناء فترة تكون الجنين. ويتسع الفارق بين الجنسين خلال فترة الطفولة على الرغم من أن مستويات هرمونات الجنس لدى كليهما تظل متساوية منذ سن ستة أشهر وحتى سن البلوغ.

وقد يكون أسلوب التربية الذي ينتهجه الآباء من بين العوامل التي تؤدي إلى اتساع الفوارق بين الجنسين. فالأمهات يملن إلى إثناء الفتيات عن المجازفة، بعكس الفتيان. وذلك وفق ما توصلت إليه دراسات أجريت على الجنسين في أثناء اللعب أو بداخل المعامل. فيما يميل الأب إلى تشجيع أطفاله على المخاطرة، ولكن أحدًا لم يختبر صحة الافتراض بأن الأب يمارس ضغطًا أكبر على الصبية في هذا الصدد. كما يبحث الأطفال بين أقرانهم عمن يتفقون معهم، فترى الصبية شديدي النشاط متصلين بعضهم ببعض في مجموعاتهم التي يفضلون أن تقتصر على الذكور. أما الفتيات النشطات، فيفضلن مصادقة الأكثر وداعة. حتى في الألعاب الرياضية، تجد الفتيات ينضممن إلى الفرق الرياضية في وقت متأخر ولكنهن يتركنها مبكرًا. كما تنضم الفتيات إلى عدد أقل من فرق الألعاب المنتظمة مقارنة بالفتيان بشكل عام. وهو ما قد يُعَد ضمن العوامل الثقافية التي تبرز الفروق في المهارات البدنية بين الجنسين.

وحيث إن الكثير من المدارس تتجه لاقتطاع أوقات الراحة وتقليص حصص الألعاب البدنية، يدفع الأطفال ثمن ذلك بارتفاع معدلات السمنة فيما بينهم، والإصابة باضطرابات الانتباه، وفرط النشاط. يحتاج الصبية على الأخص إلى اقتطاع وقت لممارسة النشاط البدني لإشباع طبيعتهم النشطة، كما يحتاج كلا الجنسين إلى شحن قدراتهم الإدراكية وسط اليوم الدراسي الطويل، من خلال ذلك النشاط البدني. كما تسهم الألعاب البدنية في تحسين مظهر الجسم، وهو العامل الذي يمثل أكبر مصدر تهديد للإصابة بالاكتئاب بين الفتيات في سن المراهقة.

 

عربات ودمى

بالفعل، يفضل الصبية في مرحلة ما قبل المدرسة اللعب بالعربات، في مقابل تفضيل الفتيات اللعب بالدمى، فهم يختارون ما يتناسب مع جنسهم بشكل جلي. بل إن اختيار الألعاب على ذلك الأساس يُعَد من أكبر الفروق السلوكية؛ إذ يأتي في المرتبة الثانية بعد اختيارات الانجذاب الجنسي.

إلا أن تلك المفاضلة بين الألعاب، ليست موجودة في مرحلة الرضاعة؛ إذ يتبين أن الفتيان ينجذبون إلى الدمى مثلما تفعل الفتيات تمامًا. فالرضع بطبيعتهم ينجذبون إلى الوجوه لأسباب واضحة تتعلق بالبقاء.

لذا، فإن تفضيل الأطفال لألعاب دون غيرها لا يبرز إلا مع نهاية فترة الرضاعة، ويستمر طوال فترة ما قبل دخول المدرسة، ثم يبدأ في التلاشي إلى حدٍّ ما بفعل عملية التفاعل المعقد بين الطبيعة وأسلوب التربية.

وتتشكل تفضيلات الأطفال للألعاب -جزئيًّا- قبل ولادتهم بفعل هرمون التستوستيرون. فعلى سبيل المثال، نجد الفتيات اللاتي يتعرضن لاضطرابات هرمونية قبل ولادتهن، كارتفاع مستويات التستوستيرون وغيره من الأندروجينات (الهرمونات الذكرية)، يُظهرن اهتمامًا أكبر باللعب بالعربات، دون غيرها من ألعاب الفتيات.

حتى إناث القِرَدة وذكورها تُظهر هي الأخرى تفضيلًا لألعاب دون الأخرى بناء على جنسها، وهو ما يوحي بأن شيئًا ما في العربات، والكرات، والقطع المتحركة، يحرك اختيارات الذكور على أساس هرموني، فيبعدهم عن الدمى التي كانوا يفضلونها في فترة الرضاعة، ويدفعهم إلى الألعاب المتحركة التي يستطيعون التفاعل معها بدنيًّا.

وتنمو التفضيلات الطفيفة لدى الأطفال لتصبح أكثر جلاءً بفعل المحيط الاجتماعي. فمهما زعم الآباء أن أسلوبهم في التربية خالٍ من التفرقة على أساس النوع، تجدهم يفرضون على أطفالهم -خاصة الصبية- الألعاب التي يرونها مناسبة لجنسهم. ومع وصول الأطفال لسن الثالثة، يبدأ أقرانهم في توطيد العرف المتعلق بالفروق الجنسية بشكل أقوى مما يفعله البالغون. ويبرز مثال على ذلك في ما لحظته كل من كارين فراي، عالِمة النفس بجامعة واشنطن، ودايان روبل، عالِمة النفس بجامعة نيويورك. فقد وجدت الاثنتان من خلال تجاربهن أن الأولاد والبنات في سن المدرسة الابتدائية فضلوا اختيار لعبة منظار الكاليدوسكوب على لعبة عارض الأفلام الأكثر تشويقًا؛ وكان ذلك بعد أن شاهد الأطفال إعلانًا تجاريًّا يختار فيه أقرانهم من نفس جنسهم الكاليدوسكوب فيما اختار الآخرون من الجنس المغاير عارض الأفلام.

وتُظهر البنات انفتاحًا أكثر مع بلوغهن سن الخامسة، فيخترن ألعاب الأولاد سواء بسواء مع ألعابهن. أما الأولاد فنادرًا ما يفعلون مثل ذلك، وهو الاختلاف الذي يعكس اختلاف الأعراف الاجتماعية. ويُسمح للفتيات في وقتنا الحاضر، بل يجري تشجعيهن على ممارسة الألعاب الرياضية، وارتداء السراويل، واللعب بألعاب التركيب، أكثر بكثير مما يُسمح للأولاد بارتداء الفساتين وممارسة ألعاب البيت وما شابه. وتُعَد هذه الاختلافات بين الجنسين في تفضيلاتهما للألعاب ذات أهمية في تشكيل شبكات المخ وقدراتها المستقبلية. فالأدوات الرياضية، والعربات، وألعاب البناء، توظف المهارات البدنية والحركية؛ أما الدمى، وألعاب التلوين، وعروض الأزياء ، فتحفز دوائر المخ المتعلقة بالمهارات الكلامية، والاجتماعية، واليدوية. ويمكن للآباء والمدرسين تنمية تلك المهارات في جملتها بتشجيع البنات في مرحلة ما قبل المدرسة على ممارسة ألعاب التركيب، والرمي، والألعاب الإلكترونية؛ وتشجيع الأولاد في المقابل على الحياكة، والرسم، وممارسة ألعاب التقمص، كلعب دور الطبيب، أو الأب، أو حارس حديقة الحيوان، أو المسعف.

 

عصي وحجارة

 يميل الأولاد إلى العنف الجسدي أكثر من البنات، وفق العديد من الدراسات، من بينها دراسة أجراها جون آرتشر، عالِم النفس بجامعة وسط لانكشاير بلندن. والمثير هو أن الفارق بين الجنسين في ذلك الصدد يعود إلى هرمون التستوستيرون في مرحلة ما قبل الولادة، وليس لزيادة مستوى الهرمون ذاته في مرحلة المراهقة. فالأولاد لا يميلون إلى العنف الجسدي فجأة بمجرد دخولهم مرحلة البلوغ، كما تشير دراسة آرتشر.

ولكن ذلك الفارق ليس مطلقًا. فالبنات في سن الثانية والثالثة عادة ما يركلن ويعضضن غيرهن. صحيح أن ذلك ليس بنفس معدل ما يفعله الأولاد الصغار، ولكنه يفوق معدل ما يفعله أي من الجنسين بحوالي ثلاث مرات في مرحلة لاحقة من الطفولة. كما أن ثَمة طرقًا أخرى غير مباشرة للقتال تنتهجها البنات؛ كالنميمة، والاستبعاد، والهمس، والتحرش عبر رسائل الهاتف المحمول القصيرة، فيخلفن بهذا أضرارًا نفسية على خصومهن بدلًا من الآثار البدنية. إذًا، فالمنافسة والقتال موجودان لدى الجنسين، ولكنهما يختلفان من حيث درجة إظهارهما أو إخفائهما. ولأن العدوان البدني غير مقبول في المجتمع إذا صدر من الفتاة، بعكس الفتى، تتعلم الفتيات مبكرًا -ربما في أثناء فترة الدراسة الابتدائية- أن يقاتلن بشكل مستتر بالكيد والنظرات، وهو نوع المعارك الذي يصعب على المعلمين ملاحظته أو السيطرة عليه في معظم الأحيان.

وإذا أقررنا بأن التنافس بين الأطفال أمرٌ طبيعي، فلربما استطعنا توجيه تلك التنافسية إلى ظاهرة صحية. لقد عمد التربويون في السنوات الأخيرة إلى منع التنافس داخل الفصول المدرسية اعتقادًا منهم بأن زرع روح التعاون في المقابل، هو أكثر نفعًا للمجتمع المتمدن. ولكن الصحيح أن التنافسية قد تكون عنصر تحفيز قويًّا، خاصة للأولاد. أما البنات، فهن في حاجة إلى أن يكنَّ أكثر انفتاحًا على المنافسة، وهو الأمر الضروري للنجاح في مجتمعنا القائم على السوق الحرة. وقد تكون إحدى سبل تحقيق ذلك هو خلق ما يسمى تنافُس المجموعات. وذلك عن طريق عمل مجموعات من الطلبة للتنافس مع مجموعات أخرى في حل المسائل الرياضية، وحفظ المفردات اللغوية، والمعلومات التاريخية، وحل المشكلات العلمية.

 

أنا أفهم ما تشعر به

ترتبط العدوانية والتعاطف فيما بينهما وإن كانا متضادين. فأنت لا تستطيع أن تهاجم شخصًا إذا كنت تتفهم ما يشعر به جيدًا. وبينما يبرع الأولاد في القتال البدني والهجوم الكلامي، تتفوق البنات في جانب التعاطف والمشاركة الوجدانية مع الآخرين، وذلك وفق دراسات أجريت في الثمانينيات على يد عالِمة النفس نانسي إيزنبرج وزملائها في جامعة ولاية أريزونا.

إلا أن الفروق بين الجنسين على مستوى التعاطف أصغر مما يعتقد الكثيرون، بل إنها تتوقف على الطريقة التي تُقاس بها. فعند إجراء استبانة يُسأل فيها الرجال والنساء عن ميولهم فيما يتعلق بالتعاطف وتفهُّم المشاعر، تكون هناك فرص أعلى بين النساء لاختيار إجابات من نوعية "أنا أجيد معرفة ما يشعر به الآخرون"، أو "أنا أستمتع بمشاركة الآخرين همومهم". ولكن عند استخدام وسائل اختبار أكثر حيادية، كرصد المشاعر عبر مشاهدة سلسلة من الصور الفوتوغرافية لانطباعات الوجه، يتقلص الفارق كثيرًا بين النساء والرجال، بحيث تكون المرأة أكثر دقة من 66% من الرجال.

أما بين الأطفال، فيظل الفارق ضئيلًا ليبلغ أقل من نصف المعدل بين البالغين، وذلك وفقًا لتقرير وضعه في عام 2000 عالِم النفس إرين. ب. تون بجامعة ولاية جورجيا، بعد تحليل أكثر من مئة دراسة للفروق بين تعبيرات الوجه لدى الرضع، والأطفال، والمراهقين. لذا، وبالرغم من أن البنات يبدأن حياتهن وهن أكثر إحساسًا بتعبيرات وجوه الآخرين ومشاعرهم، فإن تلك الميزة تنمو مع تقدمهن في العمر، ولا شك أن ذلك يحدث بفضل مهارات التواصل القوية التي يتمتعن بها، واعتيادهن ممارسة ألعاب التقمص بالدمى، وحميمية صداقاتهن، مقارنة بالأولاد.

ولا يُعرف الكثير عما إذا كان هناك أساس عصبي للفوارق بين الجنسين من ناحية التعاطف، إلا أن منطقة في جانبي المخ بحجم حبة العنب تُدعى "اللوزة" قد يكون لها دور في ذلك التباين. هذه اللوزة تنشط بفعل تعابير الوجه. وقد وجد فريقي البحثي أن حجمها في المتوسط عند الرجال يفوق بقليل حجمها عند السيدات، وهو ما يتناقض مع حقيقة أن الرجال لا يفهمون تعبيرات الوجه بقدر ما تفعل النساء.

إلا أن بعضًا من الدراسات كشف عن اختلاف بين الرجال والنساء في كيفية تنشيط منطقة اللوزة بالمخ. فعندما يستدعي الجنسان موقفًا مشحونًا بالعواطف، تنشط اللوزة اليسرى لدى النساء أكثر من تلك الموجودة بالشق الأيمن للمخ، والعكس صحيح لدى الرجال. وهو ما أشارت إليه دراسة في عام 2004 أجراها عالِم الأحياء العصبية لاري كاهيل، من جامعة كاليفورنيا بإيرفين، وكذلك تقرير في 2002 قدمه عالِم النفس تورهان كانلي، الذي يعمل حاليًّا بجامعة ستوني بروكس. ولكن لا يمكن التأكد حتى الآن مما إذا كان تنشيط لوزة المخ ذا علاقة بمشاعر التعاطف، ولا ما إذا كان الفارق بين الجنسين في التعبيرعن تلك المشاعر يبدأ منذ الطفولة. حتمًا لا يتخلف الأولاد عن البنات في بداية حياتهم في درجة التعاطف، هذا إن كان هناك من اختلاف من الأساس. فالأولاد يبكون ويكثرون الشكوى أكثر من البنات الصغار، وكلما تقدموا في العمر، يعلمهم آباؤهم إخفاء مشاعر الخوف، أو الحزن، أو الضعف. كما يتفق العلماء على أن التربية تسهم بشكل كبير في خلق الفارق من الناحية العاطفية بين الجنسين. فالأولاد يتم تربيتهم على الخشونة بشكل لا يحدث مع البنات، فلا يعتادون التعبير عن التعاطف ولا مراعاة مشاعر الآخرين. ويخلف ذلك الأسلوب في التربية أثرًا على نشاط لوزة المخ، والتي تُعَد أحد أكثر مكونات المخ مرونة. وسيكون من المفيد تدريب البنات على أن يكنَّ أكثر صلابة، والأولاد على أن يكونوا أكثر حساسية.

 

كلام البنات

لنترك أولًا الخرافة المجتمعية القائلة بأن النساء يتحدثن عددًا من الكلمات كل يوم يعادل ثلاثة أمثال ما ينطق به الرجال، فالعدد الحقيقي هو 16215 كلمة للنساء في مقابل 15699 كلمة للرجال، وفقًا لدراسة في 2007 أجراها عالم النفس ماثياس ميل من جامعة أريزونا، شملت 400 طالب جرى تزويدهم بمسجلات صوت رقمية. ثبتت صحة أن الإناث يتفوقن على الذكور فيما يخص مقاييس الكلام، والقراءة، والكتابة، والتهجئة منذ الطفولة، ولكن تلك الفجوة تتنوع في اتساعها من بلد إلى بلد ومن مرحلة عمرية إلى أخرى.

ويبرز التبايُن من ناحية اللغة كذلك في مرحلة مبكرة من نمو الطفل. ففي مرحلة الرضاعة، تبدأ البنات في الكلام قبل الأولاد بشهر تقريبًا، كما يتقدمن عليهم بنسبة 12% في مهارات القراءة عند دخول مرحلة رياض الأطفال. ويستمر ذلك التفوق في القراءة والكتابة لصالح البنات خلال فترة المدرسة وحتى بلوغ الصف الثاني عشر [نهاية المرحلة الثانوية]. إذ تتقدم البنات على الأولاد في مهارة القراءة عند التخرج من المدرسة بنسبة ملفتة تبلغ 47%. بل وتزداد الفجوة عندما يتعلق الأمر بالكتابة، وذلك وفق بيانات جمعتها وزارة التعليم الأمريكية على مدار عدة عقود.

إلا أن تلك الفجوات تأخذ في التقلص في مرحلة البلوغ. فالمرأة العادية تتفوق على 54% فقط من الرجال على مقياس جامع لكافة المهارات اللفظية، حسبما جاء في تحليل وضعته عالِمة النفس جانيت هايد وزملاؤها بجامعة ويسكونسن بماديسون. هذا الفارق الضئيل قد يفسر السبب في عدم الكشف حتى الآن عن الأساس العصبي للتبايُن في مهارات اللغة والقدرة على القراءة والكتابة بين الجنسين. وفي عام 2008، فندت عالمة الأعصاب آيريس سومر وزملاؤها بمستشفى جامعة أوترخت بهولندا، النظرية الرائجة القائلة بأن السيدات يستخدمن شقي المخ لتنفيذ المهام المتعلقة باللغة، فيما يستخدم الرجال في الأغلب الشق الأيسر فقط. وأجرى الباحثون تحليلًا شاملًا لعشرين دراسة عملية معتمدة على الرنين المغناطيسي، وكشفوا من خلالها أنه ليس هناك من فارق بين النساء والرجال في موقع معالجة اللغة في المخ.

وبالمثل، ليس هناك من أدلة على أن الفتيات والنساء مهيآت من ناحية التركيبة العصبية للقراءة بشكل أفضل. فلو كان من شيء مرتبطًا بمهارات القراءة، فهو ببساطة حصيلة ما يقرأه الأطفال خارج إطار الدراسة بغرض المتعة. فالفتيات يقرأن أكثر من الفتيان، مما يُحدث فارقًا في أدائهن الدراسي الذي يتقدم بمرور الوقت.

ويعتبر مدى تعرُّض الطفل للغة عند الولادة هو العنصر الوحيد والأهم لتحديد قدراته الكلامية مستقبلًا. وقد أظهرت كبرى الدراسات في العديد من الدول، أن النوع لا يتحكم سوى في 3% من نسبة التبايُن في القدرات اللفظية لدى الأطفال، وذلك مقارنة بـ50% تحكمها بيئة الطفل وتعرضه للغة. وبالتالي، كلما دفع الآباء أبناءهم للانغماس بشكل أكبر في المحادثات الكلامية، والكتب، والقصص، والأغاني؛ كانت بدايتهم في اللغات ومهارات القراءة والكتابة أقوى. وتُعد كتب تعليم الأحرف الأبجدية وتعليم القراءة عن طريق الأناشيد، أداة رائعة لتنمية وعي الطفل بالصوتيات اللغوية؛ فالارتباط بين الحرف المكتوب والصوت عند نطقه، يمثل العقبة الأولى في تعلم القراءة.

وغالبًا ما يفضل الأولاد قراءة نوعية مواد مختلفة عن البنات، كالقصص غير الدرامية، والكوميدية، وكتب الإثارة. فيتوقف دفع الأولاد إلى القراءة على اختيار المجلة أو الكتاب المناسب الذي يجذبهم. وقد نجحت المدارس ذات البرامج القوية للتدريب على القراءة، في أن تقضي على الفارق بين تحصيل الأولاد والبنات، لتثبت بذلك أن تلك الفجوة المثيرة للقلق هي نتاج الممارسة والنظام التربوي، وليست نتاج عيب خِلقي خاص بالقراءة والكتابة يُولَد به الطفل.

 

التفكير بأبعاد ثلاثية

إن كان للبنات السبق في المهارات الكلامية، فللأولاد التميُّز على الصعيد المكاني بمهاراتهم في تصوير الأشياء والتلاعب بها في إطار الزمن والفضاء ثلاثي الأبعاد. والتبايُن بين الجنسين في المهارات المكانية هو من بين أكبر الفجوات الإدراكية. فبإمكان الرجل ذي القدرات العادية، أن يمارس التدوير الذهني -أي القدرة على تخيل شكل الأشياء عند استدارتها- متفوقًا بذلك على 80% من النساء.

في عام 2008، طرحت مجموعتان بحثيتان وجود فوارق بين الجنسين فيما يتصل بعملية التدوير العقلي بين الأطفال في سن ثلاثة أشهر، وعلى الرغم من بروز أدلة أخرى على تحكم هرمون التستوستيرون في مرحلة ما قبل الولادة في تلك المهارة. إلا أن اتساع تلك الفجوة بين الأطفال أقل منه بكثير بين البالغين؛ فالولد العادي البالغ من العمر أربع سنوات، يتفوق في التدوير العقلي على 60% من البنات من نفس الفئة العمرية. ويبدو أن تلك المهارات المكانية-البصرية تنمو لدى الأولاد بفضل التنقل بين ألعاب مساعدة مثل الرمي، والتصويب، والقيادة، والبناء. تلك الألعاب التي تستهويهم أكثر من قريناتهم من البنات.

وأجرت عالِمة الأحياء العصبية كارين كوشيان وزملاؤها بمستشفى الأطفال بجامعة زيورخ دراسة في عام 2007 أيدت تلك الفكرة؛ فأوردت فيها أن الأولاد والبنات، بخضوعهم للرنين المغناطيسي، أظهروا نمطًا مماثلًا من النشاط العصبي في أثناء ممارسة تجربة للتدوير العقلي يختلف عن الاستجابة الصادرة من أمخاخ البالغين رجالًا ونساء. ويعني ذلك أن أمخاخ الأولاد والبنات تأخذ مسارات مختلفة في التعامل مع المكان كلما تقدموا في العمر ومارسوا مهارات مختلفة.

وللمهارات المكانية أهمية كبيرة للنجاح في عدة أفرع من العلوم والرياضيات العليا، كالتفاضل والتكامل، وحساب المثلثات، والفيزياء، والهندسة. وتُظهر الأبحاث التي أجرتها عالِمة النفس التربوية بجامعة بوسطن، بيث كيسي، أن تلك الفجوة بين الأولاد والبنات في المهارات المكانية، يعود إليها تفوق الأولاد الدائم في اختبارات الأهلية الدراسية الرياضية SAT، والذي يُعَد من العراقيل البارزة في سبيل القبول بكليات الهندسة وغيرها من الكليات الفنية.

والمهارات المكانية على أهميتها، لا تُدرس عن قصد في المدارس، ولكن الكثير من الدراسات أظهر أنها تنمو بالتدريب، وهو ما يمكن تنفيذه بممارسة ألعاب الفيديو. فلو أنها متاحة للأولاد للتدرب على ذلك كنشاط إضافي خارج إطار الدراسة، فقد تستفيد الفتيات كذلك من الاحتكاك بشكل أكبر بألعاب التركيب ثلاثية الأبعاد، والقيادة السريعة، ورياضات التصويب، ككرة القاعدة (البيسبول)، والكرة الناعمة (سوفتبول)، وكرة المضرب (التنس).

النوع والثقافة والمخ

يختلف الأولاد عن البنات، ولكن الاختلافات النفسية القائمة على النوع، معتدلة في معظمها. فالفجوات في المهارات الكلامية، وأداء الرياضيات، والتعاطف، وحتى معظم أشكال العدوانية، تعد في معظمها أصغر بكثير من الفجوة في طول القامة بين البالغين. فالرجل الأمريكي العادي الذي يبلغ طوله مترًا وثمانية وسبعين سنتيمترًا، يفوق في قامته نسبة 98% من الأمريكيات. أما فيما يتعلق بالقدرات العقلية، فيتقارب الذكور والإناث أكثر مما يختلفون.

وبعكس التفكير الرائج، فإن الغالبية العظمى من الفروق بين الجنسين ليست متأصلة فيهما. فإن كانت الجينات والهرمونات هي التي تطلق شرارة تلك الفروق، فالثقافات والمجتمعات المختلفة التي ينمو فيها الأطفال هي التي تغذيها.

إن تفهُّم الطريقة التي تبرز بها الفروق بين الجنسين، قد يمنع التأصيل الضار للصور النمطية، وقد يمنح الآباء والمعلمين أفكارًا لتَشارُك المهارات بين الأولاد والبنات، بينما يقلص من الفجوات المزعجة ويمكِّن الأطفال من تطوير مواهبهم بشكل كامل.