يتناول أغلب المرضى الأمريكيين المصابين بمرض السكري من النوع الثاني والبالغ عددهم 20 مليون مريض، دواء المتفورمين للمساعدة على السيطرة على مستويات الجلوكوز في الدم. ويتسم هذا الدواء بأنه شديد الأمان؛ إذ يتناوله ملايين المرضى منذ عقود ولم تظهر له سوى أعراض جانبية طفيفة عدا إزعاج الجهاز الهضمي. كما أن سعره منخفض للغاية، فتكلفة ما يحتاجه المريض شهريًّا من الدواء تبلغ 4 دولارات أمريكية إذا اشتراه من متاجر "وول مارت". واليوم، ثمة دراسات حديثة تشير إلى أن الميتفورمين ربما يساعد في حماية الدماغ من الإصابة بأمراض الشيخوخة، حتى لدى المرضى غير المصابين بالسكري.

وتعد الإصابة بداء السكري من العوامل التي تزيد من احتمالات الإصابة بالأمراض العصبية التنكسية، بيد أنه لوحظ أن استخدام الميتفورمين يصاحبه انخفاض ملحوظ في معدلات الإصابة بهذه الأمراض. وفي أشمل دراسة أجريت حتى اليوم حول آثار الميتفورمين على الإدراك، تابعت كيان شي وزملاؤها في جامعة تولين ستة آلاف مريض من قدامى المصابين بالسكري، وأظهرت النتائج أنه كلما طال أمد تناول المريض للميتفورمين، انخفضت فرص إصابته بأمراض ألزهايمر وباركنسون وغيرهما من الأمراض المرتبطة بالخرَف والتدهور الإدراكي. وتماشيًا مع بعض الدراسات السابقة الأصغر حول الاستخدام طويل الأمد للميتفورمين، فإن المرضى في الدراسة الجديدة الذين استخدموا الدواء أكثر من أربعة أعوام كان لديهم ربع معدل الإصابة بالمرض، مقارنة بالمرضى الذين لم يتناولوا سوى الإنسولين، أو الإنسولين إلى جانب أدوية أخرى للسكري؛ إذ أصبحت احتمالات إصابتهم بالمرض مقاربة للأشخاص العاديين. وقد عُرضَت هذه النتائج في شهر يونيو في اجتماع الجلسات العلمية للجمعية الأمريكية للسكري.

وتقول سوزان كرافت -عالِمة الأعصاب التي تدرس مقاومة الإنسولين في الأمراض العصبية التنكسية في كلية طب ويك فورست-: إنه حتى في حال عدم الإصابة بالسكري، يكون لدى مرضى ألزهايمر مستوى منخفض من الحساسية للإنسولين في الدماغ. وهذا الارتباط دفع البعض لتسمية مرض ألزهايمر باسم "داء السكري من النوع الثالث". وتقول كرافت إن الإنسولين يؤدي أدوارًا عديدة داخل الدماغ؛ فهو يُسهِم في تكوين الذاكرة، ويساعد على إبقاء الوصلات العصبية خالية من بقايا البروتين، بما في ذلك تشابكات تاو ولويحات أميلويد التي تتراكم في دماغ مريض ألزهايمر.

ومن ثَم، ربما يستطيع الميتفورمين علاج المشكلات الخاصة بالإنسولين في الدماغ مع التقدم في العمر، فقد أظهرت أبحاث أجريت على الحيوانات أن تأثير الإنسولين على الخلايا الجذعية العصبية قد يكون مفتاحًا للتوصل إلى علاج. وقد أوضح عالما الأعصاب جينج وانج وفريدا ميلر، اللذَين كانا في مستشفى ترونتو للأطفال، أنه عندما يُعطى دواء الميتفورمين لفئران لا تعاني من السكري تتحسن ذاكرتها، بفضل تزايُد أعداد الخلايا الجذعية العصبية، وكذا أعداد الخلايا التي تتطور إلى خلايا عصبية في حالة جيدة في الحُصين، وهو مركز الذاكرة في الدماغ.

كما تبشر التجارب السريرية على البشر بإمكانية علاج ألزهايمر في مراحله المبكرة. كشف ستيفن إي. أرنولد -عالِم الأعصاب بمستشفى ماساتشوستس العام- أن مرضى ألزهايمر في مراحله المبكرة أبدوا تحسنًا طفيفًا ولكنه مهم في الذاكرة والوظائف الإدراكية بعد تناول الميتفورمين لمدة ثمانية أسابيع مقارنة بأولئك الذين حصلوا على دواء وهمي. كما أظهر تصوير الدماغ بالأشعة تحسنًا في عمليات الأيض العصبي. وهذا التأثير البسيط هو الطبيعي عندما يتعلق الأمر بمرض ألزهايمر، حتى بالنسبة للأدوية المتعارف عليها والمعتمدة فإن تأثيرها يكون متواضعًا ومحدود المدة. وتقول كرافت: "وهذا أحد الدوافع الكبرى لمحاولة التوصل إلى علاجات جديدة".

ويأمل أرنولد في إجراء تجربة أكبر يمكن من خلالها تقييم فاعلية الميتفورمين بصورة أفضل، ولكن تتمثل المشكلة في توفير مصادر للتمويل. ووفق أرنولد، فإن انخفاض الأرباح -نظرًا لأن الميتفورمين دواء عام ومنخفض السعر- لا يشجع شركات الأدوية على إجراء اختبارات عليه. ويقول أرنولد: "إنه دواء بسيط، وشائع، ومنخفض السعر، قد يؤثر على أحد الجوانب المهمة للتدهور الإدراكي لدى المرضى المسنين، وثمة سبب علمي قوي يدعو إلى دراسته. والآن نحتاج حقًّا إلى دراسته بطريقة تمنحنا جوابًا واضحًا حول قدرة الدواء على المساعدة". ويرى أرنولد أنه إذا توفر التمويل، يمكن إتمام دراسة تمنحنا جوابًا حاسمًا خلال عامين.

كما يعمل فريقا كرافت وأرنولد البحثيان على التوصل إلى مؤشرات حيوية قابلة للقياس لذلك المرض، حتى يتمكنوا من تحديد المرضى المعرضين بقوة للإصابة بالاضطرابات العصبية التنكسية في مرحلة مبكرة. ويمكن لهؤلاء المرضى أن يتناولوا الميتفورمين وغيره من المواد التي تزيد حساسية الجسم للإنسولين لتجنب بدء الإصابة بهذه الاضطرابات.