على سطح جزيرة صخرية تقع في مضيق كوك يُطلق عليها جزيرة نورث براذر، ينخفض عدد الإناث في الكائنات الشبيهة بالسحالي التي تُعرف باسم التوتارا بسرعة، حتى إن المجموعة بأكملها تتحول لأن تصبح جميعها من الذكور. عندما فحص العلماء هذا الخلل في التوازن بين الذكور والإناث في أواخر تسعينيات القرن الماضي، كانت نسبة الذكور قد بلغت بالفعل 62.4%، وسرعان ما أخذت هذه النسبة تزداد سوءًا منذ ذلك الحين، حتى فاقت 70%. يقول الباحثون إن التغيُّر المناخي هو السبب؛ إذ إن درجة حرارة الأرض هي التي تحدد جنس جنين التوتارا، بحيث تساعد درجات الحرارة المنخفضة على أن تكون الأجنة من الإناث، في حين تساعد درجات الحرارة المرتفعة على أن تكون الأجنة من الذكور. وعندما يدفع المناخ هذه النسبة لتصل إلى 85% من الذكور، فإن التوتارا التي تعيش على جزيرة نورث براذر سوف تنزلق حتمًا إلى ما يسميه علماء الأحياء دوامة الانقراض.

بالنسبة للتوتارا وغيرها الكثير من الأنواع المعرضة للانقراض بسبب التغيُّر المناخي، فإن نقلها إلى أماكن لم يسبق لها استيطانها من قبل –وهي الاستراتيجية التي تُعرف باسم إعادة التوطين– بدأت تبدو الخيار الوحيد الذي يملكه علماء الحفاظ على الأنواع لإنقاذ هذه الحيوانات. تقول جيسيكا هيلمان -وهي عالِمة بيئة تعمل حاليًّا بجامعة مينيسوتا، وكانت من أوائل الباحثين الذين طرحوا فكرة إعادة التوطين للنقاش-: "نحن نفضل أن نفعل شيئًا طبيعيًّا أكثر"، بمعنى أنه قد يكون من الأفضل للأنواع أن تنقل مواطنها بنفسها، باستخدام ممرات طبيعية، لتجد مواطن جديدة في الوقت الذي تتحول فيه مواطنها القديمة إلى أماكن يصعب البقاء فيها. ولكن -كما توضح هيلمان- بالنسبة للكثير من الكائنات الجبلية والتي تعيش على الجزر، لم يكن الانتقال لمسافات بعيدة خيارًا في المقام الأول. وفي حالات أخرى، حتى الممرات القديمة لم تعد موجودة حاليًّا؛ لأن التطور البشري قد قضى عليها.

بيد أن فكرة إعادة التوطين بوصفها أحد أساليب الحفاظ على الأنواع أثارت انتقادات قوية، بسبب إمكانية أن تتسبب في دمار بيئي للأنواع التي يعاد توطينها وللموطن الطبيعي الذي تُنقل إليه. بالإضافة إلى ذلك، فإن الكثيرين من علماء الحفاظ على الأنواع قد كرسوا حياتهم لإعادة الحيوانات مرة أخرى إلى الأماكن التي اعتادت أن تعيش فيها قبل 100 أو 200 سنة، كما حدث مع الذئاب الرمادية في يلوستون، أو مع الثور الأمريكي في السهول العظمى، وبالنسبة لهم قد تبدو فكرة إيجاد أماكن جديدة قد تعيش فيها هذه الأنواع في مستقبل مجهول بمنزلة بدعة.

ولكن نظرًا لأن التدمير المحتمل من جَرَّاء التغير المناخي أصبح أكثر وضوحًا، تراجع النقد لصالح وضع خطوط إرشادية حول كيفية نقل الأنواع وتوقيته، ولصالح زيادة قبول فكرة إعادة التوطين، إذا كان لا يزال من الصعب تقبل الفكرة. كشف مسح حديث شمل 2300 عالِم من علماء التنوع البيولوجي نُشر في دورية "إليمنتا: ساينس أوف أنثروبوسين" Elementa: Science of Anthropocene، أن الغالبية تؤيد الفكرة في ظل ظروف بعينها، وتحديدًا عندما يكون هذا الحل سيمنع انقراض الأنواع، وعندما يكون الخطر الذي يهدد الموطن الوجهة محدودًا أو لا توجد مخاطر على الإطلاق.

منطقة محظورة

في شهر نوفمبر الماضي، أصبحت الحاجة إلى تخطيط ما قد يكون إخلاءً طارئًا للأنواع واضحة بصورة مؤلمة عندما دمر حريق هائل موطن واحد من أكثر الثدييات المهددة بالانقراض، وهو حيوان صغير من الجرابيات يشبه الكنغر يسمى "فأر الكنغر"، في منطقة ضربها الجفاف بأستراليا الغربية. وقد أودى الحريق بحياة 15 من مجموعة تقدر بنحو 20 فأر كنجر في المنطقة المحمية التي أعيد فيها اكتشاف هذا النوع في عام 1994، بعد أن سبق اعتبار النوع منقرضًا لمدة تزيد على قرن. وكان من الممكن أن تصبح خسارة هذا الموطن بمنزلة حكم فوري بالانقراض على هذه الكائنات، لولا أن علماء الحفاظ على الأنواع بعد إعادة اكتشاف هذا النوع أقاموا له مستعمرة منفصلة في مكان قريب.

تم نقل فأر الكنغر داخل نطاق موطنه الأصلي، وهو أمر أقل إثارة للجدل من نقله إلى منطقة جديدة تمامًا. وفي أماكن أخرى، بدأ علماء الحفاظ على الأنواع في شراء بعض الوقت بنفس الأسلوب للكائنات الأخرى، ففي سلسلة جزر فلوريدا كيز، على سبيل المثال، أعاد الباحثون بالفعل توطين مجموعات من أحد أنواع الأيائل بيضاء الذيل، والصبار الشبيه بالأشجار، إلى المناطق المرتفعة، بهدف منحها بضعة عقود أخرى من الحياة في مواطن مناسبة مع ارتفاع مستوى سطح البحر. أما بالنسبة للقارض الأسترالي صغير الحجم الذي يُعرف باسم برامبل كاي ميلوميس، فقد فات أوان إنقاذه باستخدام هذا الأسلوب الذي يؤخر عملية الانقراض. ففي شهر يونيو، أعلن باحثون من جامعة كوينزلاند أن هذا النوع قد اختفى بعد أن غمر الماء الجزيرة التي يعيش عليها عدة مرات، وقد وصفوا هذا الحدث بأنه على الأرجح "أول حالة مسجلة لانقراض حيوان ثديي بسبب تغيُّر مناخي ناتج عن أنشطة بشرية".

من ثَم، فإن أفضل أمل للأنواع الأخرى قد يكون وراء حدود موطنها التقليدي. على سبيل المثال، تواجه منطقة المستنقعات التي تعيش فيها سلحفاة المستنقعات الغربية الأسترالية المهددة بالانقراض خارج مدينة بيرث، الخطر الثلاثي المتمثل في التغيُّر المناخي، والتوسُّع الحضري، واستنزاف المدينة لخزان المياه الجوفية. وقد استخدمت تريسي راوت -من جامعة كوينزلاند- وزملاؤها كمبيوترًا فائقًا لتصنيف وترتيب 13 ألف موضع محتمل لإعادة التوطين حول المنطقة. وقد أدت الدراسات الميدانية الإضافية إلى تصغير القائمة لتقتصر على عدة مواقع جنوبي المدينة على بُعد ساعات قليلة، إذ من المتوقع أن تظل الموارد المائية والظروف الأخرى مناسبة في المناخ الأكثر جفافًا لمدة 30 إلى 50 عامًا قادمة. وبعد الحصول على التصاريح اللازمة من السلطات المسؤولة عن البيئة والحياة البرية، قاد الباحثون سياراتهم في أغسطس الماضي وعلى متنها مجموعة كبيرة من السلاحف التي رُبيَت في الأسر متجهين جنوبًا، للبدء في نقلها إلى موطنها الجديد.

ويناقش باحثون آخرون أين يمكنهم نقل الحيوان الأسترالي المهدد بالانقراض المعروف باسم البوسوم الجبلي القزم. ومن التعقيدات الملازمة لمثل هذه التنقلات، أنها قد تستلزم أيضًا إعادة توطين الغذاء المفضل للبوسوم، وهو نوع من العث يعرف باسم عث بوجونج. وترتفع درجة حرارة موطن النوعين فوق المرتفعات بسرعة كبيرة لم يعد من الممكن معها نقل النوعين إلى أماكن أعلى.

واستخدام إعادة التوطين أداةً للتعامل مع التغير المناخي ليس نهجًا جديدًا. فقد قام ستيفن جي. ويليس، عالِم البيئة بجامعة دُرَم في إنجلترا، وجين كيه. هيل، التي تعمل حاليًّا في جامعة يورك بإنجلترا، بمحاولة تجريبية لإعادة التوطين بدأت في عام 1999. وتقول هيل: "كنا نعمل على دراسة تأثير التغيُّر المناخي على أنواع الفراشات البريطانية، والتي تتضمن الفراشة البيضاء الرخامية والفراشة النطاطة الصغيرة الشائعتين نسبيًّا، وتضيف هيل: "وقد وجدنا أن هناك مناخًا مناسبًا إلى الشمال من نطاق انتشارها الطبيعي، في منطقة لم تصل إليها".

إن غياب الفراشات عن تلك المنطقة يرجع إلى ظاهرة تُعرف بتأخُّر الهجرة، فحتى عندما تبقى الممرات الطبيعية سليمة، تميل الأنواع إلى التأخر عن مواكبة سرعة التغيُّر المناخي. وقد يكون ذلك النوع من التأخر متوقعًا بالنسبة للأشجار مثلًا، غير أن الدراسات وجدت أنه حتى الطيور والكثير من أنواع الثدييات، تتخلف عن مجاراة التغيرات المناخية، وربما يرجع ذلك إلى اعتمادها على أنواع بطيئة الحركة من الغطاء النباتي والمواطن الطبيعية. إن الفجوة بين "سرعة المناخ" و"سرعة الكائنات الحية" يمكن أن تكون تعجيزية. على سبيل المثال، يقدر جوشوا جيه. لولر -من جامعة واشنطن- أنه مع تحول الموطن الأصلي في الغابات المطيرة لضفدع السهم السام ذي الأشرطة الصفراء الذي يقطن أمريكا الجنوبية إلى مكان أكثر جفافًا وسخونة، ستحتاج هذه الضفادع إلى قطع مئات الكيلومترات قفزًا باتجاه الجنوب الغربي لكي تعثر على موطن مناسب في وقت لاحق من القرن الحالي.

عندما لاحظ ويليس وهيل أن الفراشات البيضاء الرخامية والفراشات النطاطة الصغيرة تتخلف عن مواكبة التغيُّرات المناخية، شرعا في مساعدتها على اللحاق بمسيرة التغيُّر المناخي، تقول هيل: "لقد فعلناها لتكون بمنزلة دليل عملي، كدراسة حالة جيدة". استطاع العالِمان الحصول على التصاريح الضرورية؛ لأن الأماكن التي كانت مقترَحة كمواطن بديلة كانت محظورة نسبيًّا، في المحاجر والمناطق الحضرية، ولأن الأنواع الأخرى الموجودة هناك كانت معروفة بأنها متوافقة وقادرة على التعايُش معًا. أطلق ويليس وهيل الفراشات البيضاء الرخامية على بعد 65 كيلومترًا شمال نطاق انتشارها التقليدي، وأطلقا الفراشات النطاطة الصغيرة على بعد 35 كيلومترًا شمالًا. وقد أفاد ويليس في تقرير له أن النوعين مزدهران في موطنهما الجديد، لكنه يضيف أن الإرشادات التي يجري تطويرها بخصوص إعادة التوطين والهجرة "كلها ينص على معلومات وإرشادات جيدة وصحيحة: مثل الحاجة إلى اتباع منهج متحفظ وحذر؛ فلا أحد يرغب في إحداث خلل في التوازن البيئي للمواطن الطبيعية كالذي حدث بعد إدخال الأرانب إلى أستراليا".

اكتشاف المشكلات وحلها

إن نقل أي نوع من الكائنات من مكان إلى مكان آخر أمر محفوف بالمخاطر حتمًا. في مقالة نقدية نُشرت عام 2009، نهى أنتوني ريتشاردي من جامعة ماكجيل، ودانيال سمبرلوف من جامعة تينيسي في نوكسفيل، علماءَ الحفاظ على الأنواع عن ممارسة لعبة "روليت بيئية"، وفي وقت لاحق حذَّرا من أن مؤيدي هذا المقترح قد "استهانوا بشدة" بمدى الصعوبة التي تكتنف التنبؤ بتأثيرات إدخال أنواع جديدة إلى موطن جديد، حتى مع اتباع أكثر الأساليب التحليلية حيطةً وتدقيقًا.

ويشير المؤلفان إلى القرار الذي اتخذته نيوفنلاند في ستينيات القرن العشرين بجلب السناجب الحمراء إلى غابات أشجار التَّنُّوب الأسود بها، بغية توفير مصدر جديد للطعام لحيوانات خز الصنوبر التي تعيش في المنطقة. لكن اتضح أن حيوانات خز الصنوبر -وهي حيوانات تشبه ابن عرس، كانت أعدادها في تناقص في ذلك الوقت- ليس لها شهية لأكل السناجب. أما مخاريط الصنوبر، والتي نشأت بمعزل عن السناجب لمدة 9000 سنة، فلم يكن لديها ما تحمي به نفسها من الوافد الجديد، كما انهار طائر القرزبيل الأحمر -وهو نوع فرعي من الطيور يعيش في نيوفنلاند، يعتمد في طعامه على هذه المخاريط- في وجه هذا المنافس الجديد. والآن يعد طائر القرزبيل مهددًا بالانقراض، وأصبح يمثل دراسة حالة نموذجية لمعرفة كيف يمكن للنوايا الحسنة أن تتسبب في أخطاء فادحة عندما ينقل الناس الأنواع إلى خارج النطاق الذي فيه عاشت على مر التاريخ.

غير أنه ربما تكون هناك وسائل لتقليل احتمالية ظهور مثل هذه النتائج الكارثية. وهذا بالضبط ما شرعت في فعله ناتالي بيتوريلّي -من جمعية علم الحيوان بلندن- وزملاؤها، في دراسة أجروها في عام 2013 على طائر الهيهي النيوزيلندي، وهو طائر بديع ذو ريش أصفر وأسود، تفصله قدرته على ممارسة الطيران التحويمي إلى جانب 34 مليون سنة من التطور عن أقرب الكائنات الحية إليه. يعيش الطائر في خمسة مواطن معزولة على الجزيرة الشمالية لنيوزيلندا وحولها، حيث يقَدِّم علماء الحفاظ على الأنواع دعمهم للطائر بواسطة نفس النوع من وحدات التغذية بالسكر الشائع استخدامها في أمريكا الشمالية مع الطيور الطنانة. وجدت بيتوريلي وزملاؤها أن التغيُّر المناخي في العقود القادمة سوف يجعل هذا الموطن الشمالي غير مناسب إلى حد كبير لمعيشة طائر الهيهي. ومن الناحية الأخرى، سوف يمهد التغيُّر المناخي موطنًا مناسبًا في الجزيرة الجنوبية، خارج النطاق التاريخي لبيئته.

وتقول بوتيريلي: "لم نكن نتطلع إلى تحديد متى ننقل طائر الهيهي أو كيف ننقله أو إلى أين"، فهذه وظيفة المسؤولين المحليين. لكن الباحثين رأوا أن بإمكانهم توفير منهجية لاتخاذ مثل هذه القرارات بعناية؛ فبدأوا بطرح مجموعة من الأسباب المختلفة التي يمكن أن تؤدي إلى أخطاء جسيمة في عملية إعادة التوطين في بيئة مختلفة -والتي شملت الآثار السلبية على الأنواع الأخرى (مخاطر بيئية)، وإدخال كائن مُمْرِض جديد (مخاطر مرضية)، وإمكانية الانتشار أبعد من المدى المقصود والتفوق في المنافسة على الأنواع الأصلية (مخاطر توسعية عدائية)، وحدوث تهجين مع نوع قريب (مخاطر انتقال العوامل الجينية)، ووجود خسائر بالنسبة للبشر المقيمين (مخاطر اجتماعية اقتصادية). وبعد ذلك درسوا عددًا من العوامل المناخية -مثل مستوى الجفاف الذي تصل إليه البيئة في موسم الجفاف، وكيف يتباين معدل سقوط الأمطار على مدار العام- في كل من الموطن القديم والموطن الجديد المحتمل، وذلك لكي يجعلوا نماذجهم محكمة ودقيقة قدر الإمكان.

وتقول بيتوريلي: "إننا بحاجة إلى زيادة التعاون بين مَن يتخذون القرارات على أرض الواقع وبين العلماء. كثيرون يريدون التعاون والعمل معًا، لكنهم لا يعرفون كيف يمكنهم ذلك، ولا تتوفر لديهم الروابط والعلاقات التي تجعلهم يعملون معًا". وحتى في الوقت الحالي "كثير من القرارات الإدارية تُتَّخَذ دون النظر إلى المعرفة العلمية المتوفرة، وكيفية الاستفادة منها". وكان هدف التجربة هو توضيح كيفية التنفيذ. ونتيجة لذلك، فإن علماء الحفاظ على الأنواع يدرسون تأسيس سرب جديد من طائر الهيهي على الجزيرة الجنوبية.

نتائج غير مؤكدة

حتى أنصار عملية إعادة التوطين ينتابهم القلق من احتمال أن يكونوا مستبِقين للأحداث، ففي بعض الأحيان يكون خيار "عدم التدخل خوفًا من إحداث ضرر ما" -أي ترك الكائنات تتأقلم بطريقتها الخاصة- خيارًا جيدًا وناجحًا. ففي منطقة جبال روكي غرب دنفر، على سبيل المثال، أصبحت الزهور التي تنمو على ارتفاعات شاهقة نادرة بسبب ارتفاع درجة الحرارة. ومن ثَم، فإن النحل الطنان -والذي طور ألسنة طويلة ليتخصص في التعامل مع الزهور ذات أنابيب حبوب اللقاح العميقة- أصبح أقل تخصصًا في هذا النوع من الزهور، وهذا يَقْلِب العملية التطورية؛ ففقدت ألسنة النحل ربع طولها على مدار الأربعين سنة الماضية، لكي يتسنى لها أن تتغذى على الزهور التي لا تزال موجودة هناك.

كما يمكن للأنواع أيضًا أن تكون أكثر مرونة بشكل لم يتوقعه العلماء. ففي جنوب أستراليا عام 2010، قام باحثون يعملون على دراسة مصيد تجاري لجراد البحر بنقل 10 آلاف من جراد البحر الصخري الجنوبي من المياه العميقة. ولكن بدلًا من نقل جراد البحر باتجاه أحد القطبين لتكوين أسراب في المياه الأكثر برودة، عملوا على نقلها إلى قرب خط الاستواء، وإلى القرب من الشواطئ، لمعرفة كيف سيتعامل جراد البحر مع ظروف ارتفاع درجة الحرارة المتوقع في المستقبل القريب. وعلى عكس المتوقع، استمر جراد البحر في النمو بمعدل أربعة أضعاف معدل نموه في موطنه الأصلي، كما عزز إنتاجه بمقدار 35 ألف بيضة في العام. لقد كان جراد البحر أكثر قدرة على التكيُّف مع تغيُّر درجة الحرارة مما كان متوقعًا، كما توفر له المزيد من الموارد الغذائية.

إن التنبؤ بهذا النوع من المرونة والقدرة على التحمُّل يمثل تحديًا. فعندما قام الباحثون مؤخرًا بفحص ودراسة كيف كانت حياة 155 نوعًا من الفراش والعث البريطاني على مدار 40 عامًا من التغيُّر المناخي، وجدوا أن نصفها تقريبًا كانت حالته أفضل ونصفها الآخر كانت حالته تسوء. وكان للعوامل المختلفة تأثيرات متباينة على الأنواع المختلفة، إذ كان بعضها حساسًا لدرجات حرارة الصيف، وبعضها حساسًا لدرجات حرارة الشتاء، وبعضها حساسًا لهطول الأمطار في الربيع، وهكذا، بلا نهاية. وقد علق كريس دي. توماس من جامعة يورك قائلًا: "اتضح أن 155 نوعًا مختلفا من الفراش والعث له 155 رأيًا مختلفًا أيضًا حول مدى تغيُّر المناخ، وما إذا كان قد تغير للأحسن أم للأسوأ".

ماذا إذًا سيكون مصير نوع مثل التوتارا وسط كل هذا القدر من عدم اليقين؟ تستطيع ذكور التوتارا أن تتزاوج كل سنة، بينما تستطيع الإناث أن تنتج مجموعة من البيض مرة واحدة كل تسع سنوات. وهذا يعني أن الإناث تعاني تحرشًا دائمًا من جانب الذكور بقصد التزاوج، وهو ما يقوض سريعًا من قدرة الإناث على الحفاظ على صحتها، وهي المشكلة التي تزداد سوءًا كلما انحرف مؤشر النسبة الجنسية لصالح الذكور. ونظرًا لأن جزيرة نورث براذر ليس عليها ظل، ولا تتوفر فيها أركان وشقوق يمكن أن تقلل تأثير الحرارة المرتفعة على انحراف النسبة الجنسية، فإن مجموعة التوتارا والبالغ عددها نحو 500 الموجودة هناك، أصبحت مؤشرًا للكيفية التي يمكن أن يؤثر بها كوكب ترتفع درجة حرارتها بسرعة على نوع كامل من الكائنات. وبعد أن تم إبعاد التوتارا عن اليابسة ودفعها إلى عدد محدود من الجزر، أصبحت الأفراد الباقية منها، والبالغ عددها نحو 100 ألف، هي آخر ما تبقى على قيد الحياة بعد رحلة تطور طويلة استمرت 200 مليون سنة.

شاركت نيكولا ميتشل -من جامعة غرب أستراليا- مؤخرًا في تأليف مقال يسجل الخيارات المختلفة لإدارة الموقف على جزيرة نورث براذر. إذ استطاعت كل الأطراف المهتمة بمشكلة التوتارا –من علماء ومسؤولين حكوميين، وكذلك أبناء قبيلة الماوري، الذين تمثل لهم التوتارا رمزًا مقدسًا– الاصطفاف معًا لإزالة البِنى غير اللازمة، وتمهيد أماكن تعشيش جديدة في المناطق الأكثر برودة من الجزر. أو يمكنهم إرسال باحثين للعثور على البيض واستخدام حضانات للوصول إلى درجة الحرارة اللازمة للحصول على صغار تتساوى بينهم نسبة الجنسين. وثمة حل بديل أيضًا، فيمكنهم استعادة التوازن بين الجنسين عن طريق حماية الصغار من الإناث بعد فقسها، وإضافتها إلى القطيع مع التخلص من الذكور البالغة الزائدة.

تقول ميتشل -التي أمضت صيفين على الجزيرة بحثًا عن الأعشاش-: "لكن هذه الخيارات صعبة التنفيذ حقًّا؛ إذ إن هناك عددًا محدودًا للغاية من الإناث تبني أعشاشًا لوضع البيض كل عام، وتتوخى الحذر والسرية في ذلك، وبالتالي من الصعب العثور عليها". قد يكون إعادة توطين التوتارا في مكان أكثر برودة حلًّا أبسط، لكنه مكلف، فكل رحلة إلى جزيرة نورث براذر تتطلب طائرة هليكوبتر تقلع من وسط مدينة ويلينجتون، وهو ما يمثل عبئًا هائلًا على الميزانية. بالإضافة إلى ذلك، توجد بالفعل مجموعات تأمين أخرى من نفس النوع الفرعي (رغم أنها مجموعة جينية مختلفة) على الجزر الأخرى القريبة. ومن ثَم فإن أكثر حل عملي هو اعتبار هذا القطيع على جزيرة نورث براذر كبش فداء؛ بمعنى أن ينتظر العلماء فقط ويراقبوا ما ستؤول إليه الأمور بصورة طبيعية، وإذا ما انهار هذا القطيع، فليكن هذا مصيره.

في نهاية المطاف، سيتمثل العامل الرئيسي في مثل هذه القرارات في مدى تقبُّل علماء الأحياء المختصين بالحفاظ على الأنواع والمجتمع ككل لفكرة التدخل في عمل الطبيعة لتقرير الأنواع التي تبقى والأنواع التي تنقرض. وتقول هيلمان -من جامعة مينيسوتا- مفكرة: "متى يبدو الأمر وكأنك تعمل مع العمليات الطبيعية؟ ومتى يبدو وكأنك تعتني بالكائنات الحية؟"، وتضيف: "لا يستطيع المرء الاعتناء بكل التنوع الحيوي الموجود على وجه الأرض".