يوشك علماء الفلك على رفع الستار عن خريطة جديدة للواقع الكوني. فقد انطلقت مركبة "جايا" الفضائية -التي أطلقتها وكالة الفضاء الأوروبية في أواخر عام 2013- في بعثة مدتها خمس سنوات لرسم خريطة للسماء بتفاصيل لم يسبق الوصول إليها؛ وقد جرى إصدار أول مجموعة من الإحداثيات. وفي نهاية مهمة "جايا"، سوف تكون قد حددت بدقة مواقع ما يقرب من مليار نجم في مجرة درب التبانة والمجرات المجاورة بدقة عالية لدرجة تمكِّنها من التقاط أجرام يبلغ صغرها خمسة ميكرو ثانية قوسية –أي ما يقارب نصف حجم عملة معدنية على القمر كما نراها من الأرض. وسوف تسجل آلة التصوير الخاصة بالمركبة -والتي تبلغ دقتها مليار بكسل- المسافة والسرعة ثنائية الأبعاد لكل نجم، وهو ما من شأنه أن يقدم فهمًا جديدًا لجيراننا في المجرة.

بالنسبة لكاثرين جونستون -عالِمة الفلك بجامعة كولومبيا- يُعَد رسم تلك الخريطة النجمية بمنزلة نظير لرسم خريطة لقارات الأرض للمرة الأولى، والتي حولت صورة كتلة مستديرة غامضة تتألف من اللونين الأخضر والأزرق إلى عالم ذي جبال وأنهار ووديان. فتقول جونستون: "من الغريب أننا تقريبًا لا نعلم كيف تبدو مجرتنا بنفس الدقة التي نعرف بها المجرات الأخرى"، موضحةً أنه يبدو ضربًا من المستحيل أن نلتقط صورة لمجرة كاملة في حين أننا عالقون بداخلها. لكن هذا بالضبط ما ستفعله "جايا".

وقد كان الجميع ينتظر الخريطة المحدثة على أحرِّ من الجمر؛ ففي اليوم الأول من صدور البيانات الأولية في شهر سبتمبر، قام 10 آلاف شخص على الأقل بتسجيل الدخول إلى الأرشيف، وذلك وفق تيمو بروستي، أحد العلماء في مشروع "جايا". وتشمل مجموعة البيانات المواقع الأولية لمليار نجم (وسوف تعمل الإصدارات المستقبلية من البيانات على تحسين هذه الأرقام) والمسافات والحركة الجانبية لألمع مليوني نجم في السماء. ومع كل إصدار لاحق، سوف يجري الكشف عن مسافات وحركات النجوم الأبعد ثم الأبعد داخل المجرة، وبذلك نخلق خرائط متعاقبة تشع للخارج من الشمس، مثل تموُّجات على بركة ماء.

وقد بدأت النتائج في التدفق بالفعل. على سبيل المثال، استخدم علماء "جايا" النتائج الأولية لحسم الجدال المثار حول المسافة إلى العنقود النجمي المعروف باسم "الثريا" -أو "الشقيقات السبع"- الشهيرة. وهذا الجدال، الذي أشعله صدور البيانات النهائية لبعثة "هيباركوس"، البعثة السابقة على بعثة "جايا"، لم يكن عديم الأهمية؛ فمن دون معرفة المسافة الصحيحة لم يكن بإمكان علماء الفلك تحديد درجة سطوع النجوم أو أنصاف أقطارها بأي وجه من الدقة. إن القياس الدقيق (إذ إن قياسات بعثة "هيباركوس" كانت خطأ) مهم أيضًا؛ لأن "الثريا" تمثل عنقودًا نجميًّا معياريًّا لفهم كيفية تكوُّن النجوم. ويقول بروستي: "إن نظرية النجوم الشابة مخادعة إلى حد كبير؛ لأنها نجوم غير مستقرة، فهناك العديد من البدائل. لذا يحتاج المرء حقًّا إلى عمليات رصد دقيقة لحصر هذه النماذج".

تستخدم مجموعات بحثية أخرى البيانات الجديدة لفحص النجوم غير المعتادة (تلك التي تبدو شديدة الخفوت أو شديدة السطوع أو تتحرك بسرعة عالية أو ببطء شديد). ويقول ديفيد سبيرجل -عالِم الفلك بجامعة برنستون-: "يعتقد علماء الفلك أننا نفهم كيف تعمل النجوم جيدًا، ولكنني أظن أنه عندما تتحسن بياناتنا سوف نكتشف أننا بالرغم من امتلاكنا للصورة الأساسية الصحيحة، هناك أشياء كنا نظن أننا نفهمها جيدًا في حين أننا لا نفهمها". وتؤدي فيزياء الكواكب دورًا أيضًا حين يبحث علماء الفلك عن النجوم التي تؤوي كواكب مثيرة للاهتمام. ورغم أن "جايا" لم تكتشف أيًّا من تلك العوالم بعد، يأمل العلماء أن تكشف المركبة الفضائية عن الآلاف -أو حتى عشرات الآلاف- منها في نهاية المطاف.

ورغم حصيلة البيانات الهائلة التي تدفقت في شهر سبتمبر، لا يزال علماء الفلك ينتظرون بشوق عمليات الرصد الجديدة لبعثة "جايا" (من المفترض أن يكون هناك أربعة إصدارات إضافية). ويقول ديفيد هوج -عالِم الفلك بجامعة نيويورك-: "على الرغم من وفرة الأبحاث العلمية التي يمكننا إجراؤها باستخدام الإصدار الأول من البيانات، فإنها لا تُقارَن بالأبحاث العلمية التي سنتمكن من إجرائها في نهاية عمل البعثة". باستخدام مجموعة البيانات الكاملة في عام 2022، سوف يتمكن الباحثون من العمل على الهدف العلمي الرئيسي للبعثة، ألا وهو إزاحة الستار عن تركيب وديناميكا مجرة درب التبانة، وإلقاء الضوء على التاريخ العنيف للمجرة. على سبيل المثال، بعض نجوم مجرة درب التبانة وُلدت في مجرات أصغر، والتي التهمتها لاحقًا مجرتنا المتوحشة. اليوم يمكن رؤية بقايا تلك المجرات الضئيلة على هيئة تيارات خافتة من النجوم التي تمتد عبر السماء، موفرةً دلائل عن التسلسل الزمني لتطور المحيط المجاور لنا. وتقول جونستون -من جامعة كولومبيا-: "إننا نعثر على مجرات كانت على قيد الحياة في الماضي، ونعثر على المدارات التي كانت تدور بها، ونعثر على النجوم المرتبطة بها؛ ومن ثَم يمكننا بناء تاريخ التهام مجرتنا للمجرات الأخرى".

وفي نهاية المطاف، من المستحيل تحديد إرث البيانات الذي ستتوصل إليه "جايا" بأكمله مقدمًا. بالإضافة إلى مهمتها الرئيسية، سوف يعمل القمر الصناعي أيضًا على رصد الآلاف من الأجرام غير النجمية في المجموعة الشمسية، ومن المحتمل رسم خريطة لتوزيع المادة المظلمة في مجرة درب التبانة، ورسم خريطة لمواقع مئات الآلاف من النجوم الزائفة ("الكوازارات")؛ وهي الأنوية المتوهجة لمجرات عتيقة. على المدى البعيد، يشير بروستي إلى أن بعثة "جايا" سوف تحسِّن أيضًا عمليات الرصد المستقبلية باستخدام أجهزة تلسكوب أخرى؛ لأن هذه الأجهزة سوف تعرف أين تبحث بالتحديد. وفي الوقت الحالي، قام هوج بتنظيم "سباقات جايا" في مدينتي نيويورك وهايدلبرج لعلماء الفلك من مختلف التخصصات؛ ليجتمعوا معًا ويستكشفوا البيانات في بيئة تعاونية. ويقول هوج: "أعتقد أن الطريقة الصحيحة للتفكير في الأمر -والسبب الحقيقي في حماس الجميع- هي أنها فرصة للاكتشاف؛ الجميع متحمس لأنه عالم جديد، والإصدار الأول من البيانات ما هو إلا إعلان تشويقي لهذا العالم الجديد".

أرقام هامة

Credit: COURTESY OF C. CARREAU ESA

1.5 مليون كيلومتر         

المسافة التي تفصل مركبة "جايا" الفضائية عن كوكب الأرض

50x دقة أعلى

تتميز بها كاميرا مركبة "جايا" الفضائية مقارنة بالكاميرا على متن مرصد "هابل" الفضائي

30x ضوء أكثر

تنجح في تجميعه المرايا الرئيسية في مركبة "جايا" مقارنة بالقمر الصناعي "هيباركوس" الذي يقوم برسم خريطة لمواقع النجوم

70

عدد المرات التي من المقرر أن تقوم مركبة "جايا" برصد كل من أهدافها التي يبلغ عددها مليار

 

مصادر الإحصائيات: وكالة الفضاء الأوروبية (المسافة والمرايا الرئيسية وعدد مرات الرصد)؛

“ASTROMETRY: EUROPE'S STAR POWER,” BY DEVIN POWELL, IN NATURE, VOL. 502; OCTOBER 2, 2013 (resolution)