في واحدة من الأمسيات الهادئة التي تكون فيها السماء صافية ويكون كوكب زحل في كبد السماء، انظر إلى ذلك الكوكب من خلال أحد التلسكوبات التي يقتنيها الأشخاص في الفناء الخلفي لمنزلهم، وبعد أن تمتِّع ناظريك بسحر هذا الكوكب وجماله، ابحث عبر الإنترنت عن صور التقطتها مركبة الفضاء كاسيني التابعة لوكالة ناسا على مدار الثلاثة عشر عامًا الماضية في أثناء رحلاتها حول هذا الكوكب المبهر ذي الحلقات. وعلى الأرجح، فإن ما تراه سيثير دهشتك: المسافة الهائلة التي قطعناها، ومدى براعتنا في استكشاف الكواكب، وحجم ذلك الإنجاز الباهر المتمثل في استكشاف عالَم في الفضاء السحيق مثل كوكب زحل وسبر أغواره بهذا القدر من الدقة والوضوح.

في وقت كتابة هذه السطور، من المخطط إنهاء رحلة المركبة الفضائية كاسيني حول كوكب زحل في منتصف شهر سبتمبر، وذلك بأن تغوص، عندما تتلقى الأوامر بذلك، في الغلاف الجوي للكوكب؛ حيث تحترق المركبة وتتحول إلى كرة نارية على الأرجح لن يراها أحد، مما يضمن أنها لن تصطدم عرَضًا بأيٍّ من أقمار زحل التي ربما تحمل على سطحها ظروفًا مناسبة للحياة، ومن ثَم تؤدي إلى تلوثها.

وبصفتي قائد فريق التصوير الخاص بالبعثة، فقد بدأتُ أنا والعديد من زملائي على جانبي المحيط الأطلنطي في العمل على المركبة كاسيني في أواخر عام 1990، وآنذاك لم يكن المشروع بأسره سوى فكرة، مجرد تصور يجول بخاطرنا. وقد تابعتُ مرحلة التخطيط وعملية الإنشاء بالكامل، ورأيتُ بنفسي إطلاق المركبة في 15 أكتوبر 1997 من مدينة كيب كانفرال بولاية فلوريدا، وصمدتُ طوال رحلتها التي استمرت سبع سنوات وكنت في الصفوف الأمامية التي شهدت وصولها إلى وجهتها النهائية في عام 2004. وعلى الفور، أحدثت كاسيني طفرة في نظرتنا إلى كوكب زحل وكل ما يحيط به.

لم يسبق أن نجحت بعثة فضائية من قبل في استكشاف نظام كوكبي ثري مثل كوكب زحل بهذا العمق وعلى مدار هذه الفترة الزمنية. على سطح قمر زحل المسمى تيتان، وجدنا بحارًا من الهيدروكربونات وبيئة سطحية تنافس في تعقيدها بيئة كوكب الأرض، وراقبنا الأحوال الجوية للغلاف الجوي لكوكب زحل، وشهدنا ميلاد عواصف عاتية وهيجانها ثم انتهاءها، ورأينا ظواهر جديدة في حلقات زحل كشفت النقاب عن أسرار العمليات المرتبطة بتكوُّن الأنظمة الشمسية، متضمنةً مجموعتنا الشمسية. وعلى غرار واضعي الخرائط قديمًا، عملنا على رسم خرائط لأقمار زحل؛ لمساعدة المستكشفين المستقبليين، كما اكتشفنا أقمارًا جديدة، من بينها فئة كاملة من الأجرام الصغيرة المدمجة في الحلقات نفسها. ثم هناك ما أعتبره أنا الاكتشاف الأكبر لكاسيني: في القطب الجنوبي من القمر إنسيلادوس، ثمة أكثر من مئة ينبوع ماء حار يتدفق من محيط تحت السطح ربما يكون مأوى لكائنات حية فضائية. وعلى مدار ثلاثة عشر عامًا، كانت حياتي تتمحور حول الحدود المترامية للنظام الشمسي، وهاهي الرحلة الاستكشافية العلمية الثرية تصل الآن إلى نهايتها.

نظرة عن كثب

أصبحت الحاجة إلى دراسة تفصيلية وشاملة لنظام كوكب زحل واضحة في بداية ثمانينيات القرن العشرين، بعد أن مرت المركبتان الفضائيتان "فوياجر" بالكوكب، وقد مثلت هذه الأحداث المميزة بداية استكشاف البشر لكوكب زحل. فقد حددت المركبتان أبعاد الكوكب والخصائص المميِّزة له، إلا أنهما تركتا وراءهما أسئلة تحتاج إلى إجابات؛ إذ كشفت مركبتا فوياجر أن زحل كوكب له طبيعة معقدة من الداخل وكذلك الغلاف الجوي والغلاف المغناطيسي له. وفي حلقات زحل –وهي عبارة عن قرص هائل لامع من الأنقاض الجليدية- سجلت البعثة إشارات على وجود الآليات الفيزيائية نفسها التي كانت أساسية في تكوُّن النظام الشمسي الأولي وأقراص شبيهة من تلك المواد حول نجوم أخرى. وقد كشف مرور مركبتا فوياجر عبر النظام الداخلي لكوكب زحل عن وجود العديد من الأقمار ذات القوى الديناميكية العاملة. وقد أغرى تيتان -قمر زحل الأكبر، والذي ظل سطحه غير مرئي عبر الضباب الكثيف واسع الانتشار- المراقبين بوجود علامات تشير إلى احتمال وجود محيط من الهيدروكربونات السائلة. وهكذا، بدا نظام كوكب زحل بأسره وجهة مثالية لمزيد من الدراسة والاستكشاف المتعمق.

لقد كان إطلاق المركبة كاسيني مشروعًا دوليًّا تقوده وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية، وكانت مصمَّمة بحيث تكون طفرة متقدمة على مركبتي فوياجر على كافة المستويات. وقد صُممت المركبة كاسيني، التي يصل حجمها إلى حجم حافلة مدرسية، أكبر من فوياجر ومزودة بأحدث المعدات العلمية المتطورة التي يجري إرسالها إلى الفضاء الخارجي على الإطلاق. كما حملت كاسيني على متنها أيضًا مسبار هويجنز، وهو جهاز يبلغ عرضه أربعة أمتار ذو تصميم ديناميكي هوائي مزود بحمولة من ست أدوات، هبط على سطح القمر تيتان.

 
[ENTER CAPTION AND CREDIT]
 

وبعد اجتياز المجموعة الشمسية، استقرت المركبة كاسيني بسلاسة وسلام حول كوكب زحل في الثلاثين من يونيو 2004، وقد كان مسارها حول زحل دقيقًا ومعقدًا، تكشَّفت ملامحه على مدار رحلتها التي استغرقت 13 عامًا مثل تفتُّح بتلات الأزهار. وكي نتمكن من النظر عن كثب إلى كل شيء في النظام الداخلي لكوكب زحل، كانت مدارات المركبة تختلف في الحجم والميل والاتجاه. كما كان لدينا أيضًا إمكانية تعديل المدارات بحيث تتعمق المركبة لإلقاء نظرة أخرى، وفي بعض الأحيان عدة نظرات، على الأشياء التي اكتشفناها سابقًا.

كان طول فترة بقاء المركبة كاسيني حول زحل عنصرًا أساسيًّا في نجاحنا، فالمراقبة على مدار فترة طويلة هي الطريقة الوحيدة ليتنسى لنا رؤية الأحداث غير المتوقعة مثل الاصطدامات النيزكية بحلقات زحل. بالإضافة إلى هذا، فإن الهجرة المدارية البطيئة والثابتة لأقمار زحل، بالإضافة إلى التغيُّرات الجوية التي تنشأ عن الاختلافات الموسمية الكبرى في ضوء الشمس، كانت تتطلب منَّا جمع المشاهدات على مدار أطول فترة ممكنة من الوقت. وقد كان من المقرر أن تستمر مهمة كاسيني الأساسية أربعَ سنوات بحيث تنتهي في 30 يونيو 2008، غير أن الانتصارات المدوية التي حققتها المركبة في ذلك الوقت، والمنطق الذي لا يقبل الجدل بضرورة إبقائها قيد العمل بصفتها أحد الأصول المهمة غزيرة الإنتاج، ساعدنا على المطالبة باستمرار مهمة كاسيني. وقد تكللت مساعينا بالنجاح، وحصلنا على التمديد لعدة فترات، مما كفل لنا -على سبيل المثال- مشاهدة الإضاءة النادرة لاعتدال زحل في أغسطس 2009، عندما كشفت أشعة الشمس السطحية على حلقات زحل عن وجود بنى عمودية بارزة فوق سطح الحلقة تلقي بظلال طويلة واضحة.

وفي نهاية المطاف، استغرقت عمليات كاسيني المدارية ما يقرب من نصف سنة من سنوات زحل (أو ما يعادل 13 عامًا وشهرين ونصف على الأرض) منذ بدايتها؛ فقد وصلت المركبة بعد وقت قصير من ذروة الصيف الجنوبي للكوكب، وستنتهي البعثة في ذروة الصيف الشمالي. وقد أتاح لنا هذا الإطار الزمني المراقبة على مدار دورة موسمية كاملة تقريبًا؛ فقد شهدنا انتقال النصف الجنوبي لزحل وتيتان من الصيف إلى الشتاء، وكذلك انتقال النصف الشمالي لكليهما من الشتاء إلى الصيف، لقد كان الأمر بمنزلة خدعة كونية، ولكنها نجحت.

الأقمار

قبل بداية عصر استكشاف الفضاء، ظن العلماء أن أقمار المجموعة الشمسية الخارجية عبارة عن كرات من الجليد عديمة الملامح مائتة جيولوجيًّا، وقد أثبتت مركبتا فوياجر خطأ هذا الافتراض، وتمثلت مهمة كاسيني في استطلاع مجموعة أقمار زحل ومحاولة فهم تاريخها. وقد اتضح -في بعض الحالات- أن ذلك التاريخ مميز ومثير للاهتمام حقًّا.

فلننظر إلى القمر إيابيتوس على سبيل المثال؛ فقد كان مظهره ذو اللونين –إذ إن أحد نصفيه أبيض كالثلج والآخر أسود قاتم– يمثل لغزًا لفترة طويلة. وقد تبيَّن لنا من الصور عالية الدقة التي التقطتها كاسيني أنه حتى على النطاقات المحدودة فإن القمر مزيج مرقَّط من البقع الداكنة والفاتحة. وقد كشفت كاميرات كاسيني ومعداتها الحرارية السبب وراء هذا؛ إذ إن اختلافات الألوان بين النصفين والرقع المرقطة سببها عملية حرارية سريعة تحدث فقط على هذا القمر الذي يدور ببطء. فالمناطق التي تبدأ داكنة اللون تصبح حارة بما يكفي لتصعد إلى الجليد، ومن ثَم يصبح لونها داكنًا أكثر وحرارتها أعلى، أما المناطق التي تبدأ بيضاء فتكون أبرد وتصبح هي المناطق التي يتكاثف فيها البخار المتصاعد. وبمرور الوقت يختفي الجليد في المناطق الداكنة ويعود ليتراكم في المناطق البيضاء. كيف يمكن لنصف قمر كامل أن يشارك في هذه العملية؟ يمر إيابيتوس في مداره حول كوكب زحل عبر سحابة من المواد الداكنة الدقيقة التي نشأت عن القمر فويب، وهو أحد الأقمار الخارجية غير النظامية لزحل، وتعمل هذه السحابة على تحويل نصف إيابيتوس كاملًا إلى اللون الداكن وتجعله أكثر دفئًا ومن ثم خاليًا من الجليد، وهكذا توصلنا إلى حل اللغز.

وثمة قمر مميز آخر أيضًا هو تيتان؛ فقد تمكنت كاميرات المركبة كاسيني التي تعمل في النطاق المرئي والأشعة تحت الحمراء القريبة وكذلك جهاز الرادار من التوغُّل عبر ضباب القمر تيتان، كما أن هبوط المسبار هويجنز في بداية عام 2005 إلى الغلاف الجوي للقمر على مدار ساعتين ونصف نجح في التقاط صور بانورامية وقياسات لمكوِّنات الغلاف الجوي والشفافية والرياح ودرجة الحرارة قبل أن يستقر المسبار على سطح القمر. وفي مجمل الأمر، ما توصلت إليه كاسيني على سطح تيتان لا يمكن أن نصفه سوى بأنه عالَم خارج حدود الخيال العلمي، حيث كانت المناظر الطبيعية –من تضاريس وسحب– يسهل تمييزها غير أنها مكونة من مواد غير تقليدية، فيبدو شكل المكان وكأنه مألوف ولكنه ليس كذلك حقًّا.

وقد اكتشفنا أن القمر تيتان يحتوي على بحيرات وبحار لا تتكون من الماء وإنما من الميثان السائل. فعند القطب الجنوبي للقمر، التقطت كاميرا المركبة كاسيني عالية الدقة بحيرة سائلة تقترب في الحجم من بحيرة أونتاريو (ومن هنا أطلق عليها اسم "أونتاريو لاكوس") في وسط منطقة من التضاريس المماثلة الأصغر حجمًا. وقد تحققت الأدوات الأخرى على متن المركبة في وقت لاحق من أن هذه البحيرة تتكون من الميثان السائل أيضًا. ومنذ ذلك الحين، عثرنا على العديد من بحيرات الميثان السائل مختلفة الأحجام، ولسببٍ ما تتمركز تلك البحيرات في خطوط العرض الشمالية البعيدة. كما كشف الرصد عبر الرادار عن وجود خطوط ساحلية صخرية وعرة تشبه ساحل مين في الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى النقيض، فإن السهول الاستوائية التي هبط عليها مسبار هويجنز جافة ومغطاة بالكثبان التي تمتد لمسافات طويلة، لا تقاطعها سوى مناطق مرتفعة قليلًا هنا وهناك في جميع أنحاء سطح ذلك القمر.

وبطبيعة الحال، أدى وجود البحيرات والبحار من المواد العضوية السائلة على سطح القمر تيتان إلى ظهور افتراضات حول ما إذا كانت تضم بين جنباتها شكلًا من أشكال الحياة. غير أن درجة الحرارة على هذا القمر شديدة الانخفاض؛ إذ تصل إلى -180 درجة مئوية. وسيكون من المثير للدهشة العثور على تفاعلات كيميائية مشابهة لتلك التي نرى أنها مطلوبة لعمليات الكيمياء الحيوية القائمة على الماء التي تحدث في درجات حرارة مماثلة، ولكن إذا ما توصلنا إلى وجود كيمياء حيوية "فضائية" تزدهر في الميثان، فإن هذا الاكتشاف من شأنه أن يكون اكتشافًا تاريخيًّا مذهلًا.

ولكن في رأيي الشخصي فإن موضع الاكتشاف الأكبر للمركبة كاسيني هو دون شك سطح القمر إنسيلادوس، وهو قمر جليدي يبلغ حجمه عُشر حجم القمر تيتان. وقد كشفت المركبتان فوياجر عن وجود امتدادات شاسعة ومستوية إلى حدٍّ مثير للدهشة توحي بوجود ماضٍ يتميز بنشاط داخلي مكثف وربما طبقة من الماء السائل مدفونة تحت القشرة الجليدية، كل هذا على سطح قمر يبدو أصغر من أن تتكون عليه هذه الظواهر.

جاءت الإشارات الأولى على وجود نشاط على سطح القمر إنسيلادوس في وقت مبكر من عمر هذه البعثة، في يناير 2005، عندما اكتشفنا تصاعُد عمود من الجسيمات الجليدية ينبعث من القطب الجنوبي، وقد أتيحت الصور على الفور للعامة، وأطلق هذا موجة من الحماسة الشديدة بين متابعي المركبة كاسيني على الإنترنت. وسرعان ما أكدت أدوات كاسيني الأخرى أن هذا العمود المتصاعد حقيقي بالفعل، وجاءت استجابة العاملين على تشغيل المركبة سريعة؛ إذ غيروا مسارها للحصول على نظرة أكثر قربًا وتمعنًا. وقد أذهلنا ما اكتشفناه عن القمر إنسيلادوس في أثناء ذلك الجزء المبكر من البعثة، غير أنه لم يتسنَّ لنا تكريس وقتٍ وموارد هائلة لفحص هذا المكان المذهل سوى بعد عام 2008، عندما حصلنا على موافقة ناسا على مد الوقت المخصص لمهمة كاسيني.

أصبحنا نعرف الآن أن إنسيلادوس قمر يتعرض للشد والجذب بفعل قوى جاذبية المد والجزر لكوكب زحل، وتنتج طاقة المد والجزر هذه طاقة حرارة داخلية كافية لتكوين محيط مائي عالمي، قد يصل سُمكه في بعض الأماكن إلى 50 كم، مدفون تحت طبقة خارجية من الجليد يبلغ سمكها بضعة كيلومترات. وثمة أكثر من 100 ينبوع ماء حار يتدفق من أربعة صدوع بارزة في منطقة القطب الجنوبي، مما يؤدي إلى نشأة عمود من جسيمات الجليد الدقيقة وبخار يمتد لمئات الكيلومترات فوق السطح، وتتساقط معظم الكتل الصلبة في ذلك العمود عائدة إلى السطح، ولكن نسبة ضئيلة منها تمتد لتكوِّن الحلقة E الكبيرة والمتفرقة من حلقات كوكب زحل.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
(All Photographs) JPL-CALTECH AND SCIENCE INSTITUTE

ـوقد تمكنت المركبة "كاسيني" من التحليق عبر ذلك العمود ما يقرب من اثنتي عشرة مرة وتحليل مواده، وقد توصلنا إلى أن الجسيمات التي نراها في الصور، والتي كانت عبارة عن قطرات من المحيط قبل ساعات فقط، تحمل دليلًا على وجود جزيئات عضوية كبيرة الحجم ومركَّبات تشير إلى نشاط حراري مائي مشابه لذلك الذي نراه في الفوهات الحرمائية في قيعان البحار والمحيطات العميقة على كوكب الأرض. كما أنها تشير إلى أن ملوحة المحيطات شبيهة بتلك الموجودة على الأرض، وقد كان البخار المصاحب لتلك الجسيمات يتكون من الماء بصفة أساسية لكنه يحتوي على كميات ضئيلة من مركبات عضوية بسيطة، وكذلك ثاني أكسيد الكربون والأمونيا، وجميعها مكوِّنات أساسية لدعم الحياة، بل ونشأتها أيضًا.

وتشير النتائج التي توصلت إليها المركبة كاسيني بوضوح إلى بيئة تحت السطح على القمر إنسيلادوس، قد تكون محتويةً على نشاط بيولوجي. ويتعين علينا الآن التصدي للأسئلة التي طالما اقشعرت لها الأبدان: هل يُؤوي ذلك العالم الجليدي الصغير نشأة ثانية للحياة في مجموعتنا الشمسية؟ هل يمكن أن تكون هناك علامات على وجود حياة في ذلك العمود المتدفق؟ هل يمكن أن تكون الكائنات المجهرية منتشرةً على سطحه؟ ما من جرم سماوي آخر يمتلك بهذا الوضوح جميع الخصائص التي نرى أنها مقوِّمات أساسية لوجود الحياة. إنه يمثل في الوقت الراهن المكان الأمثل للبحث عن حياة في المجموعة الشمسية. وقد افتتن بعضنا بهذا الاحتمال حتى إننا نعمل على تصميم بعثات تعود إلى القمر إنسيلادوس لاستكشاف هذا الأمر.

حلقات زحل

إن هذه الحلقات بالطبع هي ما يضفي على كوكب زحل هذا المظهر الخلاب الذي يميزه، وقد كان فهم آلية العمل المعقدة لتلك الحلقات هدفًا أساسيًّا من أهداف المركبة كاسيني. وهذه الحلقات ما هي إلا الحالة النهائية الطبيعية لانهيار سحابة دوارة من الأنقاض، ومن ثم فإنها أقرب شبيه لقرص الأنقاض الذي نعتقد أنه قدم المواد الخام لتكوُّن مجموعتنا الشمسية. كما أنها تمثل نموذجًا لأقراص النجوم الأولية التي تُولَد من رحمها الأنظمة الشمسية الجديدة، بل وحتى لمليارات المراوح من الغبار والغازات التي نطلق عليها المجرات الحلزونية. ومن بين كل الظواهر التي تستحق الدراسة على سطح كوكب زحل، كانت الحلقات تمثل الهدف العلمي الأكبر، الذي يمتد من جوار كوكبنا إلى آفاق الكون.

من خلال القياسات التي رصدتها المركبة كاسيني، توصلنا إلى فهم لنشأة الجزء الأكبر من بنية حلقات زحل. ففي مواضع محددة، وجدنا أن تأثير جاذبية أحد الأقمار البعيدة التي تدور حول الكوكب قد تسبب في اضطراب مدارات جسيمات الحلقات، مما تمخض عن تكوُّن حواف حادة أو اضطرابات موجية تنتشر إلى الخارج في نمط حلزوني. وفي مواضع أخرى، كانت فيها الأقمار مدمجة في الحلقات، كانت الجاذبية تؤدي إلى تشكيل الجسيمات في بنى جميلة الشكل. فعلى سبيل المثال، هذا ما فعله القمر "بان"، الذي يبلغ عرضه 30 كيلومترًا تقريبًا ويقع في فجوة "إنكي" الحلقية في الجسيمات المحيطة به، وبدورها أعادت مواد الحلقة التي تحركت تحت تأثير الجاذبية تشكيل القمر بان، وجعلته يبدو كما لو أنه يرتدي تنورة قصيرة.

وفي المناطق من الحلقات التي تكون فيها الجسيمات شديدة الكثافة، اكتشفنا موجات ذاتية التولُّد يتراوح طولها الموجي من 100 متر إلى مئات الكيلومترات تنتشر عبر القرص. ويمكن أن تعكس هذه الموجات تقطعات حادة في تركيزات الجسيمات وتتداخل مع نفسها ومع بعضها، مما يؤدي إلى نشأة ظواهر جغرافية فوضوية الشكل. ويتضمن فهمنا لبنية الحلقات الآن تأكيدَ ما توقعته أنا ومارك مارلي، الذي يعمل حاليًّا في مركز أميس البحثي التابع لوكالة ناسا، في عام 1993، وهو أن الذبذبات الصوتية داخل جسم كوكب زحل يمكن أن تؤدي أيضًا إلى نشأة معالم في الحلقات. وبهذه الطريقة، تعمل حلقات زحل كجهاز لقياس الزلازل.

توصلت كاسيني إلى كبرى المفاجآت المتعلقة بالحلقات تقريبًا في أثناء فترة الاعتدال في أغسطس 2009، فقد وجدنا على طول الحافة الخارجية الحادة للحلقة الأضخم من حلقات زحل (الحلقة B) سلسلة متصلة مذهلة من الظلال المدببة يصل طولها إلى 20 ألف كيلومتر، مما يوحي بوجود "جبال الحلقات"، وهي أمواج من الجسيمات تمتد مسافة 3 كيلومترات فوق سطح الحلقة. وربما تكون هذه المعالم قد تكونت نتيجة الضغط الهائل للمواد التي تمر حول الأقمار الصغيرة التي وقعت تحت تأثير الرنين المداري على حافة الحلقة، مثل المياه المتدفقة التي ترتطم بمنحدر ضخم على الشاطئ.

تتكون حلقات زحل من عدد لا حصر له من الجسيمات الجليدية ، بعضها كبير الحجم يضاهي حجم منزل، ويحتوي على فجوات بسبب الجذب الثقالي للأقمار 
Credit: Courtesy of NASA, JPL and Space Science Institute

وفي اكتشاف آخر، رأينا نمطًا حلزونيًّا دقيقًا للغاية وشديد الإحكام يستمر دون انقطاع مسافةَ 19 ألف كيلومتر عبر الجزء الداخلي من الحلقتين C وD. وقد كشفت بعض الأبحاث الدقيقة التي أجراها مات هيدمان -الذي يعمل حاليًّا بجامعة إيداهو- وزملاؤه أن اصطدامًا بأنقاض مذنب داخل الحلقات الداخلية في عام 1983 هو على الأرجح الذي دفع جميع جسيمات الحلقة في منطقة التصادم إلى مدارات منحرفة، وهذه المدارات تدور مثل الدوامة، بحيث يكون دوران المدارات الداخلية أسرع من الخارجية. ومنذ ذلك الوقت، أصبح هذا الاضطراب أكثر تقيدًا وإحكامًا، مما أدى إلى نشأة نمط تموُّج حلزوني يصل ارتفاعه إلى ثلاثة أمتار في الحلقات. ولم تكن تلك البنية موجودة في أثناء مرور مركبتي فوياجر. لقد تبين لنا أن المجموعة الشمسية عبارة عن أعجوبة ديناميكية، وتمثِّل حلقات زحل في أشكالها السائلة التي لا تعد ولا تحصى مثالًا نموذجيًّا على تعقيد الجاذبية غير المحدود وعالميتها وقدرتها على الزيادة والتوسُّع. إنه عمل يفوق حتى براعة أكثر الفنانين موهبة وإبداعًا.

الغلاف الجوي

فحصت المركبة كاسيني أيضًا تكوين الغلاف الجوي لكوكب زحل وسلوكه بتفصيل شديد، وكشفت الستار عن بعض الخصائص غير المتوقعة. فقد تمكَّنت المعدات والأدوات على المركبة من دراسة الغلاف الجوي لزحل على نطاق واسع من الارتفاعات، كاشفةً أنماط الدوران العامة له وتكوينه وبنيته العمودية. ينقسم الغلاف الجوي للكوكب إلى نطاقات عريضة على غرار الغلاف الجوي لكوكب المشتري، رغم أن نطاقات زحل أقل وضوحًا من الخارج نظرًا لوجود طبقة كثيفة من الضباب فوق سطح سحب الأمونيا العليا. وعندما فحصت المركبة كاسيني أسفل الضباب وصولًا إلى طبقة التروبوسفير، كشفت أن عرض نطاقات زحل يتناوب مع دائرة العرض؛ إذ إن النطاقات الأضيق تكون داكنة اللون وتتوافق مع التيارات المتدفقة السريعة، والنطاقات الأعرض تميل لأن تكون فاتحة اللون أكثر وتتوافق مع التيارات الأبطأ والتي ربما تكون ساكنة، مقارنة بالدوران العام للكوكب. وبصورة عامة، يبدو الغلاف الجوي لزحل ساكنًا إلى حدٍّ ما مع مرور الوقت، حتى التيار المتدفق سداسي الشكل المثير للدهشة عند القطب الشمالي لم يتغير سوى قليلًا، منذ أن التقطته مركبة فوياجر للمرة الأولى، كما أثبتت كاسيني. لقد توصلنا إلى أن الثبات والاستقرار سمة شائعة لأنظمة الغلاف الجوي هائلة الحجم في الكواكب العملاقة؛ ففي ظل عدم وجود سطح صلب أسفل الغازات، ما من احتكاك لنشر حركة الغلاف الجوي التي بمجرد ما تبدأ فإنها تستمر.

غير أننا شعرنا بسعادة غامرة عندما اكتشفنا أن الغلاف الجوي لزحل ليس عديم الاستجابة تمامًا لتغيُّر الفصول؛ إذ إنه أعلى السحب في شتاء النصف الشمالي، كان الكوكب يُعِدُّ عرضًا غير متوقع عندما وصلت المركبة كاسيني لأول مرة؛ إذ كان يرتدي ثوبه الأزرق! نظرًا لأن مرور مركبتي فوياجر بالقرب من الكوكب كان بالقرب من فترة الاعتدال وبالتالي لم يلتقط أي صور للشتاء، فقد كان ذلك التلوُّن الصارخ مفاجأة كبيرة. والاحتمال الأرجح لدينا هو أن انخفاض تدفُّق الأشعة فوق البنفسجية في أثناء الشتاء، إلى جانب تأثير ظلال الحلقة في حجب الشمس في نصف الكرة الذي يتعرض للشتاء، يقلل من إنتاجية الضباب المحيط بالكوكب، وصفاء الغلاف الجوي يعني فرصة أفضل لحدوث ظاهرة "تبعثر ريليه" -وهي العملية التي تُحوِّل الغلاف الجوي للأرض إلى اللون الأزرق– وكذلك فرصة أفضل للميثان في الغلاف الجوي لامتصاص الأشعة الحمراء الصادرة من الشمس. تلك الهالة البديعة من اللون الأزرق السماوي التي تلوِّن نصف الكوكب الذي يتعرض للشتاء في الصور التي التقطناها لكوكب زحل هي في الواقع جزءًا من اقتران الغلاف الجوي لكوكب نبتون بالغلاف الجوي لزحل.

ومن أبرز الخصائص التي تميز كوكب زحل، والتي نعرفها منذ قرن من الزمان، أنه يتعرض لاندلاع عواصف عاتية على نطاق زمني من العقود، ومن ثم كان من المثير للغاية بالنسبة لنا أن نشهد إحدى العواصف في أواخر عام 2010. فعلى مدار فترة تصل إلى قرابة 270 يومًا، راقبنا هذه العاصفة العملاقة العاتية وما ينتج عنها من برق وهي تولد في صورة اضطراب صغير في نصف الكوكب الشمالي، ثم تنمو وتنتشر انتشارًا واسعًا حول الكوكب حتى إن نهايتها لامست بدايتها، ثم تختفي في نهاية المطاف. وقد كانت تلك ظاهرة أخرى لم يتسنَّ لأية مركبة فضائية أخرى رؤيتها. وفي اعتقادنا، فإن المياه التي يتكون منها السطح العلوي لأبعد سحب زحل، يمكن أن تكبت الحمل الحراري في الغلاف الجوي الذي يتكون بصورة أساسية من غاز الهيدروجين الخفيف لفترة تصل إلى عقود، حتى تنتصر قوى الطفو وينتج عنها انفجار حمل حراري هائل.

مستكشفة العوالم

لطالما كانت المركبة كاسيني -منذ بدايتها في عام 1990 وحتى نهايتها الدرامية في سبتمبر من هذا العام- تمثل عنصرًا أساسيًّا حقق نجاحًا باهرًا في مساعي البشرية التي امتدت على مدار ستة عقود لاستكشاف الكون وراء حدود كوكبنا. فقد كشفت رحلتها الاستكشافية التاريخية حول كوكب زحل تفاصيل معقدة في آلية عمل ذلك النظام الكوكبي الجذاب والغريب. لقد وسعت آفاق فهمنا للقوى التي جعلت كوكب زحل وما يحيط به، ومجموعتنا الشمسية، ومن ثم الأنظمة النجمية والكوكبية الأخرى في أرجاء الكون، على ما هي عليه اليوم.

إننا على الأرجح لن نرى عن قريب عودة بعثة بإمكانيات كاسيني وقدراتها إلى كوكب زحل. وقد كانت مشاركتي في هذه المغامرة الرائعة تعني أن أعيش حياة المستكشف -المرهقة والمثمرة في الوقت نفسه- الذي يسبر أغوار العوالم البعيدة. لقد انتهت مشاركتي في هذا المشروع الآن، ولكن يغمرني شعور بالرضا والامتنان لأنني أعرف أن قصة كاسيني ستظل مصدر إلهام للبشرية لسنوات طويلة قادمة.