لولا الحرب الباردة لما انطلقت بعثة أبوللو 11 قَط. لقد كانت الرغبة الحثيثة في الوصول إلى القمر قبل السوفييت وإثبات التفوق التكنولوجي الأمريكي هي ما حفز الكونجرس على تخصيص ما يقرب من 4.5 في المئة من الميزانية الوطنية الأمريكية لوكالة ناسا في ذروة السباق لغزو الفضاء عام 1966. غير أنه بعد الهبوط الأول على القمر بعد ثلاث سنوات، لم تظفر الوكالة مطلقًا بأكثر من 2 في المئة من الميزانية، بل ومنذ عام 2010 لم تتلقَّ إلا نصف في المئة سنويًّا.

لم يعد إعلاء الهيبة الوطنية حافزًا كافيًا هذه الأيام بالنسبة لأغلب البلدان للانطلاق وحدها نحو الفضاء؛ فلو قُدِّر لنا أن نسافر مجددًا إلى جِرم كوكبي آخر، فينبغي أن نكون معًا. لعل يوهان-ديتريتش ("يان") ورنر، المدير العام لوكالة الفضاء الأوروبية، قد عبر عن هذه الفكرة تعبيرًا أَحدَثَ أصداءً مدوية؛ ففي عام 2015، قدم ورنر رؤيته لما يسمى "القرية القمرية"، وهي أشبه بمخيم تعاوني فوق سطح القمر، حيث يُرحَّب بجميع البلدان والشركات الخاصة والجامعات والمؤسسات غير الربحية والأفراد الراغبين في إيفاد أشخاص وروبوتات وإنشاء جميع أشكال المشروعات العلمية والاستكشافية والتجارية للإسهام في هذه القرية. وفي سبيل تعزيز النوايا الحسنة الدولية والتعاونية لهذه القرية القمرية، لن تتولى وكالة الفضاء الأوروبية رسميًّا تنظيم هذا المشروع، بل ستضطلع بهذه المهمة منظمةٌ غير حكومية مقرها في فيينا تُدعى "رابطة القرية القمرية"، وهي متاحة أمام المجموعات والأفراد للانضمام إليها. وقد أجرت مجلة "ساينتفك أمريكان" لقاءً شخصيًّا مع ورنر بشأن أهداف القرية القمرية والجدل الدائر حول الانطلاق إلى القمر في مقابل الانطلاق إلى المريخ، ولماذا يمثل الوقت الحالي الوقت المناسب لانطلاق هذه المبادرة.

يان ورنر، المدير العام لوكالة الفضاء الأوروبية Credit: Matthew Staver Getty Images

وفيما يلي نص منقح للحوار.

حدثني عن خطتك للعودة إلى القمر.

نحن لا نريد العودة إلى القمر.

ماذا تقصد؟

إننا نريد المضي قدمًا نحو القمر. أنا جاد فيما أقول، نحن لا نريد سباقًا لغزو الفضاء غرضه فقط الهيبة الوطنية. إن القمر هو المكان الأمثل لتدشين تعاون حقيقي على نطاق عالمي. في الماضي، كانت الأنشطة الفضائية تتم من خلال قيام الوكالات بعمليات المشتريات المباشرة، كما هو الحال في بعثات أبوللو إلى القمر، ونحن الآن لدينا مشروعات مشابهة في وكالة الفضاء الأوروبية. كما أن لدينا مشروعات تؤدي فيها الوكالة دور الوسيط والداعم والمنسق، هذه هي القرية القمرية.

إن القرية القمرية بمنزلة فكرة مفتوحة متعددة الشركاء، وكل كلمة في هذه العبارة لها أهمية. "متعددة الشركاء" تعني أنها لا تضم شريكًا واحدًا، بل تحتمل أكبر عدد ممكن من الشركاء، و"مفتوحة" تعني أنه ليس ثمة إجراءات رسمية متبعة لانضمام الشركاء، و"فكرة" لأنها ليست مشروعًا واحدًا. فيجدر بمختلِف الشركاء أن يُسهموا بما يرغبون في تقديمه من خدمات أو منتجات، سواء أكانت في مجال النقل أم التعدين أم السياحة أم العلم أم التطوير التكنولوجي؛ لاستخدام الموارد في مكانها، على سبيل المثال استخدام المياه على سطح القمر لإنتاج الوقود. فالمجال مفتوح على مصراعيه أمام مختلِف الأغراض.

هل تنظر إلى القرية القمرية باعتبارها جزءًا من إرث أبوللو أم انطلاقة متعمدة بعيدًا عن عباءة الماضي؟

لقد انطلقت بعثة أبوللو في بيئة مختلفة تمامًا. كانت المنافسة حينها هي الدافع، أما الآن فإنني أعتقد أن التعاون هو العامل الذي يهيئ لنجاح المبادرة. لكن لا شك أنه ربما لولا رحلة أبوللو لما راودتنا فكرة القرية القمرية من الأساس.

على الأرجح ستتطلب المستعمرات القمرية طويلة المدى مساكن محصنة ضد الإشعاعات، وستتطلب قبابًا من أجل زراعة المحاصيل، وعربات فضائية للتنقل. Credit: P. Carril European Space Agency

هل شاهدت هبوط بعثة أبوللو 11 على سطح القمر؟ كيف تأثرت بهذا المشهد؟

أجل، كنت في الخامسة عشرة من عمري، وكنت في ألمانيا، وكان ذلك ليلًا، ولم أنم تلك الليلة على الإطلاق. أذكر ذلك جيدًا: كنت أشاهد التليفزيون ورأيت أولى خطوات نيل أرمسترونج وبَز ألدرن. انتهى البث وخرجت من منزلي إلى الهواء الطلق، وكنت أتنفس بعمق وأفكر "إننا نصنع المستقبل". لقد كان حقًّا يومًا مشهودًا بالنسبة لي، ولم أكن لأتخيل قَط آنذاك أنني سأصير جزءًا من عالم استكشاف الفضاء، وأنا اليوم المدير العام لوكالة الفضاء الأوروبية.

لِمَ تستهدفون القمر وليس وجهات جديدة، كالمريخ مثلًا؟

إنني أدعم التفكير في المريخ أيضًا كوجهة للبشر، غير أني أعتقد أن القمر هو الطريق الصحيح للمضي قدمًا. فلا يسعنا الآن الحديث عن بعثات بشرية إلى سطح المريخ نظرًا لخطورة الإشعاعات وغيرها من التحديات. فهل نجرؤ على إرسال بشر في رحلة تستغرق عامين إلى بيئة يُعد البقاء فيها على قيد الحياة أمرًا شديد الصعوبة، وإن أصابهم مرضٌ ما فلن يكون أمامنا وسيلة لإعادتهم إلينا؟ ينبغي علينا تطوير تكنولوجيا أفضل أولًا.

أتمنى ألا يكون الأمر كما كان عليه في الماضي: الانحياز إلى المعسكر الغربي ومحاولة المطالبة بالسيادة. أتمنى ألا نقيم حواجز فوق سطح القمر؛ فنحن في ألمانيا لدينا تجربة مع الحواجز والجدران، وآمل أن ننجز الأمر على نحو أفضل بكثير.

أما القمر فيُعَد ميدانًا مناسبًا لتطوير التكنولوجيا. فعلى سبيل المثال، بإمكاننا استخدام الموارد الموجودة على سطح القمر في تشييد بِنى لإيواء رواد الفضاء أو إنشاء مراصد أو إنتاج وقود من الهيدروجين والأكسجين. ومن ثم، فإن القمر يمثل نقطة انطلاق نحو ما هو أبعد: نحو المريخ. لكن هذا سيتحقق في المستقبل البعيد، فسوف يستغرق الأمر عقودًا. على الرغم من أن هناك مَن يعلنون عن أهداف أقرب أجلًا، فسوف نرى أن هذا غير ممكن.

لقد مضى خمسون عامًا منذ انطلاق بعثة أبوللو 11، لِمَ استغرقنا كل هذه المدة لإعادة رواد الفضاء إلى القمر؟

لن نعيدهم، بل سنمضي قدمًا.

نمضي قدمًا، عفوًا، لكن لِمَ تعتقد أن الآن هو الوقت المناسب؟

إنني أرى استعدادًا عالميًّا للتعاون؛ فقد أجريت مناقشات مع متخصصين من الصين والولايات المتحدة الأمريكية واليابان وروسيا، وجميعهم يتطلع للعمل معًا في استكشاف القمر والمريخ وما وراءهما.

أتمنى ألا يكون الأمر كما كان عليه في الماضي: الانحياز إلى المعسكر الغربي ومحاولة المطالبة بالسيادة. أتمنى ألا نقيم حواجز فوق سطح القمر؛ فنحن في ألمانيا لدينا تجربة مع الحواجز والجدران، وآمل أن ننجز الأمر على نحو أفضل بكثير.

ما أكبر عقبة في رأيك أمام نجاح القرية القمرية؟

العقبة الأكبر هي ورقة يمكنك أن تحملها في يدك، ويحمل أحد وجهيها صورة جورج واشنطن، ]ضحكات[ حسنًا، إنها النقود.

لو أننا سنُطلق القرية القمرية اليوم، هل ستذهب؟

لديَّ موعد على الغداء، لكنني سألغيه لو أخبرني أحدهم أن بإمكاني السفر إلى القرية القمرية في الحال. أجل، سأتصل بأسرتي وسأذهب، سأذهب على الفور. إنني شخص يملؤني الفضول، وهذا الفضول سيكون دافعي للذهاب. لكنني سأذهب شريطة أن أحمل تذكرة عودة أيضًا.