قبل أن يطور البشر الأقراص الصلبة بمليارات السنين، اختار التطور الحمض النووي لتخزين أثمن معلوماته وأغلاها، ألا وهي الشفرة الوراثية. وبمرور الوقت، أصبح الحمض النووي شديد البراعة في هذه المهمة، حتى إن جميع أشكال الحياة المعروفة على الأرض تستخدمه. ومع الإنجازات والطفرات التكنولوجية الحديثة التي تتيح لنا بسهولة "قراءة" الحمض النووي و"كتابته"، يعيد العلماء الآن توظيف هذا الجزيء القديم قِدَم الدهر لتخزين أنواع جديدة من المعلومات، وتحديدًا النوع الذي ينتجه البشر بمعدلات هائلة في عصر البيانات الضخمة.

خضعت فكرة إعادة توظيف الحمض النووي وتهيئته لتخزين معلومات بخلاف الشفرة الوراثية لمناقشات واسعة النطاق. ففي نهاية المطاف، قيم الصفر والواحد المستخدمة في كتابة شفرات الكمبيوتر في حالة صدام مع حدود الفيزياء. وقد ظهر أحد التحديات التي تواجه عملية التخزين الآمن لجميع البيانات التي ننشئها جليًّا للعيان مؤخرًا، عندما أعلنت شبكة "ماي سبيس" (Myspace)، التي كانت في وقت من الأوقات أكثر شبكات التواصل الاجتماعي انتشارًا، أن بيانات تعادل ما تم جمعه على مدار عقد من الزمن ربما تكون قد فُقدت إلى الأبد في أحد مشروعات ترحيل الخوادم. إن الحماية طويلة الأجل للبيانات -مثل حماية البيانات الخاصة بموقع إلكتروني أُعيدَ تشغيله بعد فترة من التوقف- تكشف نقاط ضعف التكنولوجيات الراهنة وعدم مواكبتها للتطور. وهذه ليست مجرد مشكلة تتعلق بالمكان أو المساحة فحسب، فثمة حاجة إلى طاقة هائلة للحفاظ على تخزين البيانات.

تتيح خصائص الحمض النووي القدرة على التغلب على مثل هذه المشكلات. من ناحية، فإن البنية الحلزونية المزدوجة للحمض النووي مناسبة تمامًا لتخزين المعلومات؛ وذلك لأن معرفة تسلسل خيط واحد يخبرك تلقائيًّا بتسلسل الخيط الآخر. كذلك يتميز الحمض النووي باستقراره لفترات طويلة، مما يعني إمكانية الحفاظ على سلامة المعلومات ودقتها. على سبيل المثال، في عام 2017، قام العلماء بتحليل الحمض النووي المستخلص من رفات بشري بلغ من العمر 8100 عام، ولم يكن ذلك الرفات حتى مُخزَّنًا في ظروف مثالية طوال الوقت. ومن المعروف أن الحمض النووي إذا حُفِظ في بيئة باردة وجافة، فإنه من المؤكد تقريبًا أن يصمد لعشرات الآلاف من السنين. كما أن الحمض النووي يتميز أيضًا بالاستقرار لامتدادات طويلة، مما يعني أنه يمكن الحفاظ على سلامة المعلومات ودقتها.

رغم ذلك، ربما يكون الجانب الأكثر إقناعًا في البنية الحلزونية المزدوجة هو أنها يمكن أن تتحول إلى بنية شديدة الكثافة بشكل خارج عن المألوف. على سبيل المقارنة، تحتوي كل خلية بشرية بمفردها على نواة يبلغ قطرها تقريبا 0,00001 من المتر، ولكن إذا قمنا بمد الحمض النووي الموجود داخل نواة واحدة، فإن طوله سوف يصل إلى مترين. بعبارة أخرى، إذا قمنا بربط خيوط الحمض النووي لدى شخص ما معًا، فسوف يمتد طولها إلى 100 تريليون متر. في عام 2014، قدَّر العلماء أنه من الممكن نظريًّا تخزين 455 إكسابايت من البيانات في جرام واحد من الحمض النووي، أي أن كثافة تخزين المعلومات بهذه الدرجة تزيد بحوالي مليون ضعف تقريبًا عن كثافة التخزين الفعلية في الأقراص الصلبة.

ورغم انتشار التفكير في الحمض النووي بوصفه وسيلةً للتخزين، لا تزال هناك عقبات علمية واقتصادية وأخلاقية كبيرة ينبغي التغلب عليها قبل أن يتمكن الحمض النووي من الحلول محل الأقراص الصلبة التقليدية. في الوقت نفسه، تتزايد فوائد الحمض النووي واستخداماته في الوقت الراهن على نطاق واسع بوصفه شكلًا أوسع نطاقًا من أشكال تكنولوجيا المعلومات. فقد استُخدم الحمض النووي، على سبيل المثال، لتسجيل أفلام هوليوود القديمة، مما ساعد في الحفاظ على تلك الأعمال الكلاسيكية في صورة شفرة وراثية بدلًا من استخدام الميكروفيلم الهش القابل للتلف. بل إنه منذ وقت قريب، استُخدم الحمض النووي كأداة لتصميم علاجات جينية أكثر أمانًا، وتسريع عملية تطوير العقاقير المضادة للسرطان، بل وحتى إطلاق ما قد يمكن اعتباره أول "بث مباشر" وراثي لكائن حي. وعلى هامش ذلك المجال الناشئ، ثمة مساعٍ في الوقت الراهن لاستخدام الحمض النووي، ليس لتخزين البيانات على المدى الطويل فحسب، بل لتسهيل إنتاج البيانات بسرعة غير مسبوقة؛ وذلك لأن الحمض النووي أكثر قابليةً للاتساع والتمدد من أي جزيء آخر في كلا الاتجاهين، مما يتيح لنا زيادة كمية البيانات التي ننشئها زيادةً هائلةً وتقليص الموارد اللازمة لتخزينها.

تسريع الجسيمات النانوية الجديدة

في السنوات الأخيرة، تزايد استخدام العلماء للحمض النووي كمسجل جزيئي من أجل فهم النتائج التجريبية التي يتوصلون إليها وتتبُّعها. في العديد من الحالات، تتضمن هذه العملية الترميز الشريطي للحمض النووي؛ فمن أجل تمييز نتيجة تجربة فردية وتتبُّعها، يستخدم العلماء تسلسلًا معروفًا للحمض النووي ليكون بمنزلة وسم جزيئي. على سبيل المثال، قد ترتبط نتيجة تجريبية بتسلسل الحمض النووي (ACTATC)، في حين قد ترتبط نتيجة أخرى بالتسلسل (TCTGAT) وهكذا.

لا يزال استخدام عملية الترميز الشريطي للحمض النووي قائمًا منذ بدايته في أوائل تسعينيات القرن العشرين، عندما اقترح ريتشارد ليرنر والراحل سيدني برينر -وكانا حينذاك يعملان معًا في معهد سكريبس للأبحاث- تلك العملية بوصفها وسيلةً لتتبُع التفاعلات الكيميائية. ولقد كانت الفكرة مبتكرةً للغاية ولكنها سابقة لعصرها، فلم يكن قد تم بعد تطوير التكنولوجيا التي تقرأ الحمض النووي بسهولة وبتكلفة زهيدة. ولم تتحقق تلك الإمكانية إلا بعد أن قدم العديد من العلماء إسهامات هائلة تتعلق بكيمياء النيوكليوتيدات والموائع الدقيقة (الميكروفلويدات) وغيرها من المناهج والأساليب، والتي أتاحت -مجتمِعةً- ظهور ما يسمى بتسلسل الجيل التالي. ثم في عام 2005، تحققت طفرة هائلة، عندما أعلن باحثون أنه تم تحليل 25 مليون قاعدة حمض نووي في تجربة استغرقت أربع ساعات.

استمر تسلسل الجيل التالي في التحسُّن بإيقاع سريع، فأصبح من السهل اليوم قراءة ملايين من تسلسلات الحمض النووي في الوقت نفسه، مما يعني أنه يمكن إجراء آلاف التجارب وتحليلها على نحوٍ متزامن. إن تجارب تحليل الرموز الشريطية للحمض النووي باستخدام تقنية تسلسل الجيل التالي هي شكل خاص من أشكال إدارة البيانات: فبدلًا من اختبار الأفكار واحدةً تلو الأخرى، يمكن للعلماء أن يضعوا 20 ألف تنبؤ واختبارها جميعًا لمعرفة أيها صحيح.

كان علماء الأحياء أول مَن استخدم الترميز الشريطي للحمض النووي على نطاق واسع. ونظرًا إلى أن هذه التكنولوجيا قد أصبحت أكثرَ سهولة، صار الباحثون في العديد من المجالات المختلفة -متضمنةً الهندسة الكيميائية وعلوم المواد- يستخدمونها لإجراء تجارب على مستويات ونطاقات جديدة تمامًا. في المختبر الذي أعمل فيه بمعهد جورجيا للتكنولوجيا، على سبيل المثال، يستخدم المهندسون الرموز الشريطية للحمض النووي لتحسين تصميم الجسيمات النانوية ووظيفتها؛ حتى يتمكنوا من توصيل الأدوية بأمان إلى الخلايا المريضة. قد تبدو تكنولوجيا النانو -التي تعتمد أساسًا على الفيزياء والهندسة الكيميائية- غير مرتبطة على الإطلاق بالحمض النووي، لكن عندما تفكر في الحمض النووي باعتباره وسيلةً لتتبُّع أي بيانات وتخزينها، تتضح على الفور أهميته كأداة تنظيمية.

Credit: Jen Christiansen; 

المصدر: "مقارنة مباشرة لتوصيل الحمض النووي في المختبر وفي جسم الكائن الحي عبر مئات الجسيمات النانوية تكشف عن علاقة ضعيفة"، دراسة أجرتها كالينا بونوفسكا وآخرون، ونُشرت في دورية "نانو ليترز" Nano Letters، المجلد 18، العدد 3، 14 مارس 2018.

تتمثل إحدى المشكلات الأساسية التي يواجهها علماء تكنولوجيا النانو في أن تصميم التجارب للبحث عن علاجات فعالة لا يزال أسهل بكثير من إجراء تلك التجارب وتحليل النتائج. ويرجع ذلك إلى أن الشكل والحجم والشحنة والتركيب الكيميائي والعديد من المتغيرات الأخرى للجسيمات النانوية الفردية يمكن أن تغير من مدى قدرتها على توصيل الأدوية الجينية إلى الخلايا المريضة. بالإضافة إلى ذلك، تتفاعل جميع تلك العوامل بعضها مع بعض، مما يجعل من الصعب على الباحثين التنبؤ بالجسيمات النانوية التي ستتمكن من توصيل الدواء الذي بحوزتها بأفضل طريقة موجَّهة. وهناك حل واضح يتمثل في تقييم كل جسيم نانوي واحدًا تلو الآخر، غير أن البيانات الواردة من شركات الأدوية الكبرى التي طورت جسيمات نانوية لأدوية الحمض النووي الريبي أظهرت أن هذا النوع من الاختبارات قد يتطلب مئات الملايين من الدولارات لتنفيذه.

وهذا هو المجال الذي يمكن فيه لقدرات التخزين الخاصة بالحمض النووي أن تحقق تقدمًا هائلًا. لزيادة عدد الجسيمات النانوية التي بمقدورنا اختبارها، يمكننا أن نُصمم الآلاف منها ببِنى كيميائية متنوعة -مثل دوائر كبيرة موجبة الشحنة أو مثلثات صغيرة حيادية الشحنة، على سبيل المثال- وأن نخصص لكل جسيم رمزًا شريطيًّا للحمض النووي.

فمثلًا الجسيم النانوي رقم 1، ذو التركيب الكيميائي رقم 1، يحمل الرمز الشريطي للحمض النووي رقم 1، والجسيم النانوي رقم 2، ذو التركيب الكيميائي رقم 2، يحمل الرمز الشريطي للحمض النووي رقم 2. ونكرر عملية الترميز الشريطي هذه مراتٍ عديدة، مما ينشئ الكثير من الجسيمات النانوية المختلفة التي يمتلك كل جسيم منها وسمه الجزيئي الفريد للحمض النووي. ثم يمكننا بعد ذلك إعطاء المئات من تلك الجسيمات النانوية للخلايا المريضة. ولتعرُّف الجسيم الذي نجح في توصيل الدواء، يمكننا استخدام تسلسل الحمض النووي لتحديد الرموز الشريطية داخل الخلايا.

يُعَد نطاق تلك التجارب جديدًا تمامًا على مجال الطب النانوي؛ فأي تجربة "تقليدية" في مجالنا تولد ما بين نقطة وخمس نقاط من البيانات. وبنهاية عام 2019، يأمل المختبر الذي أعمل فيه تحديدَ كيفية قيام 500 جسيم نانوي مختلف بتوصيل علاجات جينية إلى 40 نوعًا مختلفًا من الخلايا. ويمثل أداء هذا العمل ما يعادل إجراء 20 ألف تجربة في آنٍ واحد.

نتيجةً لذلك، كنا بحاجة أيضًا إلى إنشاء وسيلة لتحليل البيانات تكون قادرةً على مراقبة جودة البيانات، إلى جانب مساعدتنا في إجراء اختبار إحصائي للنتائج التي نتوصل إليها. أولًا، قمنا بقياس إلى أي مدى يمكن أن تتنبأ النتائج المُستخلصة من تجربة مُكرَّرة بتوصيل العلاج في تجربة أخرى. وبمجرد أن تأكدنا من أن مجموعات البيانات الضخمة يمكن الوثوق بها، استخدمنا الإحصائيات لطرح سؤال عما إذا كانت بعض سمات الجسيمات النانوية -مثل حجمها- تؤثر على عملية توصيل العلاج إلى الأنسجة المستهدفة. فوجدنا أن كيمياء الجسيمات النانوية -وليس حجمها- هي التي تحدد مدى نجاح الجسيمات النانوية في توصيل العلاج. ونأمل باستخدام هذا النهج اكتشافَ علاجات جينية آمنة بسرعة أكبر وباستخدام موارد أقل بكثير. ويتمثل أحد أهدافنا في تحديد جسيم نانوي يمكنه على وجه التحديد توصيل علاجات جينية تساعد على قتل الأورام، ومن ثم تقليل الآثار الجانبية المصاحبة للعلاجات الحالية، مثل الغثيان وفقدان الشعر.

وقد حققنا بالفعل قدرًا من النجاح. في عام 2018، ومن خلال استخدام مجموعات ضخمة من البيانات التي جرى التوصل إليها من تجارب الترميز الشريطي للحمض النووي، حددنا بسرعة جسيمات نانوية جديدة تستطيع توصيل علاجات جينية إلى الخلايا البطانية الغشائية، وهي الخلايا المبطنة للأوعية الدموية، وكذلك عدة أنواع من الخلايا المناعية، التي تحكم كيفية استجابة أجسامنا للمرض. ويمكن لهذا الاكتشاف أن يؤدي إلى تغيير العلاج من خلال إتاحة الفرصة أمامنا لتغيير نشاط البروتينات في الخلايا المناعية التي تُعد "غير قابلة للعلاج" في الوقت الراهن، بمعنى أن البروتينات يصعب استهدافها باستخدام أدوية الجزيئات الصغيرة أو الأجسام المضادة. ونتيجةً للبيانات المنشورة في دوريات مثل "بروسيدنجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسس يو إس إيه" Proceedings of the National Academy of Sciences USA و"أدفانسد ماتيريالز" Advanced Materials و"جورنال أوف ذي أمريكان كيميكال سوسايتي" Journal of the American Chemical Society في عامي 2018 و2019، وجدنا اهتمامًا كبيرًا بالأمر بين أخصائيين آخرين في العلاج الجيني، وتمكنَّا من إطلاق شركة "جايد آر إكس" (GuideRx)، وهي شركة للترميز الجيني تركز على تطوير علاجات جينية آمنة بشكل فعال.

أصبح الترميز الشريطي للحمض النووي شائعًا الآن لدرجة أنه يُطبَّق بطرق مختلفة حتى في المجال الواحد. ومن الأمثلة على هذا بيولوجيا السرطان، وهو المجال الذي يدرس كيف تُسبب الطفرات الجينية السرطان وكيف يمكن للأدوية الجديدة علاجه، غير أن مقاومة العقاقير لا تزال تمثل تحديًا كبيرًا في هذا المجال، فغالبًا ما يستجيب المرضى مبدئيًّا للدواء، ولكنهم يعانون من الانتكاس عندما يفقد الدواء القدرة على قتل خلايا الورم.

استخدم العلماء في مختبر تود جولوب بجامعة هارفارد الترميز الشريطي للحمض النووي لدراسة هذه المقاومة للأدوية. في عام 2016، وصف العلماء كيف استخدموا الفيروس لإدخال رمز شريطي إلى الحمض النووي بشكل دائم في جينوم الخلايا السرطانية مباشرة. حصل النوع "أ" من الخلايا السرطانية على تسلسل الرمز الشريطي "أ"، وحصل النوع "ب" من الخلايا السرطانية على تسلسل الرمز الشريطي "ب"، وهكذا. مزج العلماء الخلايا المختلفة معًا ووضعوها على طبق وعالجوها بدواء للسرطان.

كان التصور أنه إذا قتل الدواءُ الخليةَ السرطانية أو أبطأ نموها، فإن الخلية لن تنقسم، ولكن إذا أصبحت الخلية مقاوِمةً للعقار، فإنها سوف تنقسم بسرعة. وهكذا، بمرور الوقت، كان المقدار النسبي لتسلسل الرمز الشريطي "أ" يزيد إذا أصبحت الخلية من النوع "أ" مقاوِمةً للعقار، أو -بدلًا من ذلك- كان ذلك المقدار يتناقص إذا قتل الدواء الخلية من النوع "أ". ومن خلال إجراء تسلسل لجميع الرموز الشريطية من الخلايا الناجية على مدار الوقت، حدد المختبر مدى استجابة جميع أنواع الخلايا للدواء في آن واحد.

في وقت لاحق من ذلك العام، استخدم مختبر مونتي وينسلو بجامعة ستانفورد خطوط خلايا البنكرياس التي خضعت للترميز الشريطي للحمض النووي لتحديد العقاقير التي منعت انتشار السرطان أو ما يُعرف باسم النقيلة أو هجرة الخلايا السرطانية. قام المختبر بعمل ترميز شريطي لكل خط خلوي باستخدام أحد الفيروسات، ثم وضع كل خط خلوي في الوعاء الخاص به، بعد ذلك عولج كل وعاء بدواء مضاد للسرطان. بتلك الطريقة، أصبح الدواء رقم 1 مرتبطًا بالرمز الشريطي رقم 1. وبعد ذلك مباشرةً، حقن العلماء الخلايا في مجرى الدم، ثم أجروا قياسات لتحديد الخلايا التي انتشرت إلى الرئتين. ومن خلال التعرف على الرموز الشريطية التي كانت إما متوافرة بكثرة وإما منعدمة، حدد الباحثون الأدوية التي عززت هجرة الخلايا السرطانية أو منعتها على التوالي.

في مثال ثالث، استخدم العلماء في معهد برود التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد الترميز الشريطي للحمض النووي؛ لدراسة كيف تؤثر جميع الجينات في الجينوم على ورم سرطاني واحد. فزرع الباحثون في البداية عددًا كبيرًا للغاية من الخلايا ووضعوها معًا في طبق كبير، ثم استخدموا برنامجًا للتحرير الجيني بهدف تعطيل جميع الجينات في الجينوم أو تنشيطها واحدًا تلو الآخر. كان تسلسل الجين الذي تم تعديل تعبيره الجيني بمنزلة الرمز الشريطي. ومن خلال علاج الخلايا بدواء للسرطان وعمل تسلسل للحمض النووي بمرور الوقت، تمكَّن العلماء من فهم كيف يؤثر كل جين في الجينوم على المقاومة للأدوية.

في هذه الأساليب، يعمل الحمض النووي كجزيء مُولِّد للبيانات؛ لأنه ضروري لإجراء جميع التجارب بشكل متزامن، وكجزيء لتخزين البيانات، لأنه يتم استخدام تسلسل الجيل التالي لتحليل الرموز الشريطية للحمض النووي. كانت التداعيات مذهلة، فقد اتضح أنه يمكن تطبيق التقنيات نفسها على أمراض المناعة الذاتية والأمراض العصبية، وكذلك على اعتلال وظائف القلب والأوعية الدموية. يمكن فهم القوة الكاملة لاستخدام الترميز الشريطي للحمض النووي من خلال تمرين بسيط. في الأمثلة التي تمت مناقشتها سابقًا، يمكنك أن تستبدل بلفظة "سرطان" مرضًا مختلفًا، أو تستبدل بكلمة "مقاومة" أية استجابة مرغوبة للدواء. بهذه الطريقة تكون تهيئة الترميز الشريطي للحمض النووي بصورة أساسية؛ لتسهيل عملية تطوير العقاقير في المراحل المبكرة، ومن ثَمَّ تسريع المسار نحو التوصل إلى علاجات فعالة.

القراءة مُقارنة بالكتابة

يعتمد الترميز الشريطي للحمض النووي على "قراءة" تسلسلات الحمض النووي المعروفة، غير أنه، حتى وقت قريب، لم يكن من الممكن عمليًّا "كتابة" تسلسلات الحمض النووي. وبشكل عام، أرى كتابة الحمض النووي بمنزلة تحويل أشكال أخرى من المعلومات -مثل الصور أو الأفلام السينمائية أو الحالات البيولوجية– عن عمد إلى تسلسلات يمكن تخزينها وقراءتها لاحقًا. وتُعَد أنظمة التحرير الجيني، المستمدة من تقنية التكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة منتظمة التباعُد المعروفة باسم "كريسبر" CRISPR، هي القوة الدافعة والمحركة لكثير من تقنيات الكتابة الجديدة تلك. ويمكن للعلماء، باستخدام أنظمة كريسبر المصممة بشكل منطقي، كتابة تسلسلات الحمض النووي.

تستغل العديد من التطورات الحديثة الطريقة التي تطورت بها أنظمة كريسبر بشكل طبيعي للدفاع عن البكتيريا ضد الهجمات الفيروسية. وبشكل أكثر تحديدًا، تهاجم الفيروسات البكتيريا عن طريق الالتصاق بسطح البكتيريا ثم إدخال الحمض النووي أو الحمض النووي الريبي الفيروسي الخاص بها. ولكي "تتذكر" البكتيريا الفيروس تجنُّبًا للهجمات المستقبلية، طورت البكتيريا أنظمة كريسبر التي يمكنها التعرُّف على الحمض النووي أو الحمض النووي الريبي الفيروسي ثُم تُدخِل أجزاءً صغيرة من الحمض النووي في الجينوم الخاص بها. بعبارة أخرى، فإن البكتيريا "تكتب"، أو "تسجل" تاريخًا للفيروسات التي هاجمتها كي تدافع عن نفسها.

البنية الحلزونية المزدوجة للحمض النووي تجعله وسيلة تخزين مثالية، لكن ليس بإمكانه بعدُ أن يحل محل الأقراص الصلبة التقليدية. Credit: Getty Images

من خلال استغلال هذه الآلية، استخدم سيث شيبمان -الذي يعمل في مختبر جورج تشيرتش، عالِم الوراثة بجامعة هارفارد، والذي يعمل حاليًا بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو- تقنية كريسبر لتسجيل صور ليد بشرية مباشرة في جينوم البكتيريا الإشريكية القولونية "إي كولاي" (Escherichia coli). ولإنجاز تلك المهمة، قدَّم شيبمان وزملاؤه أولًا تعبيرًا جينيًّا عن بروتينين هما كاس 1 وكاس 2. ويمكن لهذين البروتينين معًا استخلاص نيوكليوتيدات الحمض النووي وإدخالها في الجينوم، ثم قام الباحثون بعد ذلك "بتغذية" بكتيريا إي كولاي بتسلسلات الحمض النووي المُشفَّرة في صورة بكسلات، عند وضعها معًا في تسلسل واحد، تُنتج صورة اليد. تَطلَّب القيام بذلك الإجراء من العلماء تخصيص جوانب مختلفة من المعلومات للحمض النووي. على سبيل المثال، في إحدى الحالات كانت الحروف "A" و"C" و"G" و"T" يرمز كل حرف منها إلى لون مختلف للبكسل، في حين قام تسلسل مصاحب للرمز الشريطي للحمض النووي بتشفير الموقع المكاني للبكسل داخل الصورة بأكملها.

من خلال إجراء تسلسُل للحمض النووي المأخوذ من بكتيريا الإشريكية القولونية، أعاد المؤلفون صياغة الصورة الأصلية بدقة تزيد على 90%. بعد ذلك، كرر المؤلفون التجربة ولكن مع إضافة تغيير مهم؛ فقد أضافوا الحمض النووي في أوقات مختلفة وأدرجوا طريقةً لتحليل موضع تسلسلات الحمض النووي المسجلة، بنسبة بعضها إلى بعض. ومن خلال قياس ما إذا كانت التسلسلات قد أضيفت إلى جينوم الإشريكية القولونية في وقت مبكر أم متأخر، تمكَّن الباحثون من إنشاء سلسلة من الصور، وبالتالي تشفير فيلم متحرك. سجل الباحثون صورةً بصيغة "GIF" من جزء من الصورة المتحركة الأولى، التي كان إدوارد مويبريدج قد أنشأها في عام 1878، والتي كانت تصور حصانًا يركض. وفي ورقة بحثية نُشرَت في عام 2017، أوضح الباحثون أنهم قد أعادوا تركيب فيلم مويبريدج الشهير من خلال إجراء تسلسل لجينوم البكتيريا.

ومنذ وقت قريب، توصَّل العلماء في مختبر راندال بلات بالمعهد الاتحادي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich) إلى اكتشاف بالغ الأهمية، يأخذ تلك المناهج والأساليب إلى آفاق أبعد من خلال استهداف الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA)، الذي يُعَد بمنزلة قريب جزيئي رئيسي للحمض النووي. فبدلًا من تسجيل الصور المشفرة بواسطة تسلسلات الحمض النووي غير الطبيعية، استخدم الباحثون تقنية كريسبر من نوع مختلف من البكتيريا لإنتاج ما يسمى بالسجلات الحية للتعبير الجيني الطبيعي عن الحمض النووي الريبي المرسال لدى البكتيريا. من ثم، صار المزيج المُكوَّن من جميع الأحماض النووية الريبية المرسالة المختلفة في خلية معينة هو الذي يحدد البروتينات التي يتم تصنيعها، وبالتالي جميع الوظائف الخلوية.

لتسجيل الحمض النووي الريبي المرسال الذي تنتجه خلية معينة في نقاط زمنية مختلفة، فحص العلماء في مختبر بلات في البداية بروتينات كريسبر-كاس المأخوذة من العديد من السلالات البكتيرية المختلفة. وقد أتاحت لهم هذه العملية تحديد البروتينات القادرة على تحويل الحمض النووي الريبي المرسال الطبيعي إلى حمض نووي وتشفيره في الجينوم. وجد الباحثون أن البروتينين كاس 1 وكاس 2 المأخوذَين من البكتيريا المعروفة باسم "Fusicatenibacter saccharivorans" تمكَّنا من القيام بذلك. ومن خلال سلسلة من الدراسات المتميزة باستخدام فيروسات متخصصة، أثبت الفريق في عام 2018 أن الخلايا سجلت بدقة ما إذا كانت قد تعرضت سابقًا لإجهاد تأكسدي أو ظروف حمضية، أو حتى لمبيدات أعشاب.

كانت تلك النتائج مثيرةً للغاية؛ لأنها أظهرت أن الجينات التي تعبر عنها الخلية بشكل طبيعي في وقت معين يمكن تسجيلها في الجينوم لتحليلها لاحقًا. ومع استمرار مختبر بلات في تحسين هذه التكنولوجيا، تتزايد إمكانية أن يصبح التسجيل الخلوي أمرًا شائعًا. وهذا التطور من شأنه أن يُمكِّن العلماء من تتبُّع كيف تتحول الخلية إلى خلية سرطانية، وكيف تستجيب للعدوى بمرور الوقت، بل وكيف تشيخ.

انتشار التخزين بواسطة الحمض النووي

نظرًا إلى أن الحمض النووي يُستخدم لإنشاء المعلومات وتتبُّعها وتخزينها في عدد متزايد من المجالات، صار السؤال الأكثر وضوحًا الآن عما إذا كان الحمض النووي سيتنافس في نهاية المطاف مع أجهزة التخزين الإلكتروني التقليدية لحفظ جميع البيانات الرقمية التي ينتجها البشر. في الوقت الراهن، إجابة هذا السؤال هي "لا"، إذ إن الأقراص الصلبة وأجهزة ذاكرة الفلاش أفضل بكثير في حفظ المعلومات حتى من أنظمة الحمض النووي الأكثر تطورًا.

لكن على غرار جميع التكنولوجيات، فإن الأجهزة الإلكترونية التقليدية لها أوجه قصور؛ فهي تشغل مساحةً مكانيةً وتتطلب ظروفًا بيئية محددة للعمل، كما أن أكثرها متانةً وأطولها عمرًا من غير المرجح أن تعيش لأكثر من بضعة عقود. ونظرًا لهذه المشكلات، قد يصبح من الصعب قريبًا الحفاظ على جميع البيانات التي ننتجها اليوم.

أما الحمض النووي، على سبيل المقارنة، فيتميز بأن عمره يصل تقريبًا إلى عشرات الآلاف من السنين إذا تم حفظه في ظروف باردة وجافة. وعادةً ما يُخزّن الحمض النووي اليوم بالفعل عند درجة حرارة 20 درجة مئوية تحت الصفر أو حتى 80 درجة مئوية تحت الصفر في المختبرات التي تتطلب ظروفًا شديدة البرودة، كما يمكن تخزينه أيضًا في درجات حرارة شديدة الارتفاع لا يمكن للأجهزة الإلكترونية التقليدية تحمُّلها. في عام 2015، أوضح روبرت جراس وويندلين ستارك -وكلاهما يعمل في المعهد الاتحادي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ- أن الحمض النووي المخزَّن في السيليكا يمكنه تحمُّل درجة حرارة تبلغ 70 درجة مئوية لمدة أسبوع دون حدوث أية أخطاء. وعلى الرغم من أن الأقراص الصلبة يمكن أن تستوعب ما يصل إلى 1 تيرابايت لكل بوصة مربعة، تشير تقديرات حديثة إلى أنه -من الناحية النظرية- يمكن الاحتفاظ بجميع المعلومات الموجودة في العالم بأسره في أقل من كيلوجرام واحد من الحمض النووي.

ولكي يصبح تخزين البيانات على الحمض النووي أمرًا شائعًا، لا تزال هناك طفرات تكنولوجية هائلة ينبغي تحقيقها. يتمثل وجه القصور الرئيسي لهذه العملية في أن تخزين المعلومات لا يتطابق مع استخراجها، بمعنى أن الحصول على البيانات من قرص صلب يتم بشكل شبه فوري، أما استخراج البيانات نفسها من الحمض النووي فيتطلَّب إجراء عملية تسلسل، وهي عملية تستغرق حاليًّا مدةً تتراوح بين بضع دقائق ويوم بأكمله. وعلى الرغم من القفزات الهائلة التي تحققت في عمليات تسلسل الحمض النووي على مدار السنوات القليلة الماضية، فإن تلك العمليات لا تزال هائلةً ومكلفة، مقارنةً بالأقراص الصلبة.

وهذه العقبات ليست الاعتبارات الوحيدة التي ينبغي التعامل معها قبل أن يحقق تخزين البيانات على الحمض النووي كامل إمكانياته. فعلى صعيد المجتمع، نحتاج إلى الإقرار بأن انتشار تسلسل الحمض النووي في كل مكان سوف يعني أيضًا أن تتبُّع الأشخاص سوف يكون أسهل كثيرًا، ولكن في الوقت نفسه سوف تظهر نقاط ضعف جديدة فيما يخص أمن البيانات، وثمة الكثير والكثير من الأمثلة على المخاوف المتعلقة بالخصوصية، سواء في الولايات المتحدة أو على مستوى العالم.

يُستخدم تسلسل الحمض النووي حاليًّا بالفعل، إذ تستعمله دوائر الشرطة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة في ظل رقابة محدودة. ومن خلال الحصول على عينة من الحمض النووي للأشخاص الذين يتم إلقاء القبض عليهم، حتى في الجرائم البسيطة، فإن الشرطة تؤسس حاليًّا بنوك بيانات ضخمة للمعلومات الوراثية. يرى البعض أن هذه العملية هي المعادل في القرن الحادي والعشرين لعملية أخذ البصمات التقليدية، لكن ثمة فرقًا جوهريًّا؛ فبصمات الأصابع تدل على فرد واحد، أما إذا قدم أحد أقاربك عينةً من الحمض النووي الخاص به، فإن المعلومات التي يكشفها ذلك الشخص يمكن أن تحدد هويتك أو هوية أي شخص آخر في عائلتك. في الصين، وتحت ستار أحد البرامج الصحية، جمع المسؤولون معلوماتٍ وراثيةً من حوالي 36 مليون شخص، من بينهم الكثير من الأفراد المنتمين إلى شعب الإيجور، وهي جماعة عرقية مسلمة تعاني من التمييز، ولا يزال من غير الواضح كيف ستستخدم الحكومة تلك البيانات.

وفي الوقت الراهن، تتضمن المخاوف بشأن تخزين البيانات على الحمض النووي أيضًا الشفرة الوراثية للشخص نفسه، فالنقاش يدور في هذا الصدد حول حماية الهوية. ولكن في المستقبل، إذا تم تخزين فئات أخرى من المعلومات مثل بيانات الرعاية الصحية والعقود القانونية والتواريخ الرقمية للأفراد على الحمض النووي، فإن هذا السيناريو سوف يطرح المزيد من الأسئلة حول مواطن الضعف في تخزين البيانات على الحمض النووي، وذلك على مستوى الأمن المادي والأمن السيبراني. ونظرًا إلى أنه يمكن الاحتفاظ بقدر هائل من المعلومات في هذه المساحة الصغيرة، كيف سيتم توزيع البيانات لتجنُّب التركُّز الزائد في مكان واحد؟ وحتى إذا أمكن تبسيط عملية استخراج البيانات، فكيف سيتم الوصول إلى البيانات وإعادتها بشكل روتيني دون تعريضها لخطر عمليات الاختراق الخبيثة أو ضياعها عرضًا؟

عندما أفكر في العمل الشاق -على المستويين العلمي والأخلاقي- الذي يجب إنجازه، يمكن أن يبدو الأمر مخيفًا ومثبطًا للهمم. ولكني أحب التفكير في الأخوين "رايت"؛ لأنني نشأت في البلدة نفسها التي كانا يعيشان فيها في ولاية أوهايو؛ لقد استغرقت رحلتهما الأولى 12 ثانية بارتفاع 37 مترًا، ولكن بعد ستة وستين عامًا، ومن دون مزايا الحوسبة الحديثة، هبط البشر على سطح القمر. تدفعني هذه المآثر والإنجازات العظيمة إلى التفاؤل والإيمان بقدرتنا على تسخير القوة الطبيعية للحمض النووي في غضون العقود القليلة القادمة، وكذلك -من خلال الإقرار الفعلي بقدرة الحمض النووي على إلحاق الضرر- المساعدة في ضمان ألا نجني منه سوى الخير.