هبَّ النسيم بعد ظهر أحد أيام الربيع الماضي ولطَّف من حرارة الشمس، التي تشبه كرة سلة متوهجة في سماء غرب أفريقيا. بين حين وآخر، تحرك الرياح ثمرة مانجو على فرع إحدى الأشجار، وتلقي بها لتصدر صوتًا مكتومًا عند سقوطها على السقف الحديدي المعرَّج الذي يغطي المركز الصحي في بيساو، كبرى مدن البلد الصغير غينيا بيساو، التي لم تستقبل أرضها التي تلونت بلون الصدأ قطرةَ مطرٍ واحدةً منذ ستة أشهر. أما في داخل البناية، فقد كان الهواء ساكنًا وجافًّا، وكان ثمة صفٌّ من النساء والأطفال الصغار يتعرقون من حرارة الجو.

حدقت طفلة عمرها 18 شهرًا تُدعى ماريا لها ضفائر سوداء سميكة فيَّ بإمعان وعصبية وهي جالسة في حجر والدتها (غيرتُ اسم الطفلة حفاظًا على خصوصيتها). وإلى جوار الطفلة ووالدتها، جلس الطبيب كارليتو بالي، وهو رجل عذب الصوت يرتدي قميصًا أبيض ذا أزرار وأكمام قصيرة، يتحدث إلى والدة ماريا باللغة الكريول البرتغالية، وهي مزيج إيقاعي من اللغة البرتغالية واللهجات الأفريقية. كان بالي يقول للأم إن ماريا مؤهلة للمشاركة في تجربة سريرية لاختبار ما إذا كانت جرعةٌ إضافيةٌ من لقاح الحصبة سوف تقي، ليس فقط من الحصبة، بل أيضًا من العديد من الأمراض المعدية الخطيرة التي تصيب الأطفال وتؤدي إلى الوفاة.

في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تندر الأمراض المُعدية المهددة للحياة، قد لا تحظى تجربةٌ كهذه بالكثير من المتطوعين. لكن في غينيا بيساو، حيث ظلت حياة الكثيرين تُشَوَّه على مدار عقود بسبب ندرة الموارد وسوء الرعاية الصحية، اصطفت الأسر بأعداد كبيرة للتطوع في هذه التجربة. يُعَد هذا البلد واحدًا من أفقر بلاد العالم، وتصنف وكالة الاستخبارات الأمريكية معدل وفيات الأطفال هناك بأنه رابع أعلى معدل بين 225 دولة. وكثيرًا ما تنتظر الأمهات شهورًا قبل أن يسمين أطفالهن؛ إذ يتوفى طفل من كل 12 طفلًا قبل أن يتم عامه الأول.

جمع الباحثان اللذان يقودان التجربة –وهما عالِم الأنثروبولوجيا بيتر آبي والطبيبة كريستين بين– واللذان سافرت إلى غينيا بيساو للقائهما، أدلةً تثبت أن بعض اللقاحات المحددة بإمكانها أن تحول دون الإصابة بالعديد من الأوبئة المهددة للبشرية. وعلى مدار عقود، نشر الباحثان مئات الدراسات التي تشير إلى أن اللقاحات الحية الموهَنة –المصنوعة من فيروسات أو بكتيريا حية ولكن جرى إضعافها– ليست فقط قادرةً على الوقاية من الإصابة بالأمراض التي تستهدفها، بل يمكنها أيضًا منع الإصابة بأمراض أخرى مثل أمراض عدوى الجهاز التنفسي (ومنها الالتهاب الرئوي)، وأمراض الدم (ومنها تعفُّن الدم)، وعدوى الإسهال. وفي مراجعة نُشِرَت في الدورية الطبية البريطانية BMJ في عام 2016، حلَّل فريق بحثي مُكَلَّف من منظمة الصحة العالمية 68 ورقة بحثية حول الموضوع، وكان كثير منها من أبحاث آبي وبين. توصلت المراجعة إلى أن لقاحي الحصبة والسل "قللا إجمالي معدل الوفيات بأكثر مما كان يُتَوقَّع من خلال تأثيرهما على المرضين اللذين يقيان منهما". وقد ربطت بعض الأبحاث التي قيَّمها الفريق البحثي بين لقاح الحصبة والانخفاض الهائل بنسبة 50% لاحتمال الوفاة لأي سبب مرضي.

وهذه النظرية التي تفيد بأن اللقاحات الحية لها ما يسمَّى آثارًا "غير مستهدفة" –وقوية– تمتد إلى خارج أفريقيا. ففي عام 2017 في الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، ذكر باحثون في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 شهرًا تقل احتمالات احتجازهم بالمستشفى نتيجةً للإصابة بعدوى غير مستهدفة باللقاحات إلى النصف في حال كان آخر تحصين حصلوا عليه لقاحًا حيًّا وليس لقاحًا مُعَطَّلًا. وتشير أبحاث جديدة في علم المناعة إلى أن اللقاحات الحية من الممكن أن يكون لها مثل هذه التأثيرات واسعة النطاق؛ لأنها تُحفز ذلك الجزء من الجهاز المناعي الذي يخوض حربًا واسعة النطاق ضد جميع الغزاة الخارجيين، مما يعطي الجهاز المناعي ميزةً مبكرةً للدفاع عن الجسم. يقول فرانك شان، طبيب الأطفال في مستشفى رويال تشيلدرين مِلبورن في أستراليا: "على الرغم من أننا ما زلنا بحاجة إلى معرفة المزيد من التفاصيل، لم يعد لديَّ شك الآن في أن اللقاحات تُحدِث آثارًا غير مستهدفة، وذلك بسبب الأدلة الكثيرة المختلفة التي تدعم ذلك".

إلا أن علماء آخرين لا يزالون يشكون في هذه الاستنتاجات كثيرًا. وفي الواقع، فإن أبحاث آبي وبين تثير الكثير من الجدل. وأحد أسباب ذلك هو أن أغلب الدراسات التي أجراها الباحثان الدنماركيان لا تثبت الصلات بين السبب والنتيجة. ويصف بول فاين -عالِم الأوبئة والأمراض المعدية في كلية لندن لشؤون الصحة وطب المناطق الاستوائية- هذه الآثار بأنها "آثار مزعومة". فالأطفال الذين يحصلون على لقاحات حية قد يعيشون أطول لأسباب لا علاقة لها بالتحصينات؛ فربما كان أطفال هذه المجموعات التي تحصل على اللقاحات يتمتعون بصحة أفضل منذ البداية. وللرد على هذه المخاوف، يجري آبي وبين حاليًّا تجارب للتطعيمات، كتلك التي ستشارك فيها ماريا. وفي هذه التجربة، ستجري مطابقة الأطفال من حيث العمر والحالة الصحية الأساسية، غير أن بعضهم سيتلقى فقط الجرعة القياسية المنفردة للقاح الحصبة عند عمر تسعة أشهر، في حين سيحصل آخرون على جرعة إضافية في مرحلة المشي.

ويرد الباحثان أيضًا قائلَين إن ثمة مخاوف سياسية ونفعية تقود المقاومة ضد أفكارهما أكثر بكثير من الانتقادات العلمية المشروعة. يقول آبي إن أبحاثه هو وبين غير ملائمة للسياسة العامة؛ لأنها تشير إلى أن اللقاحات الحية لا بد أن تُعطَى أخيرًا في أي تسلسل لإعطاء اللقاحات، ما سيقلب جداول التحصينات الحالية رأسًا على عقب، وقد يتسبب دون قصد في قلق الآباء بشأن سلامة التحصينات. ويقول آبي: "إن علماء الصحة العامة لا يريدون سماع ذلك، وأستطيع أن أتفهم السبب". ويزعم أنه نتيجةً لذلك، يعتبره الكثير من باحثي اللقاحات التقليديين المتعصبين "شخصًا غير مرغوب فيه بكل صراحة". ويلائم العالِم البالغ من العمر 74 عامًا، الذي يرتدي نظارة، وله لحية صغيرة رمادية، دور الشخص غريب الأطوار، العنيد، والذي أسيئ فهمه بشدة، لدرجة أنه أصبح شخصًا في رواية بالمعنى الحرفي للكلمة؛ فقد استُلهِمت منه شخصية في إحدى القصص البوليسية الدنماركية الأفضل مبيعًا في عام 2013، التي تحمل عنوان The Arc of The Swallow، وتتعرض هذه الشخصية للقتل في الفصل الأول من الكتاب.

أما في الحياة الواقعية، فقد تكون أفكار آبي وبين على مشارف الوصول إلى نقطة تحوُّل. فقد كتبت منظمة الصحة العالمية في تقرير صدر في عام 2014 أن التأثيرات غير المحددة للقاحات تبدو "معقولة وشائعة" وتستحق المزيد من الاهتمام. ومن ثم، أعلنت المنظمة في أبريل عام 2017 أنها ستشرف على تصميم تجربتين سريريتين سيمتدان لأعوام لإجراء المزيد من الاختبارات على الفرضية، إلا أن هاتين التجربتين لم يبدآ بعد. يمضي الباحثان –اللذان تطورت علاقتهما المهنية إلى علاقة رومانسية طويلة الأجل– قدمًا نحو إجراء المزيد من تجاربهما أيضًا. وإحدى هذه التجارب هي التجربة التي فكرت والدة ماريا في إشراك ابنتها فيها. وكما رأيت في المركز الصحي، فقد قررَت تسجيل ابنتها فيها، لذا أمسك الطبيب بالي مظروفًا كبيرًا يحوي العشرات من الأظرف المغلقة الأصغر حجمًا ودفعه مفتوحًا نحو والدة ماريا وطُلب منها أن تختار واحدًا، وهي خطوة تضمن أن ابنتها ستوضع عشوائيًّا إما في مجموعة العلاج وإما في المجموعة الضابطة. وعند فتح المظروف الذي اختارته، أعلن بالي أن ماريا ستحصل على اللقاح الإضافي، وظهرت على وجه الأم ابتسامة أمل. حملت الأم ابنتها إلى الغرفة المجاورة، حيث كانت تنتظرها ممرضة ترتدي ثوبًا أبيض طويلًا وربطة عنق برتقالية اللون ونظارة سوداء، وعلى وجهها ابتسامة لطيفة، وكانت تحمل في يدها حقنة.

دليل الحصبة

في عام 1979، وبعد فترة قصيرة من إطلاق مشروع لمراقبة الصحة في بيساو، شاهد آبي في شبابه في ذلك الوقت الحصبة وهي تقتل طفلًا من كل أربعة أطفال في المنطقة. وكانت تلك هي السنة التي رأى فيها لأول مرة جسدًا لمتوفى، ورأى أكثر بكثير من متوفى واحد.

في ذلك الوقت، كانت لقاحات الأمراض التي تصيب الأطفال نادرةً في أفريقيا. تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنه في عام 1980، تلقَّى 6% فقط من الأطفال الأفارقة أول جرعة من لقاح الحصبة الحي، وتلقى 8% أول لقاح ثلاثي معطل، يقي من الديفتريا، والكزاز، والسعال الديكي (DTP). لم يكن اللقاح الثلاثي جديدًا، فقد حصل هذا المزيج اللقاحي على الترخيص في عام 1949، ومع ذلك فبعد ترخيصه بواحد وثلاثين عامًا، كان أقل من طفل واحد من بين كل 12 طفلًا أفريقيًّا هو مَن يحصل على جرعة منه. وفي الواقع، لم يكن متوافرًا سوى القليل من لقاحات مرحلة الطفولة في أفريقيا في ذلك الوقت. وإلى جانب اللقاح الثلاثي ولقاح الحصبة، كان يوجد أيضًا لقاح السل الحي المسمى "عصيات كالميت جيران" (بي سي جي BCG)، ولقاح شلل الأطفال الحي. ومن ناحية أخرى، تلقى 86% من الأطفال في الولايات المتحدة في عام 1980 لقاح الحصبة الحي، وتلقى 98% منهم اللقاح الثلاثي المعطل، وتلقى 95% لقاح شلل الأطفال الحي. يتلقى الأطفال الأفارقة اليوم لقاحات أكثر بكثير مما اعتادوا عليه في الماضي، غير أنهم لا يزالون متأخرين عن الأمريكيين بدرجة يُرثى لها.

كريستين بين وبيتر آبي يجلسان أمام منزلهما في غينيا بيساو. كثير من أبحاثهما حول اللقاحات أجري في هذا البلد
Credit: Sofia Busk Hansen

في عام 1978، قبل عام من بدء التفشِّي التاريخي لوباء الحصبة، كان آبي قد أُرسِل إلى غينيا بيساو من قبل منظمة سويدية لدراسة سوء التغذية. وعندما اجتاح الوباء المدينة، استخدم نفوذه لاستيراد لقاح للحصبة، وبدأ في تحصين الأطفال المحليين، وفي الوقت نفسه استمر في رصد معدلات الإصابات والوفيات. اتسمت الخطوة بالجرأة؛ ففي ذلك الوقت كانت السلطات المعنية بالصحة العامة تعتقد أن حملات التحصين ضد الحصبة في أفريقيا ليست إلا تبديدًا للمال والجهد. وفي دراسة نُشِرَت في عام 1981 في دورية "لانسيت"، حلل باحثون بيانات البقاء على قيد الحياة بعد حملة لقاح الحصبة في دولة زائير، واستنتجوا أنه في المستقبل، "قد يكون من المفيد التفكير مرتين قبل تخصيص موارد نادرة بالفعل لبرنامج كهذا". فقد احتجوا بأن الحصبة حصدت أرواح الأطفال الأشد ضعفًا؛ فحتى وإن كان اللقاح قد منع الإصابة بالمرض، فإن الأطفال الناجين سيموتون لسبب آخر عما قريب.

لم تدعم التجربة التي خاضها آبي هذا الرأي. فالأرقام التي رآها قبل الحملة وبعدها كانت مذهلة: ففي عام 1979، العام الأول للتفشي، توفي 13% من الأطفال المحليين الذين تبلغ أعمارهم بين ستة أشهر وثلاثة أعوام، أما في عام 1980 عندما توافر لقاح الحصبة فقد بلغ عدد الوفيات 5% فقط. وعلى نحو مثير للدهشة، انخفضت الوفيات الناجمة عن أسباب أخرى غير الحصبة بنسبة الخُمس بين عامي 1979 و1980 أيضًا. وقد استمر هذا الاتجاه. وحتى بعد أن اختفت الحصبة، ظل الأطفال المحصَّنون أكثر قدرةً على النجاة من أمراض معدية أخرى مقارنةً بأقرانهم الذين لم يُحَصَّنوا. يقول آبي متذكرًا: "كانت واحدة من تلك اللحظات التي ترى فيها فجأةً شيئًا لم تكن لتصدق أبدًا أنه ممكن الحدوث". كتب آبي وزملاؤه خطابًا إلى دورية "لانسيت" يدحضون فيه نظرية أن حملات التحصين ضد الحصبة غير مفيدة، وكان هذا الخطاب أول منشور له على الإطلاق في دورية طبية. بعد ذلك، يقول: "أصبحت مهووسًا" بلقاح الحصبة.

نشر آبي حتى الآن أكثر من 100 دراسة حول هذا اللقاح. وأحد أسباب ذلك هو برنامج المراقبة الخاص به، "مشروع بانديم للصحة"، وهو جهد تعاوني بين وزارة الصحة في غينيا بيساو ومعهد ستيت سيروم في الدنمارك. ظل البرنامج طوال أكثر من 40 عامًا يسجل جميع حالات الحمل، والولادة، والوفيات في مقاطعة بيساو الحضرية في بانديم، إضافةً إلى خمس مناطق ريفية مجاورة. رصد فريق آبي هناك الحالة الصحية لأكثر من 500 ألف شخص يعيشون في تلك المناطق، وجمعوا بيانات بشأن حالات الاحتجاز بالمستشفى من جَرَّاء الإصابة بالعدوى، والتطعيمات، والاختيارات المرتبطة بالصحة، مثل ما إذا كان الناس ينامون داخل ناموسيات أم لا. وفي أحد الأيام، في أثناء زيارتي وبينما كنت أتجول مع آبي، قالت له أم تحمل طفلًا إنها تتذكره، فقد زارها وهي طفلة قبل نحو 30 عامًا. زملاء آبي ومساعدوه في المشروع يطلقون عليه بحب "هوميم جراند"، وهي تعني "الرجل الكبير".

كان آبي دائمًا ما يعمل منفردًا نوعًا ما؛ فهو يُمضي أيامًا كثيرة يعمل فيها بمفرده في مكتبه بمنزله، إلا أن هذا الأمر قلَّ خلال الخمسة عشر عامًا الماضية. عندما كانت بين تدرس في كلية الطب في عام 1992 في جامعة آرهوس في الدنمارك، نُصِحَت بأن تتواصل مع آبي لأنها أرادت أن تدرس إن كان المكمل الغذائي فيتامين أ –الذي يُعطَى على نحو روتيني مع لقاح الحصبة في الدول النامية– يتفاعل بأي شكل من الأشكال مع اللقاح. تقول بين –البالغة من العمر خمسين عامًا– وهي تجلس على مقعد في الحديقة الخلفية لمنزل آبي وذراعاها يضمان ساقيها: "ما زلت أحتفظ بالورقة المدون عليها رقم هاتفه". ومنذ ذلك الوقت وهي تعمل مع آبي. تعمل بين حاليًّا أستاذًا في الصحة العالمية في جامعة ساوثرن دنمارك، وتدير الذراع الدنماركي لمشروع بانديم للصحة. تتميز بين بإنتاجها البحثي الغزير؛ فقد نشرت أكثر من 200 بحث حول مسائل تتضمن الآثار غير المتخصصة للقاحات، وتأثير المكمل الغذائي فيتامين أ على الأطفال الرضع في الدول النامية. تصف بين الدنمارك بالوطن، ولكنها تمضي نحو 10 أسابيع سنويًّا في غينيا بيساو. ويفيد الباحثان المجال –وعلاقتهما– بشخصيتيهما المتكاملتين؛ فبين مفعمة بالحياة ومحبة للفلسفة، وآبي جاد ودقيق.

دعمت أعمال آبي وبين الخاصة بلقاح الحصبة في معظمها ملحوظات آبي الأصلية. ففي دراسة بارزة نُشِرَت في عام 1995 في الدورية الطبية البريطانية BMJ، حلل آبي وبين بيانات من 12 دراسة نُشِرَت من قبل -بعضها كانت خاصة بهما- حول العلاقة بين لقاح الحصبة ومعدل الوفيات في الدول النامية. ووجدا أن اللقاح ارتبط بحدوث انخفاض بنسبة 30 إلى 86 بالمئة في معدل الوفيات الكلي. وفي كل دراسة، تسببت الحصبة نفسها في قتل نسبة ضئيلة من الأطفال الذين لم يتلقوا اللقاح، لذا فإن اللقاح لم يقتصر دوره على منع الحصبة، بل إن شيئًا آخر كان يحدث. وفي دراسة نُشِرَت في عام 2014 في دورية "جاما" JAMA، تعاون آبي وبين مع باحثين دنماركيين لدراسة ما إذا كانت هذه التأثيرات الوقائية قد امتدت إلى الدول ذات الدخل المرتفع. وجد الباحثون أن الأطفال الدنماركيين الذين تلقوا اللقاح التوليفي الحي المضاد للحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) كآخر تحصين لهم كانوا أقل عرضةً للاحتجاز بالمستشفى بنسبة 14% بسبب أي عدوى مقارنةً بالأطفال الذين تلقوا في نهاية التحصينات اللقاح غير النشط DTaP-IPV-Hib المضاد للدفتيريا، والتيتانوس، والسعال الديكي اللاخلوي، وشلل الأطفال، والإنفلونزا النزفية من النوع ب. ألهمت هذه الدراسة التحليل الذي أجرته مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في عام 2017، والذي وجد أن اللقاحات الحية مرتبطة بتحقيق المزيد من الوقاية في الولايات المتحدة الأمريكية.

وكذلك ربط آبي وبين لقاح "عصيات كالميت جيران" (بي سي جي BCG) بانخفاض وفيات المواليد، كما درسا لقاح شلل الأطفال الحي. وذكرا في دراسة نُشِرَت في عام 2018 أن معدلات وفيات الأطفال انخفضت بنسبة 19% بعد حملات التطعيم ضد شلل الأطفال عما قبلها، كما توصلت دراسة سريرية نشراها في عام 2015 إلى أن لقاح شلل الأطفال الفموي الذي يُعطَى للطفل في غضون يومين من الولادة مع لقاح بي سي جي يخفض احتمالات الوفاة بنسبة 42% مقارنةً بلقاح بي سي جي وحده. واستنادًا إلى نتائجهما بصورة جزئية، كتب 15 عالمًا خطابًا إلى دورية "لانسيت" في عام 2016 يزعمون فيه أن التحول العالمي من لقاح شلل الأطفال الفموي الحي إلى لقاح شلل الأطفال غير المفعل –الذي يشكل جزءًا من خطة طوَّرتها المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال– يمكن أن يزيد دون قصد من وفيات الأطفال.

ويثق العالمان بأن الأدلة التي جمعاها تشير إلى استنتاج واضح هو أن اللقاحات تُحدث آثارًا أعمق مما كنا نتوقع على الجسم. واللغز الكبير الذي يحاولان حله هو كيفية حدوث ذلك بالتحديد.

معزِّز واسع النطاق

ربما كانت الإجابة عند ميهاي جي. نِتيا. في عام 2010، شرع نِتيا –وهو عالِم مناعة بجامعة رادبود في هولندا– في دراسة لم يكن يتصور أنها ستكون مثيرةً للاهتمام إلى هذه الدرجة. كان مختبره يدرس كيف يؤثر لقاح بي سي جي على الخلايا المناعية في الإنسان، كيف يعلِّمها أن تتعرف على بكتيريا المتفطرة السُّلِّيَّة Mycobacterium tuberculosis وتهاجمها. ولتوفير مرجع تجريبي للاختبار، عرَّض العاملون بالمختبر عينات دم من متطوعين مُحَصَّنين للفطر الشائع كانديدا ألبيكانس Candida albicans. وبناءً على نظرية مقبولة في علم المناعة تفيد بأن اللقاحات تستحث استجابات مناعية خاصة بمُمْرِضات مستهدفة، فلن يظهر للقاح بي سي جي أي تأثير على استجابة الدم للكانديدا.

وبعد بضعة أسابيع، توجهت الطالبة التي تُجري الاختبار إلى نِتيا وهي قلقة. ويتذكر نِتيا أنها قالت له: "أعتقد أني فعلت شيئًا خطأً، لأني أرى تغيرات مع السل والكانديدا". ربما تلوثت عيناتها، لذا اقترح عليها أن تجمع المزيد من عينات الدم وتعيد التجربة مرةً أخرى. ولكن عندما كررت التجربة حدث الأمر ذاته ثانيةً. ويقول نِتيا إنها جاءت إليه مرةً أخرى وقالت: "حسنًا، لا أعرف ماذا عليَّ أن أفعل، ولكني أشاهد الشيء نفسه يحدث ثانيةً". وهنا شعر بالحيرة، لذا بدأ في القراءة عن بي سي جي ووجد مجموعةً من الدراسات الحيوانية المدهشة التي تشير إلى أن اللقاح وقى بعض الحيوانات كذلك من الإصابة بالملاريا، والإنفلونزا، واللستيريا مونوسايتوجينز، وهو سبب شائع لمرض ينتقل عن طريق الغذاء.

Credit: Jen Christiansen; Sources: “Trained Immunity: A Program of Innate Immune Memory in Health and Disease,” by Mihai G. Netea et al., in Science, Vol. 352, April 22, 2016, and “Innate Immune Memory: A Paradigm Shift in Understanding Host Defense,” by Mihai G. Netea et al., in Nature Immunology, Vol. 16; July 2015

وعندها تحولت دراسة نِتيا البسيطة إلى سيرينا يونانية، أي أمر يستحوذ على اهتمامه الكامل. كيف يمكن للقاح ضد السل أن يغير طريقة استجابة الجسم لمُمْرِضات أخرى؟ تناقضت الفكرة مع أفكار راسخة. تهيئ التحصينات الجسم لإنتاج بروتينات تسمى الأجسام المضادة، التي تتعرف على بروتينات المُمْرِضات، وتتعلق بها، وتهاجمها في حال تعرض الجسم لها مرةً أخرى. تسمَّى هذه الآلية الدفاعية مناعة تكيُّفية، وهي تعمل مثل فريق من القناصة يستهدف أهدافًا محددة فقط. وبالنظر إلى تخصصية المناعة التكيُّفية، لم يكن منطقيًّا بالنسبة لنِتيا أن تكون مسؤولةً عن قدرة لقاح بي سي جي على الوقاية من عدد من الهجمات لمُمْرِضات أخرى.

ثمة نوع آخر من دفاعات الجسم –وهو نوع ظن الباحثون على مر التاريخ أنه ليس له علاقة باللقاحات– وهو المناعة الفطرية، وهي أشبه بكتيبة أُمِرَت بإطلاق النيران على أي شيء يظهر في نطاق رؤيتها. هذا النوع يشبه فريق الاستجابة السريعة، الذي يبدأ الحرب ضد أي غازٍ جديد. عندما تغزو مُمْرِضات الجسم، تنجذب خلايا التهابية فطرية إلى موقع الإصابة. تبتلع أعداد كبيرة من خلايا الدم البيضاء -تسمى الخلايا البلعمية، وتحديدًا نوع منها يسمى الخلايا البلعمية الكبيرة– المُمْرِضات وتدمرها. كما أنها تفرز كذلك مواد كيميائية مناعية تدعى السيتوكينات، التي تجلب خلايا مناعية أخرى إلى الموقع. يُنْتج هذا التفاعل بروتينات تَسِم المُمْرِضات بحيث تسَهِّل على الخلايا البلعمية مهمة العثور عليها.

ولما كان لقاح بي سي جي يعزِّز الوقاية من مُمْرِضات متعددة، فقد بدا منطقيًّا لنِتيا أن الجهاز المناعي الفطري ربما كان يؤدي دورًا في الأمر. بيد أن الفكر التقليدي يفيد أن الجهاز المناعي الفطري لا يستطيع "تذكر" الهجمات المناعية التي حدثت في الماضي، مثل التحفيز الناتج عن اللقاحات السابقة. ظل الاعتقاد السائد مدةً طويلة أن الخلايا المناعية الفطرية تهاجم ما تراه أيًّا كان، ثم تنسى كل شيء عن تلك المعركة بعد ذلك، مثل جندي أصيب بفقدان الذاكرة. لكن هذه الافتراضات كانت خطأً إلى حد مأسوي.

ففي دراسة نُشِرَت عام 2012 في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences في الولايات المتحدة الأمريكية، اكتشف نِتيا وفريقه أن الخلايا المناعية البشرية التي جهزها لقاح بي سي جي أنتجت أربعة أضعاف من أحد الأنواع المهمة من السيتوكينات الذي يسمى "إنترفيرون جاما" ((IFN-γ، وأنتجت الضعف من نوعين من السيتوكينات هما "عامل نخر الورم" (TNF) و"إنترلوكين-1 بيتا" (IL1β) عندما تعرضت لاحقًا لمُمْرِضات أخرى. وبإمكان الخلايا أن تُظهر هذه الاستجابات المحسَّنة لمدة تمتد لثلاثة أشهر بعد تلقِّي اللقاح، وهو ما يشير إلى أن الجهاز المناعي الفطري يمكنه في الحقيقة تذكُّر ما يتعلمه. ومؤخرًا، في عام 2018، ذكر الباحثون أن لقاح بي سي جي يعيد برمجة الخلايا المناعية البشرية بطرق تساعدها على صد هجوم فيروس الحمى الصفراء.

تقول هيلين جودريدج، اختصاصية المناعة بمركز سيدرز سايناي الطبي في لوس أنجلوس إن نِتيا "خلق في الواقع مجالًا جديدًا في علم المناعة الفطرية". وكذلك تدعم دراسات أجرتها مختبرات أخرى نظريته؛ إذ أظهرت أن لقاح الحصبة يعزز استجابة الجسم المناعية ضد السم الذي تنتجه بكتيريا التيتانوس، وكذلك استجابته عند التعرُّض لفطر الكانديدا.

لم يتضح بعد كيف يُحدِث لقاح الحصبة آثارَه واسعة النطاق، بيد أن عمل نِتيا يشير إلى أن لقاح بي سي جي يدرب الجهاز المناعي الفطري عن طريق إحداث تغييرات في الأيض الخلوي، وعن طريق صياغة طريقة للتحكم في جينات مناعية أساسية. فبعد أن يتلقى شخصٌ ما لقاح بي سي جي، توضع علامات جزيئية صغيرة على جينات مهمة مرتبطة بالمناعة، وهذه العلامات بدورها تتعرف فيما بعد على الجينات بحيث تنشطها سريعًا عند مهاجمة مُمْرِض آخر للجسم. ولماذا يُحدِث لقاح حيّ هذه الآثار أفضل من لقاح معطّل؟ يفترض الباحثون أن الكائنات الحية قد تحفز استجابةً مختلفةً لأنها ببساطة حية، وليست مجرد قطع وأجزاء من كائن حيّ مثلما يكون عليه الحال في اللقاحات المعَطَّلة. (العدوى الحقيقية الكاملة، مثل عدوى الحصبة، لا تنتج على ما يبدو هذه الآثار النافعة، بل يمكنها في الواقع أن تثبط المناعة).

طفل حديث الولادة يتلقى تطعيمًا ضد السل في مستشفى في غينيا بيساو. تشير بعض الدراسات إلى أن اللقاح يقي من الإصابة بالكثير من الأمراض.
Credit: Melinda Wenner Moyer

وفي الوقت الذي كان نِتيا ينهي فيه دراسته التي أجراها في عام 2012 في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences في الولايات المتحدة الأمريكية، صادف تجربةً نشرها آبي وبين تشير إلى أن لقاح بي سي جي يخفض من وفيات المواليد عمومًا، وهو الاكتشاف الذي تعرَّض للنقد لكونه مستحيلًا بيولوجيًّا. شعر نِتيا بالحماس وكتب خطابًا لآبي يخبره فيه أنه اكتشف للتو آليةً تفسر ما اكتشفه آبي. ومنذ ذلك الوقت، عمل الباحثان ومعهما بين لاكتشاف الجانب المناعي وراء بيانات غينيا بيساو. يقول توبياس كولمان، اختصاصي المناعة وطبيب الأمراض المعدية بجامعة كولومبيا البريطانية الذي يتعاون أحيانًا مع آبي وبين ونِتيا: إن اللقاحات "يبدو أنها تغير الجهاز المناعي، وهي لا تفعل ذلك بالطريقة التكيُّفية المختصة بالمُمْرض فقط، بل تغيره بكل الطرق الممكنة المختلفة".

تجارب قيد التقييم

يقر نيل هالسي بأن آبي قدم إسهامات مهمة في أبحاث اللقاحات على مدار حياته المهنية، لكنه يرى أن عمله الخاص بالآثار غير المستهدفة لا يُعَد واحدًا منها. يسترجع هالسي -المدير السابق لمعهد جامعة جونز هوبكينز لسلامة اللقاحات- ذكرياتٍ بعيدةً مع العالِم الدنماركي. فهو يتذكر أنه في الثمانينيات كان آبي أول مَن يتعرف على مشكلة محتملة تتعلق بسلامة لقاح جديد ذي تركيز أعلى ضد الحصبة جرى إدخاله في غينيا بيساو وغيرها من الدول النامية. في البداية لم يصدقه أحد، ويبدو أن ذلك نمطٌ متكرر الحدوث مع آبي، ولكن هالسي فحص بياناتٍ كان قد جمعها من هاييتي ولاحظ الآثار نفسها. وقد استندت منظمة الصحة العالمية -إلى حدٍّ كبير- إلى اكتشافاتهما عندما سحبت اللقاح ومنعت استخدامه في عام 1992.

إلا أن هالسي يرى اليوم أن آبي ينحاز إلى قناعاته على حساب العلم. ففي المؤتمر العالمي للقاحات الذي عُقد في واشنطن العاصمة في عام 2018، قال هالسي إن البيانات التي جرى جمعها من غينيا بيساو قد تكون صحيحة، إلا أن آبي وبين استنتجا منها علاقات سببية، وما كان لهما أن يفعلا ذلك. فكثيرًا ما يكون الأطفال الذين يتلقون اللقاح في الوقت المناسب مختلفين تمامًا عن أولئك الذين لم يتلقوه؛ فربما كانت حالتهم الصحية أفضل منذ البداية، أو ربما حظوا بآباء أكثر ثراءً لديهم الوسائل التي تساعدهم على أخذهم إلى طبيب والاعتناء بهم على نحوٍ أفضل إجمالًا. ويقول هالسي إن استنتاج أن اللقاحات مسؤولة عن مجموعة مختلفة واسعة النطاق من الآثار الطبية يُعَد من باب المبالغة الشديدة.

وتوضح دراسة هولندية نُشرت في الدورية الطبية البريطانية BMJ في عام 2017 وجهة نظره. فقد حلل باحثون معدلات احتجاز الأطفال الدارجين بالمستشفيات، الذين تلقوا لقاحًا حيًّا ضمن أحدث تطعيماتهم، وقارنوها بمعدلات احتجاز الأطفال الدارجين الذين تلقوا حديثًا لقاحاتٍ معطلةً فقط. اكتشف العلماء أن الأطفال الذين تلقوا لقاحًا حيًّا انخفض احتجازهم بالمستشفيات بسبب الإصابة بعدوى بنسبة 38%، إلا أن هؤلاء الأطفال انخفضت نسبة احتجازهم بالمستشفيات نتيجةً للتعرُّض لإصابات أو للتسمُّم بنسبة 16% أيضًا. واللقاحات لا تؤثر على احتمالات التعرُّض لحادث، ولكن حقيقة أن الباحثين وجدوا مثل هذه العلاقة تؤكد مفهوم أن تاريخ الشخص الخاص بالتحصينات يؤثر على عوامل أخرى في حياته. ورغم ذلك يقر مؤلفو الدراسة بأن الطريقة التي تُعطى بها اللقاحات في هولندا –حيث تكون محددة مسبقًا، وعادةً لا يلغيها الآباء إلا في حالة مرض أطفالهم– أسهمت على الأرجح في زيادة ما يسمى بتأثير "متلقي التطعيم المعافى"، وأن النتائج من دول أخرى قد لا تكون متحيزة بهذه الشدة.

ولأنه يصعب تفسير العلاقة السببية من الدراسات القائمة على الملاحظة، طالب هالسي وآخرون آبي وبين بأن يُجريا المزيد من التجارب المنضبطة المعشاة التي يُطلَق عليها المعيار الذهبي للكشف عن آثار أحد التدخلات. في هذه الدراسات، يجري اختيار الأطفال عشوائيًّا لتلقِّي لقاحات حقيقية أو وهمية ثم يخضعون للمتابعة مع مرور الوقت. تستبعد هذه الاختيارات العشوائية فرصة أن يؤدي الوضع الاجتماعي الاقتصادي أو الحالة الصحية العامة دورًا في قرارات التطعيم. تكمن المشكلة في أن اللقاحات موصى بها بالفعل بوصفها سياسة عامة على مستوى العالم، لذا فإن منع الباحثين الأطفال من التطعيم لإخضاعهم لدراسة يُعَد أمرًا غير أخلاقي. لذا ينبغي على العلماء أن يكونوا مبدعين، فعليهم أن يصمموا تجارب تمنح الأطفال لقاحات إضافية أو مبكرة، أو يستفيدوا من التأخيرات الطبيعية في تلقي اللقاحات.

يصعب كثيرًا إجراء تجربة سريرية في غينيا بيساو. ويتعيَّن على آبي وبين أن يخزِّنا اللقاحات في ثلاجة في منزلهما، الذي فيه مولِّد للكهرباء لأنه لا يمكن توقع انقطاعات شبكة الكهرباء (وقد كانت الكهرباء تنقطع عندهما يوميًّا خلال زيارتي). كما أن عدم الاستقرار السياسي يُعَد مشكلةً أخرى، إذ إن إحدى محاولاتهما لإجراء تجربة باءت بالفشل بسبب وقوع حرب أهلية مدمرة في عام 1998، عانى فيها آبي أيضًا من جرح كاد أن يتسبب في قتله بعد أن طعنه لص بقطعة حديد بعد أن نهب منزله. كما أن بعض المواطنين في غينيا بيساو لا يتكلمون سوى لهجات نادرة، ما يجعل الأمر صعبًا كذلك، إضافةً إلى أن الكثيرين منهم لا يملكون هواتف.

ورغم تلك التحديات، يحاول آبي وبين إجراء التجارب المعشاة، مثل تلك التي ستشارك فيها ماريا. في بعض الاختبارات التي اكتملت، لم تدعم النتائج دومًا اكتشافاتهما السابقة. فعلى سبيل المثال، في تجربةٍ عمِلَ عليها آبي وبين في عام 2008، وجد الباحثون أن الرضع الذين تلقوا اللقاح الموصى به للحصبة عند عمر تسعة أشهر بالإضافة إلى جرعة إضافية ما بين أربعة أشهر إلى أربعة أشهر ونصف الشهر لم تقِل احتمالات احتجازهم بالمستشفيات أو احتمالات وفاتهم عن الرضع الذين لم يتلقوا الجرعات الإضافية. ومع ذلك، فإن كليهما مقتنع بأن آثار اللقاح حقيقية ولكنها فقط ليست مفهومةً على نحو كامل. غير أن هالسي يرى أن إصرارهما المستمر هو أمر يبعث على القلق، ويقول: "العلماء ذوو الأهداف السليمة حقًّا يتقبلون الأمر عندما تتضح عدم صحة ملحوظة أولية كانوا قد رصدوها".

كما أن ثمة سببًا آخر وراء عدم شعبية آبي وبين؛ فقد نشرا دراسات ترجح أن اللقاحات المعطلة مثل اللقاح الثلاثي DTP لها تأثيرات ضارة، خاصةً على الفتيات. ورغم أن هذه اللقاحات تقي من الأمراض التي تستهدفها، فقد ربط آبي وبين هذه اللقاحات بزيادة التعرُّض للإصابة بأمراض معدية أخرى. لم يتضح لماذا قد يحدث ذلك –ربما كان التعرُّض لمُمْرِضات مميتة قد جعل الجهاز المناعي أكثر تساهلًا في التعامل مع دخلاء مستقبليين آخرين– ويزعم نقاد هذا الرأي أن مثل هذا الربط ليس فقط كاذبًا، ولكنه خطير أيضًا؛ لأنه قد يزعزع ثقة العامة باللقاحات. يقول آبي: "البعض منهم يعتبرني مجنونًا مثيرًا للمتاعب".

البحث عن حقيقة واضحة

إلا أن معارك آبي ستدخل مرحلة جديدة. فبالرغم من أنه يذكر أن تمويل أبحاثه الخاصة قد أوشك على النفاد، فإن منظمة الصحة العالمية تقول إنها ستدخل الساحة قريبًا. تواصل آبي مع المنظمة في البداية بشأن ما توصل إليه في عام 1997، وفي عام 2013 شكلت المنظمة مجموعة عمل لمراجعة البيانات. وفي عام 2014، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن الموضوع كان يستحق مزيدًا من الاهتمام، وفي عامي 2016 و2017 ناقشت خططًا للإشراف على تجارب إضافية. ستدرس التجربة الأولى آثار إعطاء لقاح بي سي جي المضاد للسل للأطفال عند الولادة على معدلات وفيات الرضع مقابل لقاح وهمي. وستقيِّم التجربة الأخرى آثار إعطاء جرعة إضافية من لقاح الحصبة مع اللقاح الثلاثي DTP للأطفال في عمر بين 12 و16 شهرًا.

غير أن آبي وآخرين قلقون من احتمال عدم كشف تلك التجارب سوى عن قدر ضئيل من الحقيقة. سيُعطَى المشاركون لقاحات معطلة، إما في الوقت نفسه الذي سيعطَون فيه لقاحات حية أو بعدها، وهو الأمر الذي قد يعوق حدوث آثار مفيدة محتملة وفقًا لدراسات سابقة لآبي. يقول كولمان: "ناقشنا ذلك بالتفصيل مع خبراء كثيرين، وتشير الأدلة بوضوح إلى أن هذه التجارب لن تقدم حلًّا". ويتفق معه في ذلك طبيب الأطفال الأسترالي شان، ويقول إن هذه التجارب ستمثل "إهدارًا فادحًا للوقت والمال"؛ لأن "كل المشاركين لا يفهمون المجال حقًّا". والآن، ليس من الواضح متى ستبدأ التجارب. يقول المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، طارق جساريفيتش: إنه حتى بداية عام 2019، لم تكن المنظمة قد عثرت على ممولين حتى تتمكن من أداء العمل.

وفي النهاية، يشعر آبي بالقلق من أن تكون منظمة الصحة العالمية غير جادة في التعامل مع الأمر. فهو يشك في أن المنظمة تريد أن تبدو وكأنها تأخذ الإجراءات اللازمة بعد تقريرها الصادر في عام 2014 حول الآثار غير المستهدفة، إلا أن هدفها الحقيقي هو أن تدفن هذه المسألة. فإذا كانت الآثار غير المتخصصة للقاحات حقيقية وقوية بالقدر الكافي لإنقاذ الحياة، فإن منظمات الصحة العامة سيتعين عليها أن تفكر في إجراء تعديلات على جدول التطعيمات، بل ربما سيتعين عليها استبعاد بعض اللقاحات المعطلة وإدراج أخرى حية مكانها، وهو الأمر الذي سيكون في غاية الصعوبة.

في العام الماضي، سألت فرانك ديستيفانو -مدير مكتب سلامة التحصينات التابع لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها- عما سيتطلبه الأمر لإجراء تلك التغييرات في الولايات المتحدة الأمريكية، فقال: "من المؤكد أن الأدلة يجب أن تكون أقوى لإثبات أن هذا التأثير حقيقي". وأشار إلى أن المراكز ليس لديها خطط في الوقت الحالي لجمع المزيد من البيانات حول هذه المسألة، ولكن حتى وإن كان لديها أدلة إضافية فإنه سيتعيَّن عليها التفكير في كل المخاطر المحتملة والفوائد قبل إجراء تغييرات في السياسات.

في الليلة التي تركت فيها غينيا بيساو، جلست في الحديقة الخلفية مع بين وأكلنا الجبن الدنماركي الذي أحضرته معها لدى عودتها من رحلتها الأخيرة إلى بلادها، وفكرت في فلسفة الثنائي في العلم. هذان الباحثان لا يشعران بالخجل مما يؤمنان به؛ فهما مقتنعان بأن الآثار غير المتخصصة حقيقية ولكنها معقدة للغاية لدرجة أن تفاصيل كثيرة ستظل لغزًا، وهما لا يخافان قول ذلك. أما النقاد فيعدُّون هذا القدر الكبير من اليقين نقطة ضعف شديدة، فهو حكم مسبق يؤثر على حيادية نتائجهما. وقد يحدث ذلك بالفعل. لكن الانحياز ليس مقتصرًا عليهما؛ فالعلماء بشر، لهم أفكار وأحكام مسبقة ومشاعر، وكل دراسة تتطلب تفسيرات. فكيف نعرف أيَّ التفسيرات أقرب للصواب؟ هل هؤلاء الذين يقرون بما يعتقدون أكثر تحيزًا ممن لا يفعلون ذلك؟ مَن الذي عليه أن يقرر متى تصبح الأدلة المجمعة كافيةً للوصول إلى توافق، لا سيما عندما تكون الآثار غير متوقعة، وغير مناسبة، وخطيرة؟ لا توجد أجوبة واضحة داخل هذا المجال الصغير المثير للجدل على الأقل.

قالت لي بين: "تشعر وكأنك تجذب خيطًا ولا تعرف مدى كبر كرة الخيط". كانت تشير بكلامها إلى أبحاث اللقاحات، ولكن ربما كانت تتحدث عن العملية العلمية نفسها. إن علم البيولوجيا لشديد التعقيد؛ لأن أجسامنا شديدة التعقيد. كما أن ممارسة العلم معقدة أيضًا لأنها منتج إنساني؛ فهي جهد أنتجته وصاغته عقولنا غير الكاملة. وإن كانت اللقاحات تفعل ما يعتقده آبي وبين –ولا يزال هذا سؤالًا مطروحًا لم يجب عنه– فسيكون هناك المزيد من الفوضى في أثناء محاولات فك طلاسم اللغز قبل أن يرى العالم الأمور من منظورهما.