"العزلة والوحدة.. أشياء مؤلمة.. تفوق قدرة تحمل البشر".

  • من رواية "الجزيرة الغامضة"، للروائي جول فيرن، عام 1874

تخيل أنك رائد فضاء، وقد انقطع حبل الأمان الخاص بك، وسبحت تائهًا في الفضاء الواسع. عبر جهاز الاتصال اللاسلكي التالف تسمع محاولات مركز المهمة المتكررة للتواصل معك، لكن صرخاتك التي تزداد يأسًا "أنا هنا، أنا هنا" تصطدم بالعدم، ولا تصل لأحد -أنت عاجز عن إرسال أي إشارة تخبرهم بها أنك على قيد الحياة وأنك مصاب. بعد مرور أيام وأسابيع من النداءات الفاشلة من جانب أحبائك، تتوقف الرسائل؛ لقد أصبحت في عداد المفقودين. فإلى متى يمكنك الحفاظ على سلامتك العقلية وأنت في مقصورة الفضاء وحيدًا منعزلًا لا تسمع سوى صدى صوتك؟ أيام؟ شهور؟ سنوات؟

هذا السيناريو المرعب يصفه بشكل واضح عالِم الأعصاب البريطاني أدريان أوين، في كتابه الجديد "داخل المنطقة الرمادية" Into the Gray Zone (من إصدار دار سكريبنر). بدأت قراءة صفحاته الأولى خلال أخذي حمام المساء، ولم أتركه من يدي إلا بعد بضع ساعات وقد أنهيت قراءته، وكان ماء الحمام قد برد. يروي أوين بأسلوب جذاب وساحر قصة التواصل مع المصابين بأخطر الإصابات الذهنية والإدراكية، التي تجعلهم أبعد عنَّا من رائد فضاء شرد في الفضاء.

إن أوين أستاذ في جامعة ويسترن في أونتاريو بكندا، وأحد رواد تكنولوجيا تصوير الدماغ، التي تهدف إلى تحديد أيٍّ من جزر الوعي تظل موجودة في المرضى الذين يعانون اضطرابات شديدة في الوعي. يظل هؤلاء الأشخاص طريحي الفراش ويعانون عجزًا وإعاقة خطيرة، ولا يستطيعون الكلام أو حتى التعبير عن حالتهم الذهنية بعد تعرُّضهم لارتجاج في المخ، أو التهاب الدماغ، أو التهاب السحايا، أو سكتة دماغية، أو التسمم بالمخدرات أو بالكحول. ويمكننا تصنيف هؤلاء المرضى الذين لا يستسلمون بسرعة لإصاباتهم إلى مجموعتين واسعتين.

 مرضى الحالة الإنباتية في المجموعة الأولى ينامون ويستيقظون بشكل دوري. في استيقاظهم، تكون أعينهم مفتوحة، إلا أن محاولات التواصل معهم وهم على الفراش، قائلين لهم: "إذا كنت تسمعني، فاضغط على يدي أو انظر إلى الأسفل"، دائمًا ما تبوء بالفشل. يستطيع هؤلاء المرضى تحريك أعينهم أو رؤوسهم، والبلع والتثاؤب، لكن ليس بإرادة منهم أبدًا؛ فلم يتبقَّ لديهم سوى ردود فعل جذع المخ. ومن الممكن لهؤلاء الأفراد أن يستمروا في العيش سنوات، إذا ما توافرت الرعاية التمريضية المناسبة لتجنُّب قرح الفراش والإصابة بالعدوى.

فلننظر إلى قصة السيدة تيري شيافو من فلوريدا، والتي عاشت مدة 15 عامًا في حالة إنباتية، أي كالنبات على قيد الحياة ولكن من دون وظائف إدراكية، حتى تم إنهاء حياتها طبيًّا في عام 2005. في ضوء الخلاف الشهير بين زوجها الذي طلب فصلها عن أجهزة دعم الحياة، ووالديها اللذَين كانا يعتقدان أن ابنتهما ما زال لديها بعض الوعي، أحدثت حالة هذه السيدة ضجة كبيرة. استمر سير الدعوى أمام دوائر قضائية مختلفة، حتى استقرت على مكتب الرئيس الأمريكي جورج دبليو. بوش. ورغم استمرار السجالات القانونية لإبقاء شيافو على قيد الحياة، تمكَّن زوجها في النهاية من تنفيذ رغبته بفصل زوجته عن الأجهزة.

طبيًّا، لم تكن حالتها مثار جدل أو خلاف. كانت في بعض الأوقات التي لا تستمر طويلًا تقوم بحركات تلقائية: مثل إدارة الرأس، وتحريك العين، وما شابه ذلك، لكن لا تستطيع تكرار هذه الحركات أو جعلها متسقة وهادفة. وعند إجراء مسح لكهربية الدماغ، لم تُظهر النتائج أي موجات دماغية، ما يشير إلى أن قشرتها الدماغية قد توقفت تمامًا عن العمل، وهو ما تم تأكيده عند التشريح.

لم تكن حالة شيافو هي الوحيدة، في ظل توفير الطائرات الهليكوبتر وتقديم العلاج في غرف طوارئ حديثة. يشكل مرضى الحالة الإنباتية ظاهرة معاصرة، باستثناء بعض الحالات النادرة. فهؤلاء المرضى يعتمدون على التدخل الجراحي والدوائي السريع والمكثف. ويصعب الوصول إلى أرقام دقيقة لأعدادهم، نظرًا لعدم وجود سجل مركزي لتوثيق الحالات، كما يُنقل العديد من هؤلاء المرضى إلى دور رعاية ومراكز تمريض، أو يحصلون على الرعاية في المنزل. وتتراوح تقديرات مرضى الحالة الإنباتية في الولايات المتحدة بين 15 ألفًا و40 ألف مريض.

أما الفئة الأكثر غموضًا فهم مرضى حالة الحد الأدنى من الوعي (MSC)، والذين لديهم قدرة ضعيفة على التعبير عن شعورهم الداخلي، لكن ذلك عادةً ما يكون بأقل قدر ممكن أو بطريقة غير متناسقة. فقد يبتسمون أو يبكون في المواقف العاطفية، وربما ينطقون أو يومئون في بعض الأحيان، أو يتتبعون الأجسام البارزة بعيونهم، وهلم جرا.

ويظل التشخيص الصحيح لمرضى الحالة الإنباتية يمثل تحديًا كبيرًا للأطباء. فعلى عكس المريض فاقد الوعي، الذي قد يبدو ميتًا للشخص العادي، يظهر مريض الحالة الإنباتية حيًّا بشكل واضح. فهو يبدو لأحبائه المتلهفين لأي إشارة تدل على إدراكه وشفائه وكأنه يحاول التواصل معهم. فمَن الذي يمكنه أن يحكم أن هؤلاء المرضى الذين يعيشون في منطقة معتمة بين الوعي العابر والعدم قد لا يكون لديهم بعض الوعي بالألم وبعض الضيق؟ أو –ما هو أسوأ– يكون لديهم وعي كامل، لكنهم عاجزون عن طلب المساعدة؟

وهنا يأتي دور تكنولوجيا الأعصاب الحديثة، بما تحمله من عتاد من أجهزة مسح الدماغ. فقد أظهرت مجموعة كبيرة من التجارب في أواخر الثمانينيات بالفعل إمكانية حث نشاط المخ أو استثارته بشكل أكيد، في المتطوعين الأصحاء، من خلال التفكير وحسب: سواء بالعد التنازلي في صمت أو بتخيُّل لعب رياضة كرة القدم. هذه التجارب هي تأكيد مذهل لتأثير العقل وحده على المادة؛ فعلى سبيل المثال، يؤدي التفكير في ركل كرة القدم دون تحريك عضلة واحدة إلى تعزيز تدفق الدم إلى ذلك الجزء من المخ المسؤول عن التخطيط لحركات الجسم.

وقد قام أوين ومعاونوه -وبالأخص ستيفن لوريس من جامعة لييج في بلجيكا، وميلاني بولي التي تعمل الآن في قسمي علم الأعصاب والطب النفسي في جامعة ويسكونسن ماديسون- بتطوير مهمتين يمكن من خلالهما إثارة نشاط المخ بشكل أكيد، في منطقتين قشريتين متميزتين، يمكن مشاهدتهما من خلال التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي (fMRI).

كانت المهمة الأولى للمتطوعين خلال عملية المسح هي التفكير في لعب التنس، وضرب كرة وهمية ذهابًا وإيابًا عبر شبكة تخيُّلية. أظهرت نتائج المسح زيادة النشاط الديناميكي الدموي (تزايُد تدفُّق الدم وإمداد المغذيات للمخ) إلى المنطقة الحركية الإضافية (SMA) في الجزء العلوي من الرأس. أما المهمة الثانية –المتمثلة في المشي ذهنيًّا من غرفة إلى أخرى داخل المنزل– فقد زادت النشاط في التلفيف المجاور للحصين (PHG)، وهي منطقة عميقة في المخ تشفر المساحات والعلاقات المكانية. يمكن تمييز أحد هذين النشاطين من الآخر بسهولة، وإذ أن هذا النوع من الجهد الذهني المتعمد والمستمر يقترن بوعي كامل وحي ("أستطيع أن أرى يدي اليمنى تمسك بالمضرب وتأرجحه")، فهو يُعَدُّ علامة جيدة على وجود الوعي، كأي علامة أخرى.

هل هناك أحد؟ بحثًا عن وسيلة للتواصل مع المرضى الذين يعانون من خلل في الوعي، عمل باحثون على اختبار مهمتين مع متطوعين أصحاء من خلال ماسح التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي. كانت الأولى هي تخيُّل لعب التنس، ما أثار نشاطًا في المنطقة العليا من الدماغ (اللونين البرتقالي والأصفر). أما المهمة الثانية –وهي عمل جولة ذهنية في المنزل- فقد أثارت النشاط في منتصف الدماغ (اللونين الأخضر والأزرق). تُظهر اللوحة العلوية اليسرى نتائج مجمعة للمتطوعين، في حين تُظهر اللوحات الأخرى أن خمسة مرضى يعانون اضطرابات في الوعي (من أصل 54 شملتهم الدراسة) كانوا قادرين على إنتاج استجابات مماثلة. المصدر: “Willful Modulation of Brain Activity in Disorders of Consciousness,” by Martin M. Monti et al., in New England Journal of Medicine, Vol. 362, No. 7; February 18, 2010

أما السؤال الذي طرحه أوين وفريقه فعليًّا بعد ذلك فيما يخص المرضى الذين يعانون من حالة الحد الأدنى من الوعي، فهو عن مدى تمكُّن هؤلاء الأفراد الذين لا يستجيبون سلوكيًّا لمعظم ما يُطلب منهم من تنظيم نشاط أدمغتهم، عندما يُطلب منهم أداء مهمة تخيُّلية على نحو متكرر لمدة 30 ثانية.

كانت كارول، وهي سيدة تبلغ من العمر 23 عامًا صدمتها سيارتان في أثناء عبورها الطريق وهي تتحدث في هاتفها الخلوي، قد تم تشخيصها بأنها في حالة إنباتية، مع حدوث أضرار خطيرة في فصوص المخ الأمامية. لكنها فاجأت الفريق الطبي بتمكُّنها من أداء كلتا المهمتين الذهنيتين، وأن تقوم إراديًّا بزيادة النشاط إما في المنطقة الحركية الإضافية أو في منطقة التلفيف المجاور للحصين، وفق المهمة المطلوبة. ولذلك بدا أن كارول لم يزل لديها مستوى لا بأس به من الوعي والتحكم الإدراكي، رغم أنه لا يمكن ملاحظة أيٍّ منهما خلال الاختبارات الإكلينيكية العادية.

تم تأكيد هذه النتيجة الأساسية من خلال دراسة في السنوات القليلة التالية شملت 54 مريضًا يعانون من اضطرابات الوعي، في اثنين من المراكز الطبية -في كامبريدج في إنجلترا، وفي لييج. استطاع خمسة من المرضى التحكم إراديًّا في تعديل نشاط أدمغتهم، بشكل مُسيطر عليه. من هؤلاء الخمسة، كان هناك أربعة من بين 23 مريضًا شملتهم الدراسة كانوا قد وُصفوا بأنهم يعانون من حالة إنباتية. وتشير هذه الملحوظة إلى أن 20% من مرضى الحالة الإنباتية يتم تشخيص حالتهم خطأ– فهم على الأقل واعون إلى حد ما، وهو ما يتوافق مع بعض التقديرات السابقة. وأكدت اختبارات سريرية لاحقة أن عددًا قليلًا من المرضى كانوا في الواقع في حالة الحد الأدنى من الوعي وليس في الحالة الإنباتية. وبسبب الوتيرة السريعة لإعدادات المستشفيات الحديثة، من السهل على موظفي الرعاية المرهَقين أن يُغفِلوا العلامات الصغيرة العارضة الدالة على وجود حياة لشخص محبوس داخل دماغه المدمر. (وقد وصف علماء الأعصاب مثالًا على هذه الحالة -وهي قصة ماجي- بشكل مروِّع، في عدد نوفمبر/ ديسمبر من عام 2016 من مجلة "ساينتفك أمريكان مايند" Scientific American Mind).

لكن اثنين من المرضى الخمسة الذين شملتهم الدراستان الإنجليزية والبلجيكية، واللذَين نجحا في المهام التخيلية في عملية المسح، ظلَّا منعزلَين في تصرفاتهما؛ بمعنى أنهما من الخارج كانت تبدو عليهما الحيوية، لكن عقليهما ظلَّا مغيبَين. ردود أفعالهما الظاهرة في تصوير أدمغتهما هي وحدها التي كشفت أنهما ما زالا يحتفظان بقدر من الوعي.

وما يثير الدهشة، أن مريضًا واحدًا فقط من بين 31 مريضًا بحالة الحد الأدنى من الوعي، الذين شملتهم الدراسة، تمكَّن من اجتياز المهام التخيُّلية. وحذرت الافتتاحية التي صاحبت المقالة المنشورة، التي أعلنت عن هذه النتائج، في دورية "نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين" New England Journal of Medicine المرموقة، من أن هذا النوع من التلاعب الإرادي في نشاط الدماغ قد لوحظ في عدد قليل من المرضى فحسب، ولا يعني ذلك وجود أفكار داخلية كالتي تمر في أدمغتنا جميعًا طوال اليوم. وهو استنتاج منصِف للغاية، لكن المذهل وما قد يكون مبدلًا للوضع كله بالنسبة لهؤلاء المرضى، أن هذا الأسلوب قد طبقه أوين وزملاؤه -وخاصة مارتين إم. مونتي، الذي هو أستاذ في علم النفس في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس– بهدف إنشاء قناة تواصل ثنائية الاتجاه. يستطيع المرضى الإجابة عن سؤال بنعم من خلال تخيل لعب التنس مُددًا متكررة، تبلغ كل واحدة منها نصف دقيقة. ويمكنهم أن يجيبوا بلا عن طريق التجول ذهنيًّا في المنزل. إن هذه الطريقة البطيئة تعمل بشكل موثوق في المتطوعين الأصحاء – وهي بطيئة بسبب أن مسح المخ والتجهيز الحاسوبي المرتبط به يستغرق عدة دقائق لنقل إشارة واحدة بنعم أو لا. ويمكن فك شفرة الإجابات بدقة عالية من خلال النشاط الديناميكي الدموي في واحدة من منطقتي المخ: المنطقة الحركية الإضافية أو منطقة التلفيف المجاور للحصين.

حاول الفريق المكون من علماء وأطباء أعصاب تجربة هذه التقنية مع مريض من صربيا، كان يعاني إصابات كبرى في الدماغ قبل خمس سنوات. ورغم اعتباره في حالة إنباتية طبية، إلا أن الشاب أشار بشكل صحيح إلى أنه كان لديه إخوة وليس أخوات، وأن اسم والده كان ألكسندر وليس توماس، وأن رحلته الأخيرة كانت إلى الولايات المتحدة.

كانت هذه النتيجة لافتة للنظر. فكيف يكون شعورك عندما تستطيع بعد خمس سنوات من الصمت التام إرسال بعض الرسائل المتفرقة إلى العالم الخارجي، والعودة من المنطقة الرمادية البعيدة تلك؟ سأل الفريق الرجل سؤالًا واحدًا نهائيًّا: "هل تريد أن تموت؟"، وكان الجواب -كما تمت قراءته من نشاط الدماغ- غير حاسم بشكل محزن، وانتهت التجربة بعد ذلك.

كرر أوين بنجاح مهمة الاتصال هذه بعد عدة أعوام مع سكوت، وهو شاب أصيب في حادث سير، تم تشخيصه أنه يعاني من الحالة الإنباتية. فكان سكوت قادرًا على الإجابة عن الأسئلة التي تُطرح عليه -ومن بين تلك الأسئلة: "هل تشعر بأي نوع من الألم؟" فأجاب عن ذلك بلا.

لمجموعة متنوعة من الأسباب العملية، والتقنية، والعلمية، فإن التواصل عبر سلسلة من الأسئلة التي تُجاب بنعم أو لا، من خلال ماسح مغناطيسي، ليس أمرًا طبيًّا روتينيًّا يُمارَس مع المرضى المصابين بجروح في الدماغ. فهو لا يتطلب فقط معدات وأشخاص، ويستهلك الوقت، لكنه ربما يُنتِج أيضًا إجابات غير صحيحة.

لا يستطيع العديد من المرضى التحكم بالنشاط في المنطقة الحركية الإضافية ومنطقة التلفيف المجاور للحصين، أو يفعلون ذلك بشكل غير منتظم. فالإجراءات التي أثبتت كفاءتها في الأصحاء المشاركين في البحوث قد فشلت عند اختبارها في المرضى الذين تعرضت أدمغتهم لتغيُّرات كبرى بسبب المرض أو الصدمة. كما أن تنفيذ مهمة حركية خيالية أو تجوالية لا يتطلب مجهودًا إدراكيًّا كبيرًا مثل الإجابة عن الأسئلة باستخدام إحدى هاتين المهمتين، الأمر الذي يفسر لماذا لم ينجح في التواصل بهذه الطريقة سوى عدد محدود من المرضى الذين يعانون خللًا في الوعي، لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. لكن الغالبية يظلون للأسف الشديد غائبين عن العالم.