بدأت ستيفاني* تعاني من نوبات الصداع في السنوات الأولى من العشرينيات من عمرها، وعلى مدار عامين ظلت تعيش تحت وطأة الصداع النصفي الذي كان يبدأ عادةً بتشوُّش في الرؤية أو ما يُعرف باسم "أورة"؛ حيث تظهر خطوط متعرجة براقة تتحرك عبر مجال الرؤية وتتسع تدريجيًّا حتى تتحول إلى عتمة وتحجب الرؤية. ثم يأتي بعد ذلك ألم ساحق يتركز في الجانب الأيسر من رأسها، ثم يزداد الطين بلة مع تلك الحساسية الشديدة للضوء والصوت والروائح التي تجعل المثيرات العادية -حتى رائحة العطر- غير محتملة والصداع أسوأ.

وعندما جاءت ستيفاني إلى عيادة طب الجهاز العصبي في مدينة هاليفاكس في نوفا سكوشا، حيث كان آلان بوردي (أحد مؤلفي المقال) يعمل، قالت إنها جربت العديد من الأدوية، ولكن جميعها إما فشل أو أدى إلى آثار جانبية لا تُحتمل. وفي الوقت نفسه، على مدار العام الماضي، أصبحت الأعراض التي تعانيها أكثر حدة وإثارة للمخاوف؛ فالآن مع تشوش الرؤية، يبدأ إحساس بالوخز يتحرك ببطء لأعلى من يدها اليمنى عبر ذراعها وأحيانًا إلى وجهها ولسانها، وهي علامة على أن ألمًا حادًّا في الرأس على وشك أن يعصف بها. وفي الوقت نفسه، بدأت تعاني مشكلةً في العثور على الكلمات المناسبة للتعبير عن نفسها بوضوح بحيث يفهمها الآخرون، وبدأ يساورها القلق من أن الصداع النصفي سيؤدي إلى الإصابة بسكتة دماغية، وهو ما يمكن أن يمثل خطرًا حقيقيًّا.

بالنسبة لبعض الأشخاص، قد يكون الصداع النصفي مصدر إزعاج عارضًا، في حين أنه بالنسبة للبعض الآخر معاناة مستمرة، وبالنسبة للأشخاص مثل ستيفاني، قد تتضمن نوبات الصداع تغيُّرات غريبة في الإدراك والإحساس. ولكن في كافة أشكاله على أية حال، يُعَدُّ الصداع النصفي أحد أكثر الاضطرابات العصبية انتشارًا؛ إذ يصيب ما يقرب من 39 مليون شخص في الولايات المتحدة الأمريكية؛ أي حوالي سيدة من كل 5 سيدات ورجل من كل 16 رجلًا.

إنه داء غالبًا ما يقف حجر عثرة في طريق العلاج والوقاية. ووفقًا للدراسات السكانية التي أُجريت في الولايات المتحدة الأمريكية، كان فقط ربع مَن يعانون من الصداع النصفي العارض (أي أقل من 15 يومًا من الصداع في الشهر) وأقل من 5% ممن يعانون من الصداع النصفي المزمن (أي 15 يومًا أو أكثر في الشهر) قد استشاروا طبيبًا قام بتشخيصهم بدقة وقدم لهم العلاج المناسب. ويعود استخدام المجموعة الأحدث من الأدوية المتاحة في الأسواق إلى وقت مبكر من تسعينيات القرن العشرين. وإذا تناول المريض ذلك العلاج بعد بدء التعرُّض لنوبة الصداع، فإنه يقضي على الألم لدى أقل من ثلث المرضى الذين يستخدمونه، وله آثار جانبية محتملة تجعله خيارًا غير مطروح بالنسبة للكثيرين.

ولكن الآن، ثمة بريق أمل يلوح في الأفق لمرضى الصداع النصفي يوحي بأن مأساتهم قد تنتهي قريبًا. فقد تمخضت الطفرات في فهم الشبكات الدماغية والنواقل الكيميائية التي تسبب أعراض الصداع النصفي عن إنتاج عدد من العلاجات المتطورة الجديدة التي تُوقف تلك النوبات أو تحول دون وقوعها من الأساس. ومثلما تكشف الأفكار المتبصرة الجديدة عن الدماغ طرقًا جديدة للقضاء على هذا الاضطراب، فإن دراسة الصداع النصفي تميط اللثام أيضًا عن بعض أسرار الدماغ.

مرض قديم

لا ينافس الصداع النصفي على لقب أقدم اضطراب عصبي معروف سوى مرض الصرع. فقد وصفه المصريون القدماء في الوثائق الطبية التي تعود إلى عام 1200 قبل الميلاد، على الرغم من أن الفضل في اكتشافه كحالة منفردة عادةً ما يُنسب إلى أريتايوس الكبادوكي، الذي تكشف كتاباته التي تعود للقرن الثاني من الميلاد عن أشخاص يتعرضون لنوبات متكررة من صداع حاد في جانب واحد من الرأس يصاحبه قيء.

وتختلف حدة الصداع النصفي بشكل كبير؛ فالمريض سعيد الحظ قد يتعرض لصداع حاد بضع مرات في السنة ويعالجه باستخدام مسكن متاح دون الحاجة إلى وصفة طبية، ولا يعبأ باستشارة طبيب. ولكن بالنسبة للغالبية العظمى من المرضى، تحدث هذه النوبات مرة أو مرتين في الشهر، وبالنسبة لما يقرب من ربع مرضى الصداع النصفي في الولايات المتحدة، فإن النوبات تصبح أكثر تكرارًا، مع ظهور الأعراض في نهاية المطاف يوميًّا تقريبًا. وبالنسبة لهم، في حين أن هذا المرض لا يمثل تهديدًا على الحياة، فإنه يغيرها ولا شك.

بالنسبة لبعض الأشخاص يبدأ الصداع النصفي بتشوُّش بصري براق قد يؤدي إلى حجب الرؤية جزئيًّا، وتحاكي هذه الصورة ذلك التأثير.
Credit: Andrew Too Boon Tan Getty Images (bike in front of store); Scientific American Mind (blur)

على الرغم من أن العامل الأسوأ في الصداع النصفي هو الألم، فإن العلامة المميزة الأبرز له (والأكثر روعة بالنسبة لعلماء الأعصاب أمثالنا) هي تلك "الأورة" التي تؤثر على ثلث مرضى الصداع النصفي. في معظم الأحيان، تكون الأورة ظاهرة بصرية تتكون من خطوط متعرجة ينتج عنها مجال من الرؤية المشوشة أو غير الواضحة، وفي بعض الأحيان توجد نقطة عمياء في المنتصف. وقد كشفت الدراسات القائمة على التصوير التشخيصي أن تلك الظاهرة التي يُطلق عليها الأورة الكلاسيكية تنشأ في القشرة البصرية في مؤخرة الدماغ وتنتشر إلى الأمام على مدار عدة دقائق؛ وهي ظاهرة تُعرف باسم "الانضغاط اللحائي (أو القشري) المنتشر" (انظر الجزء بعنوان "الموجة الطويلة البطيئة" فيما يلي).

ومعظم الأشخاص الذين لا يرون تلك الأورة البصرية يتعرضون لتلك الأعراض الأولية المنذرة –مثل التثاؤب والشعور بالإرهاق وتغيُّر الحالة المزاجية وآلام الرقبة والحساسية للضوء– التي قد تمثل تحذيرًا للتعرض لصداع وشيك. وغالبًا ما يرتبط الصداع النصفي أيضًا بمخاطر الإصابة بأمراض أخرى، مثل السكتة الدماغية الإقفارية والاكتئاب والصرع. وترتفع مخاطر التعرُّض للسكتات الدماغية لدى النساء بصورة خاصة، لا سيما لدى المدخنات أو اللاتي يتعاطين أدوية تحتوي على إستروجين مثل أقراص منع الحمل.

لطالما لاحظ الأطباء السريريون أن الصداع النصفي يميل إلى الانتشار بين أفراد العائلة الواحدة. وقد حددت الأبحاث الحديثة أن أكثر من ستة وثلاثين جينًا يبدو أنه يرتبط بهذا الاضطراب، وتتضمن هذه الجينات المسؤولة عما يُطلق عليه القنوات والنواقل الموجودة على سطح الخلايا العصبية وغيرها من الخلايا الدماغية. وتتحكم هذه البنى في حركة مرور الأيونات (مثل الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم) من الخلايا والنواقل العصبية وإليها عبر المشابك العصبية، ومن ثم في استثارة بعض الخلايا الدماغية والشبكات الدماغية المحددة. والجينات الأخرى المرتبطة بالصداع النصفي مسؤولة عن توليد الألم والحفاظ على صحة الأوعية الدموية. وبالجمع بين هذه العوامل، فإن هذا الاختلافات الجينية قد تفسر فرط استثارة الدماغ والحساسية الشديدة للضوء والأصوات والعطور، والألم، واضطرابات الأوعية الدموية -التي تشمل السكتات الدماغية- المرتبطة بالصداع النصفي.

 

البحث عن الراحة

كانت العلاجات الأولى للصداع النصفي قائمة على الخرافات والسحر، تتراوح بين إراقة بعض دماء المريض إلى فتح ثقب في الجمجمة لإطلاق الأرواح الشريرة. وفي القرن التاسع عشر، كان الصداع النصفي يُعَدُّ مرضًا جسديًّا نفسيًّا، إلى جانب الأمراض الأخرى التي تعاني منها النساء بصفة أساسية. وقد بدأت هذه الفكرة تتغير في منتصف القرن العشرين، فقد أدت سلسلة من التجارب الرائعة في أربعينيات القرن العشرين التي أجراها عالِم الأعصاب هارولد وولف بمركز كورنيل الطبي التابع لمستشفى نيويورك، إلى ميلاد نظرية الأوعية الدموية الحديثة عن الصداع النصفي، لا سيما أن ألم الصداع النصفي ناتج عن توسع الأوعية الدموية وتمدُّدها داخل الجمجمة وخارجها. وقد قاس وولف مدى سعة نبضات الأوعية الدموية في فروة الرأس في أثناء التعرض لنوبة صداع نصفي وبعد الحصول على علاج يعمل على تضييق الأوعية. وقد أدت النتائج التي توصل إليها إلى استخدام أول دواء حقيقي للصداع النصفي: "ترترات الإرجوتامين"، وهو دواء فعال يعمل على تقليص الأوعية الدموية مشتق من فطر الإرجوت، أدى إلى توقُّف الألم الذي تزامن مع تقلُّص الشرايين في فروة الرأس.

ثم في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، لاحظ الباحثون في جامعة إراسموس روتردام في هولندا وجامعة نيو ساوث ويلز في سيدني بأستراليا، وجود علاقة بين الصداع النصفي والسيروتونين؛ إذ انخفضت مستويات الناقل العصبي في الدم وارتفعت في البول في أثناء نوبات الصداع، بعبارة أخرى، كان الجسم يفقد السيروتونين. كما وجد الباحثون كذلك أن حصول المرضى على السيروتونين في أثناء النوبات يؤدي إلى تخفيف الألم، مثلما يفعل الإرجوتامين. وكان التفسير في ذلك الوقت هو أن فقد السيروتونين يؤدي إلى فقد الأوعية الدموية لتماسكها وتمدُّدها، وبالتالي الشعور بآلام الصداع النصفي.

ولكن كان للإرجوتامين والسيروتونين، كعلاج، مشكلات خطيرة، إذ كان لكليهما آثار جانبية مزعجة، منها الغثيان والقيء والتشنجات، والتي قد تمثل مشكلة كبيرة لمن يعاني من الصداع النصفي، كما يمكن أن يتسبب الإرجوتامين أيضًا في انخفاض خطير في جريان الدم.

وفي سبعينيات القرن العشرين، بدأ باتريك هامفري -والذي كان آنذاك أخصائيًّا في علم الأدوية والعقاقير في شركة المستحضرات الدوائية البريطانية "جلاكسو"- في البحث عن طريقة لإعادة إنتاج الآثار المفيدة من السيروتونين مع تجنب الآثار الضارة. وكان هامفري يعمل مفترضًا أن اتساع الأوعية الدموية داخل الجمجمة وخارجها هو المسؤول عن الإصابة بالصداع النصفي، وأن الأدوية التي يمكنها الارتباط بمستقبِلات السيروتونين يمكن أن تخفف آلام المرضى، ومن ثم، شرع في تصميم دواء يؤدي هذه المهمة. وكانت النتيجة بعد عقد من العمل هي ظهور عقار سوماتريبتان، والذي -على غرار الإرجوتامين- يخفف الألم ويؤدي إلى تقلص الأوعية الدموية. وقد كان هذا العقار هو الأول في عائلة أدوية التريبتانات.

غير أن أدوية التريبتانات أيضًا لها أوجه قصور، إذ إنها لا تؤدي إلى الراحة التامة من الألم إلا في 30% فقط من مرضى الصداع النصفي، وفي حالة الكثيرين منهم يعود الصداع في اليوم نفسه. كما يمكن أن تتسبب أدوية التريبتانات أيضًا في عدد من الآثار الجانبية السيئة، التي تتضمن النعاس والدوار والشعور بوخز وضيق الصدر والاحمرار الشديد في الوجه والرقبة. ونظرًا لأن هذه الأدوية يمكن أن تؤدي إلى تقلص الأوعية الدموية في الجسم بأكمله، فلا يمكن للأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب أو تعرَّضوا من قبل للسكتات الدماغية استخدامها.

بيد أن أدوية التريبتانات كانت بمنزلة طفرة هائلة للملايين من مرضى الصداع النصفي الذين أصبح بإمكانهم الآن الحصول على قرص مسكن أو حقنة مسكنة والتخلص من ألم الصداع الحاد في غضون 30 دقيقة. كما أن هذه الأدوية كانت بمنزلة انتصار في علم تصميم الأدوية، باستثناء أن فهم الأساس البيولوجي العصبي لم يكن صحيحًا تمامًا. فكما كشفت الأبحاث اللاحقة، لم يكن السبب الرئيسي في ألم الصداع النصفي هو اتساع الأوعية الدموية في الرأس، والعامل الرئيسي الذي تساعد به أدوية التريبتانات ليس عن طريق تضييق تلك الأوعية، بل كان هناك شيء آخر يحدث، وكان تصميم أدوية أفضل يعتمد على التوصل إلى ذلك الشيء.

صواريخ موجهة إلى الصداع النصفي

في ثمانينيات القرن العشرين، في الوقت نفسه تقريبًا الذي كان هامفري يعمل فيه على أدوية التريبتانات، توصل لارس إدفينسون -عالِم الأعصاب بجامعة لوند في السويد- إلى مركب يُطلق عليه "الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين" في الأعصاب المحيطة بالأوعية الدموية داخل الجمجمة. وكان ذلك المركب قد اكتُشفَ مؤخرًا في الجهاز العصبي المركزي والطرفي، وتشير الأدلة إلى أنه يعمل بمنزلة ناقل كيميائي للألم، كما أنه فعال في توسيع الأوعية الدموية، وقد افترض إدفينسون -المتخصص في دراسة إمدادات الدم في الدماغ- أنه قد يسهم في تطور الصداع النصفي.

على مدار العقدين التاليين، أكدت التجارب التي أجراها العديد من الباحثين تلك الفكرة. فوجد الباحثون، على سبيل المثال، أن مستويات الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين في الدم ترتفع في أثناء نوبات الصداع النصفي ثم تعود إلى المستويات الطبيعية بعد أن تُهدِّئ جرعة من السوماتريبتان الألم. وكان الدليل المقنع في هذا الشأن هو أن ذلك الببتيد كان يثير باستمرار نوبة صداع نصفي عند حَقنِه في مجرى دم مرضى الصداع النصفي. وتوضح الدراسات في كل من الحيوانات والبشر أن الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين ومستقبلاته توجد في البنى الدماغية مثل الوطاء (تحت المهاد) والمخيخ والتي كان يُعتقد لوقت طويل أنها تؤدي دورًا في توليد نوبات الصداع النصفي. كما أنها موجودة أيضًا في العصب الثلاثي التوائم، وهو عصب قحفي أساسي يشترك في معالجة الإشارات الحسية التي ترتبط أيضًا بالصداع النصفي. بالإضافة إلى هذا، فقد اتضح أن هذا الببتيد أحد المواد الكيميائية التي يطلقها الجسم في أثناء الانضغاط اللحائي المنتشر، وهي الآلية المفترَضَة لتكوُّن أورة الصداع النصفي.

 

 
 
 

وفي وقت مبكر من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تمكن العلماء في شركة الأدوية الألمانية "بورينجر إنجلهايم" من تخليق جزيء صغير مصمم للارتباط بمستقبل الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين وإيقاف نشاطه، وهي فئة من المواد تُعرف باسم "مضادات المستقبلات". وقد أكدت دراسة شملت 126 مريضًا نُشرت في دورية "نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين" New England Journal of Medicine في عام 2004 أن هذا الجزيء -والذي يُحقَن في الوريد- يوقف الصداع النصفي لدى بعض المرضى، وقد فعل هذا دون تضييق الأوعية الدموية في الرأس. وكان هذا الاكتشاف جوهريًّا؛ إذ أثبت أن النموذج الراسخ للصداع النصفي على أنه مرتبط بالأوعية الدموية ليس صحيحًا تمامًا، وأن تضييق الأوعية الدموية ليس أساسيًّا في التخلص من آلام هذا الصداع.

وعلى الرغم من النتائج الواعدة، فقد تعثر التقدُّم في تطوير مضادات مستقبل الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين؛ بسبب وجود أثر جانبي خطير، وهو تسمم الكبد الذي ظهر في تجربة ثلاثة من هذه الأدوية، ومن ثَم كان يتعين على الباحثين التوصل إلى طريقة أخرى لإحراز تقدُّم.

وقد قرر البعض استهداف الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين أو المستقبِل الخاص به باستخدام جسم مضاد وحيد النسيلة. والأجسام المضادة عبارة عن بروتينات ضخمة يمكن توجيهها بدقة إلى هدف واحد، وهو ما يشبه إلى حد كبير الصواريخ الموجهة بالليزر. ويقوم مطورو الأدوية عادةً بإنتاجها من نسخ من خلية مناعية واحدة، ولهذا توصف بأنها وحيدة النسيلة. وعلى غرار البروتينات الأخرى، فإنها تُؤيَّض إلى أحماض أمينية عبر الأنسجة في مختلف أنحاء الجسم بدلًا من إثقال العبء على الكليتين أو الكبد. وهكذا، رغم أنها قد يكون لها آثار جانبية مرتبطة بإعاقة الهدف المحدد (مثل الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين) فإنها لا تسبب آثارًا جانبية بعيدة عن الهدف أو آثارًا سامة مثل الإضرار بالكلية.

والأجسام المضادة أكبر حجمًا من أن تمر عبر الحاجز الدموي الدماغي، غير أن أداء هذه الأدوية كان مذهلًا حتى الآن في منع الصداع النصفي في الدراسات الأولية. ومن بين الآليات المحتملة لهذا النجاح أنه عن طريق حجب الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين في مسارات العصب الثلاثي التوائم خارج الدماغ، فإن الأجسام المضادة ربما تقلل من نقل الإشارات بين الجهاز العصبي الطرفي والجهاز العصبي المركزي، مما يقلل من إشارات الألم التي تدخل إلى الدماغ.

ومنذ عام 2012، أجرى العديد من الباحثين -من بينهم أحد مؤلفي المقال (دوديك)- تجارب سريرية يجري فيها استخدام دواء وهمي لمقارنة الآثار، تتضمن أكثر من 10 آلاف مريض. وقد استخدمت نسبة كبيرة من المرضى في التجربة العلاج لأكثر من عام دون التعرض لأي آثار جانبية، باستثناء بعض الاحمرار في موضع الحَقن. وبالنسبة لما يصل إلى 70% منهم، فقد انخفض عدد الأيام التي يشعرون فيها بالصداع لأكثر من النصف، وواحد تقريبًا من كل ستة مرضى لم يعانِ من الصداع النصفي إطلاقًا في أثناء فترة العلاج. وقد ظهر التحسُّن بعد ثلاثة أيام فقط من بدء العلاج بالأجسام المضادة. وقد انتهت شركة الأدوية "أمجن" مؤخرًا من دراسات المرحلة الثالثة الجوهرية، وسوف تتقدم بطلب قريبًا إلى إدارة الغذاء والدواء الأمريكية للحصول على تصريح. وثمة ثلاث شركات أخرى –"ألدر" للصناعات الدوائية البيولوجية، و"إيلي ليلي" للأدوية، و"تيفا" للصناعات الدوائية- في خضم تجارب المرحلة الثالثة. ومن المقرر أن يصبح أول هذه الأجسام المضادة متاحًا -ما لم تظهر مشكلات غير متوقعة- في نهاية عام 2017 أو في بداية 2018.

وسوف تمثل الأجسام المضادة وحيدة النسيلة قفزة هائلة إلى الأمام من العلاجات الوقائية المتاحة حاليًّا، والتي تتضمن حاصرات بيتا مثل البروبرانولول ومجموعة من أدوية ضغط الدم. ولدى الأدوية الأقدم معدلات استجابة مشابهة، ولكن قد يستغرق ظهور الآثار الملحوظة أسابيع أو شهورًا، وغالبًا ما تكون هناك حاجة لزيادة الجرعة بمرور الوقت، كما أن الآثار الجانبية، مثل زيادة الوزن وفقدان الشعر والخلل الوظيفي الإدراكي والشعور بالخدر، قد تمنع المرضى من الوصول إلى جرعة فعالة أو الاستمرار في تناول الدواء من الأساس. في الواقع، أكثر من 85% من المرضى الذين بدأوا العلاج مع الأدوية الوقائية المتاحة حاليًّا توقفوا عن استخدامها في غضون عام.

غير أن استخدام الأجسام المضادة وحيدة النسيلة لن يكون متاحًا للجميع أيضًا؛ إذ سيحتاج المرضى إلى حقنها عبر الوريد، مما يتطلب زيارة للطبيب كل ثلاثة شهور، أو عبر حقن ذاتي بصورة شهرية. ولا تزال ثمة أسئلة عالقة حول مدى أمان حجب بروتين يوجد في مختلف أنحاء الجسم على المدى البعيد، وهذه المخاوف بالتحديد واقعية للمرضى الذين يعانون من أمراض قلبية وعائية ومرضى الضغط العالي؛ نظرًا لأنه يُعتقد أن الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين أساسي في الحفاظ على تماسُك الأوعية الدموية والتعويض عن انخفاض إمدادات الدم إلى الدماغ والقلب في أثناء التَّعرُّض للسكتات الدماغية والأزمات القلبية. كما أنه من غير الواضح على الإطلاق ما إذا كانت تلك الأدوية ستكون آمنة للاستخدام في أثناء الحمل، وهذا اعتبار شديد الأهمية؛ نظرًا لأن معظم مَن يعانون من الصداع النصفي ويذهبون إلى عيادات الأطباء من السيدات في عمر الإنجاب (غالبًا ما تقل نسبة التعرض للصداع النصفي مع انقطاع الطمث).

وبالنسبة للمرضى الذين لا يستطيعون استخدام الأجسام المضادة، أو الذين لا تساعدهم هذه الأدوية، وبالنسبة للكثيرين الذين يفضلون علاج الصداع النصفي فقط عند التعرُّض لإحدى نوباته، ثمة حاجة إلى علاج آمن وفعال لتناوله عند الحاجة في حالة التعرض لنوبات حادة. وغالبًا ما ستكون مسكنات الألم عبارة عن أقراص ولن تؤدي إلى تقليص الأوعية الدموية مثلما تفعل التريبتانات. وثمة فئتان من الأدوية واعدتان على كافة الأصعدة قيد التطوير في الوقت الراهن. فقد أوضحت التجارب السريرية لمضادات مستقبل الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين أنها على نفس قدر فاعلية التريبتانات ولكن دون آثارها السامة. ومن ثم، يبدو أن آثار تسمم الكبد التي لوحظت في التجارب الأولى مرتبطة بالدواء نفسه وليس بحجب الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين.

وهناك أيضًا عائلة الأدوية "ديتان" التي تستهدف مستقبِلات السيروتونين، والتي تبدو واعدة هي الأخرى. إذ يختار عقار لاسميديتان -الذي تطوره في الوقت الراهن شركة "كوليوسد للصناعات الدوائية"- مستقبِلات السيروتونين التي تقع فقط على الخلايا العصبية وليس الأوعية الدموية، وهو ما يعني أنها ستكون آمنة لنسبة 20% من مرضى الصداع النصفي الذين لديهم مخاطر مرتبطة بالأمراض القلبية الوعائية. وفي تجربة سريرية حديثة لعقار لاسميديتان أجرتها شركة "كوليوسد" شملت 2231 مريضًا تلقوا علاجًا لنوع واحد من الصداع النصفي، تخلَّص ثلث المرضى من الألم تمامًا في غضون ساعتين. (وقد ساعد دوديك على تصميم التجربة وتحليل النتائج). ويشبه معدل النجاح هذا معدل نجاح أدوية التريبتانات ولكن دون المخاطر المرتبطة بانقباض الأوعية الدموية. في الحقيقة، أكثر من 80% من المرضى في الدراسة كان لديهم عامل أو أكثر من عوامل مخاطر الإصابة بالأمراض القلبية والوعائية، ولكن لم تظهر أية مشكلات متعلقة بالأمان.

 

الأمل يلوح في الأفق

تعكس الأدوية الجديدة التي في طريقها للطرح في الأسواق قفزات هائلة في تحديد المناطق الدماغية التي ينشأ فيها الصداع النصفي والآليات التي تؤدي إلى الإصابة به، وكانت النتيجة التوصل إلى علاج أكثر تحديدًا وذي آثار جانبية أقل من العلاجات الأقدم. وغالبًا ما يؤدي إنتاج علاج ناجح إلى دائرة مفيدة من المزيد من الأفكار الثاقبة حول آليات المرض والجيل التالي من العلاجات. وقد انطبق هذا الأمر على الأدوية من عائلة التريبتانات، ومن المؤكد تقريبًا أنه سينطبق على الأدوية التي هي قيد التطوير اليوم. وحقيقة أن جزيئًا ضخمًا مثل الجسم المضاد الذي لا يستطيع الوصول إلى الدماغ يمكنه أن يمنع نوبات الصداع التي تنشأ هناك تغير بالفعل الطريقة التي نفكر بها، لا في الصداع النصفي فحسب، لكن أيضًا في الطريقة التي يعمل بها الدماغ.

والأهم من ذلك أن المرضى، مثل ستيفاني، الذين لم يجدوا سبيلًا للتخلص من آلامهم باستخدام العلاجات الحالية سيحصلون أخيرًا -إذا سارت الأمور على خير ما يرام- على الرعاية والعلاج الذي يستحقونه. لقد جربت ستيفاني على الأقل عشرة أدوية للتغلب على الصداع النصفي، وكذلك العديد من العلاجات البديلة، من الوخز بالإبر إلى ممارسة اليوجا إلى الأنظمة الغذائية المخصصة، ولكن دون جدوى. ونظرًا لأن الأعراض التي تعاني منها ستيفاني تجعلها معرضة للإصابة بسكتة دماغية، فقد أسعدها وأثار حماستها كثيرًا أن تعلم أن ثمة أدوية قد تكون أكثر أمانًا تلوح في الأفق، إذ قالت: "يبدو هذا رائعًا، لا أطيق الانتظار حتى الحصول عليها!" ونحن أيضًا بصفتنا أطباء نرى الكثير من المرضى الذين يكون الصداع النصفي الذي يعانون منه مقاومًا للعلاجات الحالية، فإننا ننتظر العلاجات الجديدة على أحر من الجمر.

 

* تم تغيير اسم المريضة وكذلك بعض التفاصيل الخاصة بحالتها لحماية الخصوصية.


الموجة الطويلة البطيئة

يتحرك الانضغاط اللحائي المنتشر، الذي يبدأ في القشرة البصرية في مؤخرة الدماغ (يسارًا)، إلى الأمام في شكل موجة من النشاط الكهربي (اللون الأرجواني) بسرعة 2 إلى 3 ملم في الدقيقة، مطلقًا الأورة البصرية. وعندما يصل إلى القشرة الجدارية والقشرة الصدغية (المنتصف)، ربما يؤدي إلى صعوبات في الكلام، ثم بعد ذلك عندما يصل إلى الشريط الحسي (إلى اليمين باللون الأخضر)، قد يؤدي إلى الإحساس بوخز في أحد الأطراف أو في الرأس. 
Credit: Courtesy of Richard Hargreaves

يظل أحد الألغاز العصية على الحل في الصداع النصفي العلاقة بين آلام الصداع الحادة والأعراض الحسية الغريبة التي تسبقها في بعض الأحيان. وقد تكون الظاهرة المعروفة باسم "الانضغاط اللحائي (أو القشري) المنتشر" هي المسؤولة عن الأمرين؛ إذ تتميز هذه الظاهرة بموجة من النشاط الكهربي الذي ينتشر ببطء في القشرة، تتبعها موجة من الهدوء، مما يؤدي إلى ظهور الأعراض المرتبطة بذلك الجزء من الدماغ الذي تنتقل خلاله هذه الموجة.

وبعد أن تؤدي أي مجموعة من العوامل إلى إطلاق نوبة الصداع النصفي، مثل الضغط أو الأضواء المبهرة أو التغيرات الهرمونية أو عدم الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم، يبدأ الانضغاط اللحائي المنتشر عادةً في القشرة البصرية في مؤخرة الدماغ، مما يؤدي إلى إطلاق النمط المتعرِّج والرؤية الغائمة التي تميز الأورة المعروفة. ثم قد تنتقل الموجة بعد ذلك إلى الشريط الحسي في الفص الجداري، مثيرًا اضطرابًا ينتقل من اليد إلى الأعلى إلى الوجه واللسان. وبالنسبة لبعض مرضى الصداع النصفي، فقد تتأثر القدرة على الحديث بعد ذلك، مما يؤدي إلى فقدان القدرة على النطق.

ومع اجتياز الانضغاط اللحائي المنتشر للدماغ، يمكنه أيضًا استثارة الخلايا العصبية التي تستكشف الألم إما بشكل مباشر أو من خلال الالتهابات التي تثير الألياف التي تغذي السطح الخارجي الحساس للدماغ. وفي النهاية، تطلق ألياف الألم تلك مجموعة من النواقل العصبية الكيميائية أو البروتينية، من بينها الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين، القادرة على نقل إشارات الألم من الجهاز العصبي الطرفي إلى الجهاز العصبي المركزي.

وعلى أية حال، ما يقرب من ثلثي الأشخاص الذين يعانون من الصداع النصفي لا يرون تلك الأورة. وبالنسبة لهم، لا يزال السبب الذي يؤدي إلى الإصابة بالصداع النصفي مجالًا نشطًا للبحث. وربما يحدث الانضغاط اللحائي المنتشر في الأنسجة الدماغية القشرية أو تحت القشرية دون التسبُّب في الأعراض الحسية، أو ربما تؤدي آليات مختلفة إلى ميلاد نوبة الصداع النصفي في البنى الدماغية تحت القشرية التي تساعد على معالجة الضوء والصوت وغيرها من المثيرات الحسية وتؤثر على الخلايا العصبية التي تشعر بالألم في الدماغ، أو ربما تعمل الآليتان معًا. وفي كلتا الحالتين، فإن الانضغاط اللحائي المنتشر يُعَدُّ جسرًا مناسبًا بين ألم الصداع النصفي وأعراضه العصبية الملحوظة.